مسائل وعبر من أحكام الصيف والحر

مسائل وعبر من أحكام الصيف والحر

المحاضرة بعنوان مسائل وعبر من أحكام الصيف والحر، والتي كانت بمسجد ابن عباس بمنطقة زغفه بمدينة الشحر بين مغرب وعشاء يوم الجمعة 21 ذو القعدة 1447هـ الموافق 8 مايو 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التأقلم مع فصل الصيف

يتناول أهمية فهم أحكام الصيف والحر والتأقلم مع التغيرات الفصلية وفق الشريعة الإسلامية. يشير إلى أن الإسلام نظم حياة المسلم في مختلف الظروف.

حكمة خلق الشمس وتأثيرها

يشرح حكمة الله في خلق الشمس وتأثيرها على العباد، ويبين أن الشمس مخلوق ذليل يتحرك بقدرة الله. يشير إلى أن فصل الصيف له مصالح وحكم.

أحكام الصيف السلوكية والنظافة

يتحدث عن أهمية التستر وستر العورة، والتنظف والاغتسال لإزالة الروائح الكريهة، والاهتمام بالنظافة عند الخروج والدخول إلى المسجد. يشمل أحكاماً متعلقة بالصيف مثل الاغتسال واستخدام مزيلات العرق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، عباد الله، بادئ ذي بدء نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا هذا اللقاء، نلتقي بآبائنا وإخواننا وأبنائنا في هذه المنطقة الطيبة أهلها، وفي هذا المسجد المبارك مسجد ابن عباس الذي لطالما أقيمت فيه الكلمات والندوات والمحاضرات والدورات التي يمتفع منها القاصي والداني، فكانت بحق نبراساً لأهل هذه المنطقة، بل لساحل حضرموت، لعظيم ما نجده من همة إخواننا حفظهم الله تعالى. ونثني بعد ذلك، بعد شكرنا لله، الشكر لأخينا أبي خليل الشيخ مصطفى حفظه الله تعالى ورعاه، بما تطرق إليه ونوه حول فضيلة هذه المجالس، وحول عنوان هذه المحاضرة: مسائل وأحكام وعبر حول الصيف والحر. أولى ما ابتدأ به هذه المحاضرة، إخواني في الله، أولاً: لماذا الاختيار لهذا الموضوع بالذات؟ هذا يعود إلى عدة أمور. الأمر الأول: وهو ما نجده في هذه الأيام من دخول فصل الصيف، بل بأقوى صوره، إذ نحن قد دخلنا قبل أيام بما يسمى بنجم الأربعينية، وهي تعتبر من النجوم الحارة جداً. ومن تأمل في الأيام الفائتة وجد ذلكم، حتى أن الأرقام القياسية قد ضربت في ارتفاع درجة الحرارة. فإذا كان الأمر كذلك، فإن من المناسب الكلام فيما نحن فيه، وهذا ما يعبر عنه العلماء بفقه المناسبات، أن تتكلم فيما أنت فيه الآن، حتى يكون أدعى لاستحضار مسائله وأحكامه، والناس بحاجة إليه. الأمر الثاني الذي لأجله نتطرق لهذا الموضوع، إخواني في الله: أن ما نحن فيه، وهي ظاهرة الصيف والحر، تعتبر من الظواهر الكونية التي يجريها الله عز وجل في الكون. وقد أمرنا ربنا سبحانه وتعالى وأرشد ورغب في ضرورة إعمال فكرنا وعقولنا في التدبر لهذه الأحوال وهذه التغيرات، كما قال سبحانه: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾. الأمر الثالث الذي لأجله نطرق هذا الموضوع: الخفاء لكثير من مسائل الصيف. ولا أعني خفاء مسائل حدوث فصل الصيف وما يتعلق بالأمور الكونية واقتراب الشمس من الأرض أو قطر الجنوب والشمال، لا، ما أعنيه بهذا الخفاء، وإنما أعني خفاء المسائل الشرعية. إذ أن هذا الصيف وهذا الفصل بالذات تأتي من وراء أحكام عقدية وعملية واجتماعية وسلوكية وتعبدية، وتجد أن الكثير من الناس تخفى