الخطبة بعنوان من أسباب رفع الضيق والأحزان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 24 ذو الحجة 1441هـ الموافق 14 أغسطس 2020م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يجب على المسلم التعامل بإيمان مع الأزمات، وينظر لمن هو أسوأ حالًا ليشعر بالنعمة. هذا يساعد على رفع المعنويات وتقبل الواقع بصبر.
ينصح بالانشغال بعبادة الله والطاعة لتهدئة النفوس وتفريج الهموم. الله يجعل حياة من يقوم بهذه الأمور مطمئنة وخالية من القلق.
ينصح بالانشغال بالعبادة والنظر إلى الآخرة، ويحذر من الارتباط بالدنيا. من جعل همه الآخرة كفاه الله هم دنياه.
الخطيب يختم بالتذكير بأهمية عيش الآخرة ويطلب المغفرة للمسلمين، ثم يحث على إقامة الصلاة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الواحد منا ليُصبح على هذه الدنيا، وخاصة في هذه الأزمان، فيراها قد مُلِئت بالمآسي والآلام والأحزان، فيرى ويسمع من حالات البُؤس والضيق والشِدة التي عمَّت في جميع البُلدان، وخاصة ما نجِدُه في بلادنا هذا من توالي المُشكلات والمُعضِلات، ومن تتابُع المصائب والمصاعب والأزمات، من تعطُلٍ للبُنية التحتية، وتردِّي في المنظومة الخدماتية، وما كان من غلاءٍ فاحشٍ في الأسعار، ومن سُقوط عملتنا إلى حالة الإنهيار، ومُؤخَّرًا ما كان من انتشارٍ وفُشُوِّ الأوبئة والأمراض. فإن المواطنة إزاء هذه الأزمات وإزاء هذه المُشكلات لا شك ولا ريب أنه سيُولِّد لديه معاناةً نفسية واضطراباتٍ داخلية، فلولا إيمانُ أهل الإيمان بربِّهم المُتعال لأقدم الكثير منهم على الانتحار لكثرة ما يرى من البُؤس والشقاء، لكن لعلمهم أن الله توعد من فعل ذلك بالخلود في النار، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن هنا كان لزامًا على كل مسلمٍ ومسلمة أن يعيش هذه الأوضاع بما فيها من أزماتٍ ومشكلات، بما يكون فيه رفعًا لمعنوياته وإبعادًا لما عساه أن يُكدِّر من صفوه ويُضيِّق من خاطره. ألا فاعلموا عباد الله أن من أعظم الأمور المُعينة في ذلك أن نعلم وأن نستشعر وأن نعتقد بأن هناك أفرادًا ومجتمعات وأشخاصًا وأعيانًا هم في حالةٍ أشدُّ بُؤسًا من حالتنا وأعظموا فقرًا من أمرنا، قد تردَّت بهم الأوضاع إلى أوضاعٍ أشدُّ مما نحن نعيشه ونلتمسه. فمنهم من أنهكتهم المجاعات بسبب القحط والجذب والجفاف، فلا زال يُقاسون معاناة الضمأ والجوع في ليلهم ونهارهم، ومن الناس من قد أرهقتهم الحروب، فقتل الرجال، ورُمِّلَت النساء، ويُتِّمَ الأطفال، وهُجِّرَ الآمِنون، فأي حالٍ أتعس من هذه الحال. وعلى هذا فقس يا عبد الله، فلو أن كل إنسان أصيب ببلية فنظر إلى من هو دونه لعلم أنه في خيرٍ وعافية، وهذا الذي أرشد إليه نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». فلو أن الإنسان عباد الله عاشر الخلق بهذا المنظار، ينظر إلى من هو دونه، لعلمت يا عبد الله أنك في خيرٍ وعافية، ولحمدت الله في ليلك ونهارك بأن الله فضلك على غيرك. وأيضًا عباد الله، من الأمور التي ينبغي على كل مسلمٍ أن يهتم بها، وذلك لدفع ما يكون في صدره من ضيقٍ وحرج مما يراه من المتغيرات ومن توالي المشكلات والأزمات، أنك يا عبد الله تُقبل على طاعة الله وعلى دين الله، وأنت انشغل بعبادة الله جل في علاه. فإن الطاعة والعبادات والنوافل والقربات والأعمال الصالحات فإن لها أثرًا عظيمًا جدًا على النفوس والقلوب والصدور، وعد ربنا ووعده حقٌّ وصدق، أن من أقبل على الطاعة والعبادة فإن الله جل وعلا سيجعله في هذه الدنيا في حياةٍ مطمئنةٍ طيبة. قال المفسرون: وإنما ذلك إنما يكون براحة قلبه وطمأنينة نفسه وانشراح صدره وبسعة رزقه. يقول علامة بن القيم رحمه الله: «متى ما كان العبد بالله هانت عليه المشاق»، قال: «فبالله يسهل كل صعب، ويقرب كل بعيد، ويسر كل عسير»، قال: «فبالله تزول الهموم والغموم والأحزان»، ثم قال: «فلا هم مع الله، ولا غم، ولا حزن». هذا في حق من عاش مع ربه في رحاب الطاعة والعبادة، فإن الله جل وعلا لن يجعل في حياته لا غم ولا هم ولا حزن، ومن أين يأتيه ذلك، وهو أرحم الراحمين جل في علاه. أقبل يا عبد الله على تعظيم الله، وذلك بالتعلق به والتوكل عليه والرجوع إليه، فإن ذلك من أعظم مقامات التوحيد، فإن من قام بتحقيقه فإن الله سبحانه وتعالى سيجعل لك الأمن والأمان من عنده. قال جل في علاه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، يجعل لك ربك الأمن والأمان في هذه الدنيا، فلا قلق ولا ضيق ولا فزع ولا هلع. يا عبد الله، متى ما قمت بمقام التوحيد، أقبل يا عبد الله على ذكر الله، على