تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 37

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 37

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

استحالة أمر النبي بعبادة نفسه والرد على النصارى

توضح الآيات أن النبي الذي أوتي الكتاب والحكم لا يمكن أن يأمر بعبادة نفسه، بل يدعو إلى عبادة الله وحده، ويرد على النصارى الذين عبدوا عيسى، مبينة أن عيسى تبرأ من دعواهم وأمر بأن يكون الناس ربانيين يتعلمون ويعلمون ويعملون بالعلم.

معنى الربانيين وتبرؤ عيسى من دعوى الألوهية

يفسر المقطع مفهوم الرباني كمن يتربى على طاعة الله ويسلك الطريق المستقيم، ويبين أن عيسى عليه السلام لم يقل كونوا عباداً لي بل دعا إلى عبادة الله وحده، مؤكداً توحيد الله دين جميع الرسل.

انتفاء الربوبية عن غير الله وتحذير من اتخاذ أرباباً سواه

يقرر المقطع أن الله لا شريك له ولا ولد، وأن طاعة المخلوق في تحليل الحرام أو تحريم الحلال تعد اتخاذاً له رباً من دون الله، مستدلاً بحديث عدي بن حاتم، وتحذر الآية من الكفر بعد الإيمان بمن يتخذ غير الله رباً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال رحمه الله: يمتنع ويستحيل كل الاستحالة لبشر أنعم الله عليه بالوحي والكتاب والنبوة، وأعطاه الحكم الشرعي، أن يأمر الناس بعبادته، ولا بعبادة النبيين والملائكة واتخاذهم أربابًا؛ لأن هذا هو الكفر. وهذه الآية فيها رد على النصارى، فالآية التي قبلها رد الله عز وجل على اليهود تحريفهم للكتب وكذبهم على الله عز وجل، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فهذا غالبًا على اليهود، وإن كان النصارى أيضًا لهم دخول في هذه الآية. لكن في هذه الآية الأخرى رد فيها على النصارى الذين يعظمون عيسى بن مريم ويجعلونه ابن الله ويجعلونه إلهًا، فقال ربنا جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾، عبر بلفظ البشر؛ لأن الأمر مستحيل، كيف يكون الله عز وجل يرسل أنبياء ثم هذا النبي يقول للناس: كونوا عبادًا لي؟ أنا هذا مستحيل جدًا. فلم يمثل الله عز وجل بنبي، ما قال: ما كان لنبينا، وإنما قال: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾، أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة. ومعنى ذلك كما قال بعض المفسرين: أن من زعم أو من أمر الناس بعبادته بعد أن أرسله الله عز وجل، فهذا ليس من البشر، حتى صفات البشر ليست فيه، لهذا يستحيل جدًا ومن غير الممكن أبدًا أن يكون عيسى بن مريم قال للناس: كونوا عبادًا لي أبدًا. لهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. فهذه الآية تبين أن عيسى يتبرأ من هذا الذي قاله النصارى. ولهذا قال الله عز وجل هنا: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾، أنزل الله عز وجل عليه الكتاب والحكم، ثم جعله حاكما بين الناس والنبوة، ثم يقول للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله، هذا مستحيل جدًا. فقال: ﴿مَا كَانَ﴾، أي: لا يكون أبدًا. ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾، أي: ولكن يقول لهم: كونوا ربانيين، ليس كونوا عبادًا، ولكن كونوا ربانيين. والرباني هو الذي يتبع ويتعلم ويعلم، كما قال البخاري: «الرَّبَّانِيُّ هُوَ مَنْ يَعْلَمُ فِي غَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ». والمراد بالرباني: هو الذي يتربى على الإسلام وعلى الخير وعلى الطاعة، طاعة الله ورسوله، وأيضًا يسلك الأرفق، أو يسلك الطريق الصحيح في التربية والسلوك الصحيح الذي يوصل إلى الله. ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، أي: رباني في العلم أو في التعليم، رباني أيضًا كذلك في الدراسة، في علمه عندما يعلم، وكذلك في دراسته، فيعطي الناس ما يستفيدون منه، وكذلك يدرس ما ينتفع به. والعالم الرباني هو العالم بعلمه، العالم الرباني هو العالم بعلمه. قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. قال رحمه الله: قال: فكيف وقد بَعُدَ بالإسلام المنافي للكفر من كل وجه، فكيف يأمر بضده هذا النبي الذي أرسله الله؟ قال: هذا من الممتنع؛ لأن حاله وما هو عليه، وما من الله به عليه من الفضائل والخصائص، تقتضي العبودية الكاملة والخضوع التام لله الواحد القهار. وتجد أن اليهود والنصارى، وخاصة النصارى، ضلالهم كان عظيمًا إذ اتخذوا من دون الله عز وجل أولياء، ومن الذي اتخذوه وليًا من دون الله وإلهًا؟ من أرسله الله، فهذا جنون، فهذا نوع من أنواع الجنون، ونوع من أنواع الجهل، كيف يظن أن الله عز وجل يرسل نبيًا من أنبيائه ورسولًا من رسله لأجل أن يعبد من دون الله عز وجل؟ لأنه لو صرفت له العبادة من دون الله عز وجل، ولو عبد الله معه، فإن عبادة الله تكون باطلة، أن العبادة تكون باطلة؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. فربنا جل وعلا لا يرضى بأن يكون له شريك، كما قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فليس هناك لله عز وجل شريك، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، وقد ذكرنا ذلك في كلام الإمام ابن القيم في الجواب الكافي. قال رحمه الله: وهذا جواب لوفد نجران حين تمادى بهم الغرور، ووصلت بهم الحال والكبر أن قالوا: «تأمرنا يا محمد أن نعبدك؟» وهذا جاء مرسلًا عن قتادة ومجاهد، أن هذه الآية نزلت في سيد النجراني الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكأنه يريد أن يستهتر بالنبي عليه الصلاة والسلام، أو يريد أن يعجز النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا محمد، أتريدنا أن نعبدك؟» والنبي عليه الصلاة والسلام إنما أمرهم بعبادة الله، ليس بعبادة، حتى يقول له هذا الكلام، قال: «يا محمد»، قال: فأنزل الله ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. حين أمرهم بعبادة الله وطاعته، فبين الباري انتفاء ما قالوا، وأن كلامهم وكلام أمثالهم في هذا ظاهر البطلان، وسواء كان في عيسى أو في نبينا عليه الصلاة والسلام. وإن كان صدر الآية الأولى يدل على أنها في عيسى بن مريم، أو كذلك في عزير، أو غيرهم من أنبياء الله عز وجل، أو من رسله، ممن اعتقد فيهم بعض الناس أن لهم خصوصية أو لهم خاصية التعبد، أن يعبدون من دون الله، وأيضًا يؤلهون من دون الله، فإن هذا باطل، وأن هذا من المحال أن يكون نبيًا من أنبياء الله يدعو الناس إلى ذلك. فللهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾. والرب هو الذي يطاع في كل شيء، يطاع في كل شيء. وقيل: قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ جاء كما قلنا في حديث، وإن كان فيه انقطاع، لكن جاءت له شواهد في حديث عدي، لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله جل وعلا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فقال: «يا رسول الله، لم نتخذهم أربابًا». قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ لَكُمُ الْحَرَامَ فَتَتَّبِعُونَهُمْ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمُ الْحَلَالَ فَتَتَّبِعُونَهُمْ؟» قال: بلى. قال: «تِلْكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ». فالرب هو الذي يطاع في التحليل والتحريم، الرب هو الذي يطاع في التحليل والتحريم. فمن أطاع كل أحد، سواء كان ملكًا أو نبيًا، أو مثلًا ملك، أو كذلك شيخ قبيلة، أو غيره، أو عالمًا، حتى أطاعه في تحليل الحرام، وفي تحريم الحلال، وهو يعلم أنه حرام ثم يطيعه في التحليل، فهذا يعتبر قد اتخذه ربًا من دون الله. فقال: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. فمن اتخذ غير الله عز وجل ربًا فهو قد كفر بالله وعقبى. هذا خلاصة من يذكر الله تعالى أعلمه.