عليه، وهذا مؤدى أنه يسيء التعامل في تعبده لله جل وعلا في هذه الأوقات والأزمان. ومن هنا كان ينبغي لنا، إخواني في الله، أن نشير إشارات إلى ما ينبغي فعله في أيام ارتفاع درجة الحرارة، إذ أن الشريعة قد أمرت بأمور. رابعاً: مما نطرقه في موضوع أحكام الصيف والحر، مسألة التأقلم. التأقلم: وهي صفة عند الإنسان تجعله يتأقلم مع البيئة الذي هو فيها. والإنسان المسلم خاصة المسلم، أعطاه الله عز وجل هذه الصفة من دون سؤال الناس. وأن المسلم يتأقلم مع الأوضاع، يتأقلم مع التغيرات، هو يتجه إلى الله، يتجه إلى ربه، مهما تغيرت الظروف والأمور، وهو يمشي، ما يثنيه شيء. بل إذا جاءت الظروف متغيرة، فهي لا تغيره، بل هو يغيرها، حتى تبقى معيناً له، مهما تغيرت، كما جاء في حديث صهيب بن سنان، حين أن قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكراً فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبراً فكان خيراً له». تأمل: هو يسير إلى الله، جاءته سراء، جعل هذه السراء ليست محل التبختر أو الاستكبار، حاشا وكلا، وإنما جعلها مقام شكر، فأعانه هذا السراء في المضي إلى الله. ولو انعكس الأمر، هو بنفسه، لو انعكس الأمر عليه، فابتلي بضراء، بمصيبة، بمدلهمة، هو كذلك يسير إلى الله، جعل هذه المصيبة تتحول إلى مقام آخر من مقامات الدين، وهو الصبر، فكان خيراً له. ولهذا جاء في روايات الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». هذه صفة تميز بها أهل الإسلام. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذا الموضوع، وهو مسألة ذكر مسائل الحر والصيف، هي معينة لنا في أن نتأقلم، لأننا سنجد أن من الناس من يتذمر، من يرجع القهقرة، بحجة الجو الحار، بحجة الصيف، بحجة الأربعينية. لا يا عبد الله، لا ترجع الوراء، ولا تتقهقر، بل اجعل هذا التغير مما يعينك على استمرارك إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا الذي أعنيه بالتأقلم، وهذا من فوائد فهم هذا الموضوع الذي نحن بصدده. ويضاف أمر خاص خامس، كذلك، مما يستفاد من أحكام الصيف والحر، وهي شمولية الإسلام. ما تجد يا عبد الله ديناً كدين الإسلام، نظم حياتك من وإلى، ليس فقط الحياة الشخصية، في تعاملك، في مأكلك ومشربك وملبسك وحمامك ونومك، كل هذا جاء الإسلام بتقنينه. وليس فقط في تعاملك مع غيرك، مع والديك، مع أزواجك، مع أولادك، مع جيرانك، قد جاء الإسلام، بل حتى جاء الإسلام في تعاملك مع الكون، هناك أحكام متعلقة بالشتاء، إذا أطل في الأعمار، بحلول موسم الشتاء، قد نتطرق إلى أحكام الشتاء، وهكذا إذا جاء الصيف، هناك أحكام جاءت للصيف. فتجد أن هذا الدين غريب عجيب، ما هناك دين يدانيه، ولا يوازيه، ولا يساويه بأحكامه وشرائعه، ما جعل المسلم سبهللا في كل شيء، كل شيء بمعنى الكلمة. حتى أن ذاك اليهودي قال لسلمان: «يا سلمان، إن دينكم علمكم كل شيء حتى الخراءة». قال: «نعم». كل شيء، حتى لما يقضي الإنسان حاجته، علمه الإسلام كيف آداء قضاء الحاجة. وهكذا نحن في هذا اليوم، مما نرفع به الهم، وأن نفتخر على من غيرنا من اليهود والنصارى والملاحدة: «قل: اخسأوا، فلن تعدوا قدركم». هذا هو ديننا، علمنا كل شيء، حتى في الفصول، في زمن تغيرات الأجواء، جاء الدين بتعليمنا