المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو عبدالرحمن عبدالحافظ العامري، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الثلاثاء 5 شوال 1447هـ الموافق 24 مارس 2026م ألقاها منوع
افتتح المتحدث الاجتماع السنوي في دار الحديث بالشحر بكلمة ترحيبية وقصيدة، ثم استعرض وصية للإمام ابن عقيل الحنبلي تشكو انشغال الناس بالدنيا وإعراضهم عن الآخرة. أكد المتحدث انطباق هذه الوصية على واقع العصر الحاضر بجلاء.
استعرض المقطع انشغال الناس بخراب الديار وموت الأقارب والأرزاق وذم الزمان، مع إهمالهم لشؤون الدين من انهدام الإسلام وموت السنن وظهور البدع. حذر المتحدث من تحويل المجالس ووسائل التواصل إلى حديث دنيوي بدلاً من ذكر الله والعلم النافع.
حث المتحدث الشباب والمسلمين على التمسك بالعلماء وأهل السنة، وترك البدع والمظاهرات والأمور التي لا تنفع، والاهتمام بإصلاح النفس والعبادة وفق الكتاب والسنة. أكد أن تغيير الحال يكون بتقوى الله والعمل الصالح مستشهداً بكلام ابن عقيل.
اختتم المتحدث المجلس بالدعاء لله بالتوفيق والهداية وصلاح الأحوال، وشكر الحضور على حسن الاستماع مع الإشارة إلى ضيق الوقت. ختم حديثه بالحمد والثناء على الله ورغبة في سماع كلمات المشايخ والدعاة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه أفضل وأزكى الصلاة والتسليم، وعلى آله وصحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا مثل هذا الاجتماع المبارك في دار من دور الحديث العامرة، وهي دار الحديث بالشحر. وأثني الترحيب كما ذكر الشيخ الفاضل أبو همام حفظه الله، الترحيب بمن جاء، فأهلاً وسهلاً بكم في هذا الاجتماع في دار الحديث بالشحر، من جاء من المشايخ والدعاة وطلبة العلم، وكذلك الحضور جميعاً، أهلاً وسهلاً بكم وبمن جاء معكم في هذا الاجتماع السنوي المنعقد بدار الحديث بالشحر. فحياكم الله، حياكم الله، حللتم أهلاً ونزلتم سهلاً، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً. وأحب أن أشارك إخواني بهذا الاجتماع بقصيدة ترحيبية كتبتها على عجالة، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله العظيم. أقول في هذه القصيدة الترحيبية: بحمد الله مولانا اجتمعنا على التقوى، ذي هيئ خير زادي سلام الله غطى من وصلنا من الإخوان، من عطر وكادي بطلعتكم إلينا قد سررنا، فحيا الله من أحيا فؤادي برؤيتكم جميعاً قد سعدنا، وبالخيرات مدينا الأيادي ومعذرة على التقصير منا، فهذا الخير من رب العباد مع الإخوان بالعيد اجتمعنا، وزاد الحب من بعد البعاد ألا يا صاح لا تبخل علينا من الكلمات في هذا المداد فنحن اليوم دنيانا تركنا، ويحدونا إلى الجنات حادي هدفنا الحق نطلبه، هدفنا نواصينا بيد رب العباد لهدي المصطفى دوما سلكنا، بعثه الله دلالاً وهادياً ودين الله نرفعه شرفنا، ونحمله إلى كل البلاد وخير القوم في الماضي سلفنا، وبالقرآن أعلن الجهاد والمراد هو الجهاد بالحجة، والقرآن هو الحجة، فالكتاب والسنة يدخلان في القرآن وبالقرآن أعلن الجهاد، سعاد اليوم وسعاد، هي اسم من أسماء الشحْر في التقوى فرحنا بأهل السنة الشم الشداد، ففي الشبان خيرات لمسنا فهم شهب على كل الأعادي، وهم أسد على الباغي عرفنا وفتيان إذا نادى المنادي، ويا سني كن سهلاً علينا وضع كفاً على كل الأيادي، مشايخنا الكرام بكم سررنا فكلّكم حللتم في الفؤاد، سألنا الله مولانا، سألنا يجنبنا الشرور من العباد كما نرجوه يعطينا أملنا من الغفران في يوم التنادي صلاة الله تغشى من هدينا به الجنات في يوم المعادي والحمد لله أولاً وآخراً. ونصيحتي لنفسي ولإخواني في هذا المقام بوصية