الإكثار من ذكره في ليلك ونهارك، وفي صبحك ومسائك، وفي سرك وعلانيتك، فإن ذكر الله من أعظم الأمور التي بها يكون شرح الصدور. قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، أقبل يا عبد الله على التسبيح والتذكير، وعلى التهليل والاستغفار والتكبير، فإنك ستجد ذلك أثرًا عظيمًا على تهدئة النفوس وإراحة ما في القلوب. أقبل يا عبد الله على الصلاة، احرص عليها، على أدائها وإقامتها، فإن الصلاة مع أنها مطهرة للذنوب والآثام، فإنها مزيلة ومذهبة للهم والغم والأحزان. قال عليه الصلاة والسلام: «يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها»، فراحة النفوس وبهجتها وتهدئة القلوب وأنسها إنما يكون بإقامة الصلاة. فلا يا عبد الله، لا تنشغلن بهذه المعضلات وبهذه المشكلات، فكلما تداحمت عليك وتزاحمت عليك، أقبل على ربك، فإن الله سيحملها عنك. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. مما مضى وذكر في هذا المقام أنه ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يعتني بهذه الأمور، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، والتي امتلأت بها الصدور من الضيق والحرج مما الله به عليم. فكان ينبغي يا عبد الله أن نستأنس بما ذكر، لما في ذلك تهدئة لنفوسنا، وإزاحة لما يكون في صدورنا، فمن ذلكم النظر والاعتبار بمن هم أقل منا في الرتبة والمقدار، فإن ذلك أدعى إلى أن يرضى العبد على ما هو عليه من الأحوال، فلا نزدري نعمة الله علينا. وأيضًا مما مضى ذكره الانشغال بالعبادة والطاعة، فإنها من أعظم الأمور التي تجلب على العبد الفرح والسرور والسعادة، ولو كنت يا عبد الله في أحلك المواقف. وانظر إلى أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، كانوا أشد منا فقرًا، وأعظم منا بؤسًا، وأردى منا حالًا، ومع ذلك كانوا في سعادة عظيمة جدًا، وذلك ما كان من تمسكهم بدين ربهم، عوّضهم الله ذلك. أيضًا عباد الله، مما يضاف إلى هذه الأمور التي بها إذا اشتغل العبد بها أنساه ذلك ما تمر عليه هذه الدنيا من مصاعب ومصائب، ومن ذلك يا عبد الله أن تعرف وتتعرَّف على حقيقة هذه الدنيا التي نعيشها، والتي للأسف أن نجد أن كثيرًا من الناس ركن إليها وهرع إليها وتمسك بها، بل أصبحت هي همه وغايته، وهي قصده ومعاذه، لأجلها يوالي ويعادي، في سبيلها يقاتل ويباري، حتى وصل الحال ببعضهم إلى أن قطع حق ربه، وقطع أوصال رحمه، فقطع والديه وأرحامه، وأكل حقوق وأموال العباد، وسعى في هذه الأرض يعيث فيها بالفساد، كل ذلك في سبيل أن يأكل شيئًا من فتاتها، وأن يتنعم بخيراتها. عباد الله، إن هذه الدنيا ما سميت الدنيا إلا لدناءتها وحقارتها، فلا تنشغل يا عبد الله بها، كم حذر ربنا جل وعلا، حذر ربنا في كثير في كتابه، وزهد فيها، ورغب عباده الصالحين في داره، دار النعيم، دار الجنة، أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. تلكم الدار التي حينها تسمع النداء: «يا أهل الجنة، خلود بلا موت، خلود أبدي، فلا موت ولا فناء بعده»، تلكم الدار يا عبد الله هي التي من أجلها تستسهل الصعاب، وتبذل كل شيء من غال ورخيص، من أموال وأنفاس، في سبيل الوصول إليها وتحقيقها. لا تنشغل يا عبد الله بهذه الدار، قال ربنا جل وعلاه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، هذه الدار يا عبد الله ما هي إلا دار ممر، لا تجعلها دار مستقر، تلكم دارنا التي أخرجنا منها وسنعود إليها. إذا كان ذلك هي همك، وإن كانت هي رغبتك، قال عليه الصلاة والسلام: «من جعل الهموم همًا واحدًا، هم آخرته، كفاه الله هم دنياه»، الجزاء من جنس العمل، من لم ينشغل في هذه الدنيا إلا بأمر الآخرة، في الوصول إليها والقرب منها والدنو إليها، من جعل الهموم همًا واحدًا، هم آخرته، كفاه الله هم دنياه. ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، في أزماتها ومشاكلها وإرغاصاتها ومتاعبها ومنغصاتها، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبال الله به في أي وادٍ هلك. فيا عبد الله، اهتم بهذا الباب، اجعله نصب عينيك، بأنك ما تعيش في هذه الدار إلا لأجلٍ محدود، وما منا إلا وسينقضي أجله، ثم ينتقل إلى غيرها، فانظر يا عبد الله إلى آخرتك، اشتغل لها، واعمل لها، ولا تركن إلى هذه الدنيا. والأمر كما قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة»، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. أقول قولي هذا، وأسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله، وصلى الله عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.