وتربيتنا وتهذيبنا. نبدأ، إخواني في الله، حول أهم المباحث من المباحث المهمة المتعلقة بأحكام الصيف والحر، ما يتعلق بالأحكام العقدية العلمية. من أولى هذه المسائل، إخواني في الله، ونحن في فصل الصيف، وارتفاع درجة الحرارة، ويكون ذلك لأجل قرب الشمس من الأرض، أن نعلم أن ما يقع شيء في الكون إلا بما شاء الله سبحانه وتعالى. فالكون كونه يتصرف كيف شاء، وأن هذا الجرم السماوي والنجم الناري، ألا وهو الشمس، ما هو إلا مخلوق من خلق الله، يتصرف الله جل وعلا فيه كيف شاء، كما قال سبحانه: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾. الله عز وجل هو الذي قدر للشمس ما يكون من حركتها، ومن مشيها، ومن جريانها. وحين أن نظر نبينا إلى الشمس حال غروبها، قال لأصحابه: «إنها تذهب فتخر تحت عرش الرحمن». نعم، هذا الفلك العظيم، ما هو إلا مخلوق ذليل بين يدي رب العالمين، يخر خاضعاً لله عز وجل، ساجداً، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. فالله عز وجل هو الذي يحكمه. في قصة يوشع بن نون عليه السلام، حين أن أراد أن يقاتل العمالقة من الكنعانيين من الكفار، وكانوا سكان بيت المقدس، وأثناء القتال معهم، يوشع مع بني إسرائيل ضد الكنعانيين، كادت الشمس أن تغرب، وكان هذا ما يوم الجمعة، وكان من شريعة بني إسرائيل أن الشمس إذا غربت في يوم الجمعة، فإنهم يكفون عن القتال وعن العمل، لا قتال، لا عمل، هذه شريعة عند بني إسرائيل. فعلم يوشع أن بغروب شمس الجمعة سيضعون السلاح، وما سيرفعونه إلا بغروب يوم السبت، وهذا فيه هلاك لأنه فيه خضم مع حرب وقتال مع الكفار. فماذا فعل يوشع؟ نظر إلى الشمس وقال: «يا أيتها الشمس، إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم حبسها علينا». فحبست الشمس. الشاهد، إخواني في الله، أننا نصل إلى هذه الفائدة العلمية العقدية، من أن الشمس إنما تتحرك بقدرة الله، لا بإرادتها، فهي لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً. هذا يتفرع منه مسألة، وهي: إذا فهمت هذه المسألة حق الفهم، حين سنعلم غلط وخطأ بعض الناس، ممن يسب ويشتم ويلعن الصيف، أو يشتم الحر، أو يتصخب على الشمس. هذا ما سيتأتى إذا علمت بعد هذه المقدمة، أن الشمس ما هي إلا مخلوق يسير بأمر الله، هو الذي سيره، وهو الذي أراده على هذا الحال، وهو الذي سبحانه طلب منهم أن يزيد في حرارة البلاد، وترتفع درجات الحرارة في البلدان، هذا من أمر الله عز وجل. فكونك تسب الشمس، أو تسب الصيف، هو في الحقيقة سب لله، لأن الله هو الآمر. وقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر». سبحانه، أي: أني أنا المتحكم بالدهر. ففصل الشتاء، والصيف، والربيع، والخريف، والرياح، كل ذلك بتقدير الله. فسبك لها هو سب لمن دبرها، فلا يجوز. لكن لا شك، أما إن أما إذا جئت إلى الوصف، فتصف، تقول: «هذا جو حار»، «هذا كذا»، هذا ما في شيء، هذا وصف، ليس سباً، هذا أمر ليس في ذلك غضاضة. إذن، هذه الفائدة العقدية العلمية، وهو أن نعلم أن الشمس، والصيف، والحر، بقدرة الله، وبإرادته. الأمر الثاني: أن من مما ينبغي أن نعلمه في حكمة الله في الصيف، أن الله جل وعلا أتى به لحكمة، لحكمة علمها من علمها، وجهلها من جهلها. يقين ينبغي أن نعلم، لأن