الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آية آل عمران ٧٨ مبينًا أن فريقًا من اليهود يلوون ألسنتهم بالتحريف اللفظي والمعنوي لكتاب الله ليُوهموا الناس أنه من عند الله، مع ذكر أمثلة كقولهم «راعنا» و«السام عليكم». ويوضح أن تكرار لفظ «الكتاب» واسم الجلالة في الآية جاء للتعظيم والتفخيم.
يستعرض المقطع أمثلة على تحريف اليهود للكلمات كقولهم "حنطة" بدل "حطة"، وتحريفهم للمعاني كما في آية الرجم حيث أخفى ابن صوريا آية الرجم بوضع إصبعه عليها. كما يكذبون على الله بزعمهم أن التوراة تبيح لهم أكل أموال الأميين واستباحة دمائهم، وهو ما نفاه القرآن.
يوضح المقطع كيف حرف اليهود والنصارى التوراة والإنجيل بالزيادة والنقصان وتغيير المعاني، ثم نسبوا ذلك إلى الله زوراً. كما يبين أمانيهم الكاذبة بأنهم شعب الله المختار وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، ورد القرآن عليهم بطلب البرهان، مشيراً إلى مكرهم وحسدهم التاريخي للمسلمين.
يذكر المقطع أن الرواية المنسوبة إلى أبي جعفر في القراءة غير صحيحة، وأن المفسرين كابن عطية والقرطبي نسبوها إليه، بينما أهل القراءات لم يثبتوا ذلك عنه، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: ٧٨]. قال رحمه الله: أي وإن من أهل الكتاب فريقًا محرفين لكتاب الله، وهم من اليهود؛ لأن اليهود أناس عندهم كتاب، وأيضًا قد عُرف بما جاء عنهم أنهم يحرفون الكتاب. وسواء كان هذا التحريف في الكلمات، أو في اللحن والقراءة، أو كذلك في لي المعاني، أو ذكر معانٍ غير المعاني التي مذكورة عندهم؛ أن يقرأونها بالعربية وهي موجودة عندهم بالعبرانية، فيأتون بها بالعربية على غير وجهها، ويقولون: هذا عندنا في الكتاب، أي في التوراة. وتجد أن الله عز وجل كرر "الكتاب" هنا ثلاث مرات، وأيضًا كرر لفظ الجلالة ثلاث مرات. وهذا يأتي كثيرًا في القرآن من باب التعظيم؛ وإلا مثلًا قد يقول: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْهُ ﴾، فيأتي بالضمير الذي يدل عليه، لكن يذكر الكتاب مرة أخرى، وهذا من باب التعظيم والتفخيم لهذا الكتاب، وكذلك لاسم الله جل وعلا. فقال: وإن من أهل الكتاب فريقًا محرفين لكتاب الله، يلون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب. والـ"لي" أصله من لي العنق في الشيء الذي هو غير صلب، مثل مثلًا لي الحبل لأجل أخذ أو تغيير مسار الخيل مثلًا أو الناقة، فيأخذ الحبل فيلي عنقه. وأيضًا "اللي" قد يكون بمعنى الدنو، كقوله: ﴿ لِيَ الْوَاجِدُ ظُلْمًا ﴾ [طه: ٨١]، وهو الدنو. فالمراد باللي: إخراج الشيء عن مساره، إخراجه عن المسار الذي أراده أو الذي هو مطلوب فيه، فيحيله إلى شيء آخر. فهنا الآن: ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ ﴾، وهذا كما قال المؤلف يشمل التحريف اللفظي والتحريف المعنوي. أنه قد يحرفون اللفظ، مثل ما جاء في قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ﴾ [البقرة: ١٠٤]، فكان اليهود يقولون "راعنا" أو يقولون "راعنا" ويريدون أنه من باب الأرعن الخشن، فنهى الله عز وجل أهل الإيمان أن يتكلموا بهذه الكلمة. كذلك أيضًا في السلام، كانوا يقولون: "السام عليكم، السام عليكم"، أي الموت عليكم، فيغيرون الحروف والمعنى، ويحسبها الإنسان أنها "السلام عليكم". ولهذا كانوا يقولون: "السام عليكم". قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم: «إن اليهود يقولون: السام عليكم، فقولوا: وعليكم؛ فإنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا». ولهذا لما سمعتهم عائشة رضي الله عنها لما قالوا: "السام عليكم"، قالت: "وعليكم السام واللعنة يا إخوان القردة والخنازير". فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مهلًا يا عائشة». فقالت: «ألم تسمع ما قالوا؟» فقال: «ألم تسمع ما قلت لهم؟ أنا قلت: وعليكم، فإنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا». فلذلك كانوا يحرفون اللفظ. أيضًا من يقول: "السلام عليكم" أيضًا هذا خطأ وتحريف في اللفظ، وغيرها من هذه الكلمات التي كانوا يحرفونها. مثل ما أيضًا حرفوا اللفظ والمعنى في قول الله عز وجل لهم: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ [البقرة: ٥٨]، أي: اللهم احطط عنا ذنوبنا، وقولوا حطة. فكانوا يقولون: "حنطة"، وحبة في شعر، يقولون: "حنطة"، أي هذه الحبة والبر، وهذا استهزاء. وكذلك أيضًا عدم سياقهم لقول الله جل وعلا: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ [البقرة: ٥٩]، فعقبهم الله عز وجل بأن أنزل عليهم رجزًا من السماء. فلذلك فهذا من تحريف اليهود. كذلك تحريفهم المعنى: يحرفون أيضًا كذلك المعاني، وهذا من اللي، وهذا أيضًا من اللي. وقد يكون تحريف المعاني تحريفًا للحكم كله، مثل ما حصل في مسألة الرجم؛ فإن ابن صوريا اليهودي قرأ في التوراة على أنها في التوراة، قرأ فيها أن من رجم يُحَمَّم وجهه، مع أنها موجود فيها الرجم، ووضع إصبعه على آية الرجم. فهم يحرفون لأن المسلمين لا يعرفون اللغة العبرانية، والتوراة مكتوبة باللغة العبرانية، فلذلك اليهود يقرأونها على ما أرادوا، ويأتون بمعاني غير صحيحة. ولهذا لما كان يقرأ ابن صوريا التوراة، قرأ أنه يُحَمَّم، ووضع إصبعه على آية الرجم. وكان عبد الله بن سلام موجودًا، فقال: يا رسول الله، دعه يؤخر إصبعه. فأخر إصبعه، فإذا فيه آية الرجم. ومن الذي عرفه؟ عرفه عبد الله بن سلام؛ لأنه من أحبار يهود. فالمهم: كانوا يقرأونها ويغيرون المعاني. ويدخل في ذلك أنهم كانوا أيضًا يقرأون كلامًا غير التوراة، لكنه بلحن التوراة؛ أن اليهود لهم لحن في التوراة مثل القرآن، يهزونه، يهزون رؤوسهم وأجسامهم في القرآن. فكانوا يأتون بكلمات من كلام العرب، ويتلونها على لحن التوراة، ويكون فيه بعض الأشياء التي يريدونها. ومثل مثلًا العذار التي يعذرون بها، مثل قولهم: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أنهم يقولون: هذا أن هذا في التوراة، وكذب على الله عز وجل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. ليس هناك شيء في التوراة أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، يأخذون أموالهم ويقتلونهم وما شاءوا فعلوا بهم، ليس عليهم شيء. ويراد بالأميين أو المراد بالأميين هم العرب. فهذا من الكذب الذي كانوا يكذبونه، وأن هذا في التوراة، ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾، ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. فلذلك ربنا جل وعلا ذكر في هذه الآية أيضًا: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ ﴾. وهذا كما قلنا: إما يحرفون اللفظ، أو يحرفون المعنى، أو يلحنون كلحن التوراة، فيحسب الشخص الذي يسمع أن هذا الشخص يقرأ التوراة، وهو لا يقرأ التوراة، وإنما كلامه ألفه. ﴿ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾، أي: يفترون على كلام الله عز وجل. ولهذا كتبوا أشياء أدخلوها في التوراة، كتبوا أشياء أدخلوها في التوراة وزعموا أنها من التوراة، كانوا يقرأونها على أنها من التوراة. وكذلك فعل النصارى في الإنجيل، وجعلوا هناك أناجيل أكثر من إنجيل، وحرفوا فيه ما أرادوا. فليس في شيء من الأناجيل أن عيسى ابن الله أبدًا، لكنهم كذبوا وأدخلوا هذا في الأناجيل، خاصة إنجيل يوحنا وغيره، الأناجيل المعتمدة عندهم التي هي محرفة. فكتبوا فيها: عيسى ابن الله، وليس في الإنجيل الذي أنزله الله عز وجل عليهم شيء من ذلك. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ٧٩]، ليشتروا به ثمنًا قليلاً. فيكتبوا كتابًا أو يكتبوا أشياء ويدخلونها في كلام الإنجيل، ويدعون أنه منه. وهذا أيضًا كذلك، فيكون تحريفهم في القراءة، وفي أيضًا الكتابة: يكتبون أشياء يزيدونها من عندهم، ويقرؤون أيضًا أشياء يقرؤونها من عندهم، حتى يحسب الإنسان أنها من التوراة وليست كذلك، وكذلك من الإنجيل. قالوا: هذا يشمل التحريف اللفظي والتحريف المعنوي. ثم هم مع هذا التحريف الشنيع يوهمون أنه من الكتاب، وهم كذبة في ذلك، ويصرحون بالكذب على الله وهم يعلمون حالهم وسوء مغبتهم. لكنهم يعلقون أنفسهم بالأمان، يعلقون أنفسهم بالأمان، وأنهم وإن فعلوا ما فعلوا فهم شعب الله المختار الذي اختارهم الله عز وجل الجنة. فلذلك يمنون أنفسهم، ويقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، وكذلك يقولون: ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: ٨٠]، وغيرها من الأماني التي يمنون بها أنفسهم. فقال الله عز وجل: ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: ١١١]. فلذلك فاليهود من أمكر خلق الله عز وجل، وكذلك أحقد وأكثر الناس حسدًا للمسلمين. فلذلك وهذا من قديم، ليس من الآن، وهذا الأمر من قديم الزمان. لكن الآن ازدادوا سوءًا، وازدادوا حسدًا وحنقًا على المسلمين. فلذلك تجد كما تقدم معنا أنهم يريدون أن يخربوا على الإسلام وعلى المسلمين بشتى الطرق، وبأنواع الطرق، حتى يخلطوا على المسلمين ويشككونهم في دينهم. وهذا هو الحاصل الآن. وسواء كان بما يقولونه ويبثونه من الشبه، أو بما يغرونه من الأموال التي يعطونها لبعض الناس حتى يرتدوا أو حتى يتشككوا في دينهم. فهذا المراد من هذه الآية: ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ ﴾. وهذا "يلون" مضارع "لواء". ويقال: أن بعضهم قرأها "يلوون"؛ أن نسبت هذه القراءة إلى أبي جعفر. لكن الظاهر أنها ليست صحيحة، وإنما نسبها بعض المفسرين كابن عطية والقرطبي وغيرهم، وأما أهل القراءات فلم ينسبوا ذلك إلى أبي جعفر رحمه الله. والله تعالى أعلم.