من عقيدة أهل السنة أن أفعال الله قائمة على الحكمة. ومن حكمة الله الإتيان بفصل الصيف، مع ارتفاع درجة الحرارة. يقول علامة بن القيم، رحمه الله تعالى: «تأملوا أحوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها، لإقامة الأزمنة والفصول، وما فيها من مصالح وحكم». هكذا قال. قال: «تأملوا تأملوا في أحوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها، وما فيها من مصالح وحكم». قال: «لو كان فلو كان صيفاً كله لفاتت مصالح الشتاء، ولو كان شتاءً كله لفاتت مصالح ومنافع الصيف». أي: أراد أن يبين، وأن يدلل على أن مسألة تغاير الفصول، وخاصة الشمس في قربها، وما تأتي من حرارتها، من حكمة الله عز وجل، لأن فيها ما تغضيه مصالح العباد. كما قال ابن القيم: «فلو كان الشتاء، الجو كله شتاءً، لفاتت مصالح الصيف». وصيف فيه مصالح، يعني: نحن، يعني: من كان من أهل البحر، يعلم هذا، يعلم أن للصيف فضيلة على البحر، وفي الأرزاق، المزارع يعلم أن للصيف فضيلة في المزارع والتربة، والإتيان ببعض الفواكه، بتنطجها. بل حتى الجسد، الجسد يعني يتفاعل مع الصيف، ويرتاح من ذلك، ما يكون من نزول العرق، هذا مما يذكر العلماء في أهل الطب الحديث والقديم، أن في إنزال العرق، واستنزاف العرق من الجسد، فيه إخراج الميكروبات والجراثيم، وفيه كذلك فتح المسامات، فتح مسامات الجلد، التي غطيت بالأتربة والأوساخ. وأن في العرق تنظيم لدرجة حرارة الجسم الداخلية. في إنزال العرق سبيل إلى إنزال وتخفيض الوزن. وكم سنعدد هذه الحكم، حكم، حكم، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. لهذا الإنسان، إخواني في الله، يخضع في حكم الله، فيما فعل وأراد جل في علاه. الفائدة الثالثة من الفوائد العلمية العقدية: أن هذه الحرارة، ودرجة حرارة الدنيا، تفيدنا بأن تذكرنا بجهنم، بجهنم، والعياذ بالله. قال عليه الصلاة والسلام: «إن شدة الحر من فيح جهنم». أربط يا عبد الله، شدة الحر في الدنيا، من فيح جهنم الأخروي. فالذي نجده من الحرارة، هذا يذكرنا بشيء من فيح جهنم. ولما جاء في الحديث الصحيح، أن النار اشتكت إلى ربها، قائلة: «يا رب، يا رب، أكل بعضي بعضاً». أي: النار، جهنم، من شدة حرقانها، وغليانها، أكل بعضها بعضاً. قال عليه الصلاة والسلام: «فأذن الله لها بنفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف». فهو أشد ما تجدونه من الحر، وأشد ما تجدونه من الزمهرير، هذا متنفس لمن في جهنم. لما كانت مطبقة تغلي، يحرق بعضها بعضاً، فتح لها الله نفساً. والنفس، قال العلماء: هو الشيء الذي يخرج من الجوف. هذا النفس يخرج من الجوف، فيخرج، هذا الطباق الجهنمي، يخرج منه نفسان، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. النفس في الصيف، وهذا الحر، قال رسول الله: «فهو أشد ما تجدونه من الحر». هذا نفس من جهنم. وأما في الشتاء، هو أشد ما نجده من البرودة، البرد القارس، هذا نفس من جهنم. وقد يشكل هذا على بعض: النار كيف نفس جهنم برودة؟ وهل جهنم فيها برودة؟ نعم، فقد ذكر العلماء أن من أصناف عذاب النار يوم القيامة، صنف الزمهرير، عذاب الزمهرير، كما حكاه جماعة من السلف. وهذا العذاب: أن الله عز وجل يسلط البرودة الشديدة على هؤلاء المكذبين، فتتجمد عظامهم، فتسقط لحومهم. نسأل الله السلامة والعافية. هنا عذاب يجعل الله لها نفساً كذلك في الشتاء. فالشاهد، إخواني في الله، من هذه الفائدة: إذا رأيت مثلاً، وأنت خرجت يوماً في الظهيرة، والحر شديد، تذكر عذاب جهنم، حينها استعذ بالله من النار، قل: «أعوذ بالله من النار»، «أعوذ بالله من جهنم». وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تعوذ من النار ثلاث مرات، قالت النار: اللهم قهي عن النار». فأنت يا عبد الله، إذا رأيت حرارة الشمس الشديدة، فبدل أنك تتصخب، أو أنك تسب، لا، اشتغل بما ينفع، قل: «أعوذ بالله من النار»، «أعوذ بالله من النار»، «أعوذ بالله من حر النار». هنا تدعو لك جهنم. رابعاً: مما يستفاد أيضاً من الناحية العملية، أو العلمية، من ارتفاع درجة الحرارة، وأن فيها تذكير لنا بموقف عصيب من مواقف يوم الدين، حين أن يقوم الناس قياماً لرب العالمين، يوم القيامة، حين أن تدنوا وتنزل الشمس، فتكون فوق رؤوس العباد، فوق رؤوس العباد. حين يبتل الناس بعرقهم، وكل عرقه على قدر ذنبه. من الناس من يأتيه العرق إلى ركبته، ومن الناس من يأتيه العرق إلى وسطه، ومن الناس من يأتيه العرق إلى رأسه. في الدنيا نحن الآن مثلاً في هذا الحر، كم تبعد الشمس عنا؟ تبعد كما يقول العلماء ملايين الأميال، الشمس فوق، ومع ذلك نحن في أيام الصيف نتخفى بالظل، نتخفى هذا مع الجدار، وهذا على شجرة، وهذا معه مظلة، وهذا معه كتاب، من شدة الحرارة. فما ظنك يا عبد الله يوم القيامة؟ كما جاء في حديث أبي هريرة: أن الشمس تكون فوق رؤوس العباد، مقدار ميل واحد، ميل. وهناك ما عندك ظل إلا ظل واحد، وهو ظل الأعمال. قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». هذا هو الظل. هذا الذي ينفعك، أنت الآن لما ترى الشمس فوقك، وتستظل، تذكر ذلك الموقف، حين أن تدنى الشمس فوقك، فما هو ظلك؟ ابحث يا عبد الله في هذه الأعمال السبعة، لعل الله ينفعك بها يوم قيامة. ننتقل الآن إلى بعض ما يستفيده، أو ما نعتبر به من أحكام الصيف والحر، من الناحية السلوكية. وعندي أحكام كثيرة. الحكم الأول، الأولى المسألة: ضرورة التستر، وعدم التكشف. صحيح أن الناس في أيام الحر كهذه الأيام يسعى إلى تخفيف من الثياب، طلباً للتبرد، لكن لا يكون ذلك على حساب ماذا؟ لا يكون ذلك على حساب أنك تكشف العورة. لا، لا يكون بكشف العورات. والذي عليه جمهور العلماء: أن عورة الرجل من السرة إلى الركبة، من السرة إلى الركبة. فالإنسان المسلم عليه أن يتحلى بهذا الأدب، يتحلى بهذا الأدب، سواء كان خارج البيت، كان يذهب إلى بحر، يذهب إلى مسبح، يذهب إلى منتزه، لا يتساهل في كشف عن فخذه، لحجة الحر. أو كان حتى في بيته، عند أفراد أسرته، وأولاده، لا، لا يتساهل، وإنما يتحشم، إلا من امرأته، كما قال سبحانه: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾. وجاء في الحديث الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». فقيل: «يا رسول الله، إذا كان أحدنا خالياً؟» قال عليه الصلاة والسلام: «فالله أحق أن تستحي منه». وهذه مسألة: وهي أن الإنسان في بيته لوحده، ليس عنده أحد، هل له أن يتعرى، يسير، يمشي، يتقلب على فراجه؟ الجواب: لا. لهذا قال شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى: «وأمر بسترها، أي: العورة، في الخلوة». قال: «وهذا واجب عند أكثر العلماء». وقال الإمام الشوكاني، رحمه الله تعالى: «والحق وجوب ستر العورة في كل الأوقات، في كل الأوقات، إلا في وقت قضاء الحاجة، وعند الإفضاء إلى الأهل، وعند الاغتسال». فهذه المسألة، يا عبد الله، احرص على أنك لا تظهر عورتك، ولا شيء، وإنما احرص. وهذه يجرنا إلى مسألة أخرى، إخواني في الله، وهي: تذكير المرأة بعظيم ما هي عليه. صحيح أن المرأة تعاني ربما أشد مما يعاني الرجل. الرجل ربما يخفف من ثيابه، يلبس قرمة، يلبس خفيف، يخفف من بعض الألبسة. لكن المرأة ما تستطيع، فتلبس الروب، ناهيك عن الملابس الداخلية، ثم العباءة فوق ذلكم، هذا كله مع الخروج، عادة أسود، تمتص درجة الحرارة، تمتص، فما تصل إلى بيتها وهي تقطر عرقاً، وتتصبب، حتى ربما تجد أثر العرق في ثيابها، ينهمر. فهنا المرأة تستبر وتحتسب الأجر، وتعلم أن هذا مما تؤجر عليه، ليس فقط ثواب الجلباب والحجاب، بل ما يترتب عليه من هذا التعب والضيق والحر، هذا تؤجر عليه أجراً آخر. والقاعدة عند العلماء: أن كل ما يتولد عن عمل صالح، فهو عمل صالح. وفي الحديث الذي قال فيه نبينا: «إنما أجرك على قدر مشقتك». فالمرأة التي تخرج، وتلتزم بالحجاب، وهي مع هذا الحر الشديد، وتحتسب الأجر عند الله، فالله عز وجل يعطيها من الأجر ما لا يخطر على بال. كذلك مما أذكره من المسائل السلوكية في أيام الصيف والحر: ما يكون من مسألة التنظف والاغتسال ونحوه. لا شك أن الحر هو مظنة للعرق، فهو ينزل بكثرة دائماً ودوماً. وهذا العرق ربما إن بعثت منه روائح مستكرهة في البدن، وفي الثوب. فالمسلم إزاء هذه المعضلة، ويخروج الروائح، عليه أن يتنزه منها قدر الإمكان، وذلك بتنظيف ثوبه وبدنه، بالغسل والاغتسال. جاء عند أبي داود، والحاكم، من حديث ابن عباس، قال: «ويحدث عن بداية الغسل أن الناس كانوا يلبسون الصوف، وكانوا يعملون، تخيل صوف ويعمل، وكان المسجد كما قال ابن عباس ضيقاً، وسقفه قريب، السقف ليس فيه تهوية، قريب السقف، مع ضيق. قال: «فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار، وقد انبعثت منهم الرياح، رياح العرق والزهم، قال: حتى تأذى بعضهم من بعض، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الرياح، فقال: يا أيها الناس، إذا كان مثل هذا اليوم، يعني: الجمعة، فاغتسلوا، وليجد أحدكم أفضل ما يجد من طيبه ودهنه». اغتسال وتنظف، وهكذا الطيب، وترتيب. قال: «يا أيها الناس، إذا كان مثل هذا اليوم، فاغتسلوا، وليجد أحدكم أجود ما يجد، أو أفضل ما يجد من طيبه ودهنه». ومن هنا، إخواني في الله، الأصل أن التنظف في كل الأحوال، لكن أشير إلى ثلاثة أوقات، احرص على أن تتنظف فيها أكثر. أولاها: عند الخروج مع الناس، عند ملاقات الناس، احرص عبد الله على أنك تزيل هذه الروائح منك، فقد قال العلماء: «كان رسول الله أنظف الناس». الموقف الثاني: عند الدخول إلى المسجد، احرص على كمال التنظف، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، أن تتنبعث منك الروائح، العرق، ونحو ذلك. في برودة، كما سيأتي، أو في الأربعينية، لا، احرص أنك تزيد من تنظفك. وهنا مسألة: لو أنك ابتليت، فصليت عند أحد ممن فاحت ريحته، هذا قد يقع، والله، حيانا تصلي، أو يصلي عندك أحد، أو تصلي عند أحد، فتتفاجأ بالريح، تعكر، وأنت تتلثم، ما تستطيع، هل لك أن تخرج؟ سئل سماحة العلماء العثيمين، رحمه الله تعالى، في حق من صلى، وبجواره أحد قد فاحت منه ريحته، أو الدخان، وغيرها. قال: «أخرج من الصلاة، وتحول إلى مكان آخر». هذه رخصة، ما فيها شيء، لأن الأصل أنك ملزم بالخشوع، أما أنك تصابر، هذا تصابر، هذا لا، ما أنا أصبر، ولا أن أكلفه، أكلف الصلاة كله، وأنا تلثم، لا، أخرج، وصلي في الصف الثاني، ما ضيق الله عليك. هذا الموطن الثاني: عند الصلاة. والموطن الثالث: ينبغي أن تكون في كمال النظافة، عند أهلك، عند أهلك. لا تكون تحاول تكون نظيفاً عند الناس، وإذا جئت من عند أهلك، وهي صابرة، محتسبة، ما يحتاج، هذا ما يحتاج. يقول ابن عباس، رضي الله تعالى عنه: «قال: وإني لا أتزين لأهلي كما أحب أن تتزين لي». أنت ما ترضى إذا جاءت امرأة، وهي تفوح بالروائح، يقول: «كم يا زبالة، كم مني يا الله، كم تغسل». فأنت ما ترضى بوصاختها، وتأتي بريحها، وهو ينفث منها، كذلك أنت، هي ما ترضى هذا منك. لكن تستحي، ولهذا قال ابن عباس: «إني لأتزين لأهلي كما أحب أن تتزين لي». هذه المواطن، يا عبد الله، احرص على أن تكون ماذا؟ مما تراعي فيها النظافة. ومما يلتحق بالنظافة كذلكم، يا إخواني، ما يتعلق باستخدام مزيلات العرق. والحمد لله الآن عندنا كثير من المزيلات، وكذلك هذه الأمور المعطرة، ذات الرائحة الطيبة، دخون، ونحو ذلك، تستخدم. وهذه من الطيبة. وإذا سطعت أن تستخدم الطيب عند المدخل، وعند المخرج، فهذا يا عبد الله مما يقول في قول نبينا: «إن الله جميل يحب الجمال». جميل يحب الجمال، أكثر من الطيب، وخاصة في هذه الأيام التي مظنة خروج الروائح، حتى لا يجد منك أحد ريحاً تنفر. وكذلك مما يدخل في النظافة والنزاهة: ما يتعلق بأمر إزالة خصال الفطرة، إزالة خصال الفطرة، مثل نتف الإبط، مثل حلق العانة. لأن هذه الشعور مظنة لتجمع العرق، وخروج النتن، وخروج النتن. فحرص يا عبد الله على أنك تزيلها، وأنك ولا تنتظر إلى أربعين يوماً، لا تنتظر هذا، أحياناً هذا أعلى مدة، لكن دون ذلك، أحياناً. العلماء جعلوه مدخلاً الأسبوع، يستحب لك في كل جمعة. ومنهم من جعله كل خميس، أنك تتعاهد خصال الفطرة بالإزالة، حتى تبقى نقيا نظيفاً، وأنت في غاية من الجمال والبهاء والحسن والكمال. ومما أذكر كذلك في هذه المسألة، مسألة التنظف في أيام الصيف والحر، مسألة الاغتسال. الفائدة: وهي فائدة فقهية، على أن الاغتسال، إن كان اغتسالك للتبرد والتنظف، فهذا لا يجزئ عن الوضوء، ما يجزئ عن الوضوء، يحتاج أن تتوضأ قبله، أو أن تتوضأ بعده. إيثاله: أنت جئت من السوق، قبل الظهر، جئت من السوق، وأنت تتصبب عرقاً، وتريد أن تصلي الظهر، أعلم أنه إن بغيت أنك تتخلص من هذه الإفرازات، فتغتسل، لكن انظر غسلك هنا، غسل التبرد، لما تقتسل، هل هذا مجزي عن الوضوء؟ الجواب: لا. فأنت محتاج إلى وضوء، إما أنك تتوضأ أولاً ثم تقتسل، أو أنك تقتسل ثم تتوضأ، ثم تصلي. فغسل التبرد لا يسقط الوضوء. لكن إذا كان اغتسالك غسل جنابة، أو من حدث أكبر، هذا نعم يجزئ عن الوضوء. كان يكون رجل عليه احتلام مثلاً من بعد الصبح، عنده احتلام، لكن ما اغتسل، قال: «سأذهب إلى السوق، سأتبضع، ثم آتي وأغتسل، غسل واحد». فذهب وجاء، هنا سيغتسل، لكن انظر هنا في نية اغتسال جنابة، هنا إذا اغتسل غسل جنابة، هل يحتاج أن يتوضأ؟ الجواب: لا، لا يحتاج إلى الوضوء. فينبغي أن نفرق بين الأغسال. فمن كان غسل غسل تبرد، هنا يحتاج إلى وضوء. وأما إن كان غسل حدث، فلا يحتاج إلى وضوء، لأن القاعدة: الحدث الأصغر يندرج تحت الحدث الأكبر. كذلك مما أذكر من مسائل أحكام الصيف السلوكية: مسألة الاستضلال، مسألة الظل. وهذه تظهر فائدتها في أيام الصيف، وأيام الحر، وهي من أعظم النعم، النعم التي يجدها المسلم في أوقات الحر. ما ذكر ذلك ربنا، كما قال تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور﴾. ما يستوي الظل، ما يستوي أنت أحياناً لما تمشي في الشمس الحارقة الحارة، ثم تجد ظلاً، تجد بون، تقول: «هو بون شاسع»، كما قال: ﴿ولا يستوي الظل ولا الحرور﴾. فمن كان في الظل، فهو في نعمة، في نعمة. فالشاهد، إخواني في الله، هذه النعمة والتي نلتمسها في مثل هذه الأيام، في فصل الصيف والحر، لعظيم شأنها، فإن الله عز وجل من طريق الشريعة الإسلامية راعاها، وأمر بضرورة الحفاظ على الظل قدر المستطاع. ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا اللاعنين». قال: «ومن لاعنان يا رسول الله؟» قال: «الذي يتخلى في ظل الناس، والذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم». يتخلى: أن يقضي الحاجة في طريق الناس، أو في ظلهم. أي: الظل الذي هو ظل الناس، الناس اعتادوا على ظل، اعتادوا على ظل، فكونك تأتي إلى هذا الظل، وتتلفه عليهم، بغائط، ونحو ذلك، هذا لا يجوز. ومعنى الحديث: «اتقوا اللاعنين يا أيها الناس، اتقوا اثنين يجلب عليكم اللعنة، يجلب عليكم اللعنة»، وهو التخلي في طريق الناس، أو التخلي في ظل الناس. فهذا كله من باب احترام الظل. ومما يدخل في ظل الناس مثلاً: مواقف السيارات، تجد بعض المواقف فيه ظلة، هذا موقف خاص للسيارات، ظل، لا تأتي وتتبرز عنده. أو كذلك عند المنتزهات، في الحدائق، تجد هناك كرسي وفيه ظلة، هذا للاستراحة، لا تأتي وتتغوط عنده. أنت في بطنك تبحث، ووجدت: «أوه، هذا ظل، والله ظل تمام». تدخل هذا ظل الناس، يا عبد الله، هذا كبير من كبائر الذنوب، كبير من كبائر الذنوب، فلا يجوز أنك تتخلى في ظل الناس، أو كذلك في طريق الناس، احتراماً للظل. بقي مسألة: هل الإنسان مثلاً في فصل الصيف يقول: «أنا أريد أن أتعبد الله بالظل، بترك الظل، أريد أن أصاب بالعرق». مثل الحرمة، لكن أنت ذكرت الآن حرمة، لما تكون فيها عباية، وينزل منها العرق، شديد، تؤجر. «أنا أبغى الله مثل هذا، أنا بمشي في الشمس، وأتحدى الشمس، وخلي الشمس تفوح على رأسي، وأتصبب عرقاً، وأتعبد الله بهذا». هل هذا يجوز؟ الجواب: لا، ما يجوز، هذا ما يتعبد لله، ما يتعبد لله بترك الاستضلال. وقد جاء في الصحيح، في قصة حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد رجلاً واقفاً في الشمس، فسأل عنه، قالوا: «إنه أبو فلان، وإنه نذر أن لا يستظل، وأن لا يتكلم، وأن لا يقعد، وأن يصوم». أتى بأربع نذور مع بعض. فلما علم نبينا بأمره، قال: «مروه أن يتكلم، وأن يستظل، وأن يقعد، وأن يتم صومه». فالأمر أمر نبينا أن يستظل،