من إمام من أئمة السنة، وهو أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي رحمه الله، من علماء القرن الخامس. وهو يحكي لنا ما كان في زمانه، ولما نظرت في كلماته رأيت أن تلكم الكلمات النابعة من هذا العالم الجليل هي واقعة في زماننا هذا. يشكو حال زمانه وما آل إليه الناس من انشغالهم بالدنيا، وما هو اهتمامهم وحديثهم الغالب عليهم، وما الذي ينبغي أن يعملوه. فرأيت هذه الكلمات التي ذكرها الإمام ابن مفلح في الآداب الشرعية، نقلها عن أبي الوفاء بن عقيل، هي منطبقة على واقعنا اليوم، إن لم نقل كلنا فهم أكثرنا منشغلون بما ذكره، بما ذكره رحمه الله تعالى. فقال رحمه الله: «ومن عجيب ما نقدت أحوال الناس كثرة ما ناحوا عليه من خراب الديار، وموت الأقارب والأسلاف، وانشغالهم بالأرزاق، وذم الزمان فيه، وذكر نكد العيش فيه، وقد رأوا من انهدام الإسلام، وشعث الأديان، وموت السنن، وظهور البدع، وارتكاب المعاصي، وتقضي العمر في الفارغ الذي لا يجدي، ولا أحد منهم ناح على دينه، ولا بكى على فارط عمره، ولا تأسى على فائط دهره». ولا أرى لذلك سبباً إلا... تأمل أخي، ولا أرى لذلك سبباً، أي: هذا كله بسبب قلة اهتمامهم بالأديان، قلة اهتمامهم بالأديان، وعظم الدنيا في عيونهم، ضد ما كان عليه السلف الصالح من القناعة بالقليل، والنوح على الدين. تأمل في قول هذا العالم الجليل رحمه الله، وهو يحكي حال الزمان الذي كان فيه الناس: ما هو جل اهتمامهم؟ ما هو جل حديثهم؟ مجالسهم مثل ما نحن عليه اليوم، إذا جلسنا مجلساً إلا من رحم الله، الأوضاع سيئة، الرواتب، ما فيه الكهرباء، ما فيه هذا... حديث الناس، ويتكلمون في غلاء الأسعار، وهكذا ما يحصل في هذا الزمان. هذا واقع نعيشه، حتى بعد. كثير منهم عن أجل اهتمام يهتم وهو دينه، فلا يكاد يهتم بالدين ذاك الاهتمام، ويجلس المجالس التي ينبغي أن تكون مجالس عامرة بذكر الله وبطاعة الله سبحانه وتعالى، وغير ذلك مما يهتم به، إلا هذا الحال وهو حال الدنيا. يتكلمون على خراب الديار، ويتكلمون على مات فلان وعلان، وهكذا أيضاً يتكلمون على الأرزاق، ويذمون الزمان الذي هم فيه، ونكد العيش الذي هم فيه. أليس هذا حاصل في الزمان؟ بلى والله، إنه لحاصل. هذا أغلب المجالس، وربما القروبات الواتساب هذه الآن منشغلة بهذا، حتى ممن هم ينتسبون إلى أهل السنة، الشغل الشاغل هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فبدلاً من أن تكون هذه الوسائل، وسائل التواصل الاجتماعي، للفائدة وللحق وللتواصل بالحق وللنصح، صارت هذه القروبات، إلا من رحم الله من ينصح فيها، فالشباب مشغولون بهذا، مشغولون بأرزاقهم ودنياهم وما يحصل في هذا الزمان، فضلاً عن العامة. العامة هذا حديثهم، ما جالسهم في المقاهي وفي الدكاكين وفي غيرها. وإنك لتجد من البلاء، عياذاً بالله، أن يكون هذا الحديث في المساجد من بعض الناس، يجلس في المساجد، في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع، وأن ترفع ويذكر فيها اسمه، حتى صار بعضهم اختلط عليه الحابل بالنابل، فلا يدري أين الحق، ولا يدري ما من الصواب. والله، والله، أنك لتتحسر على بعض شباب أهل السنة أن يكون هذا في المجموعات، يسأل واحد فيقول: من هو ولي أمرنا؟ والله هذا حاصل، فيجيبه آخر فيقول: من تغلب. أين العلماء؟ أين أهل العلم؟ أين الرجوع؟ صارت الفتوى سهلة، يعني يتكلمون في ما يحصل من الفتن، والنبي عليه الصلاة والسلام قد أخبر أن الفتن تحصل في زماننا هذا، فتأتي الفتنة وتأتي الفتنة، والسعيد من جنب الفتن. فلماذا لا يجتنب الشباب السلفي السني هذا في مجموعاتهم أو في مجالسهم، ويكونون مع العلماء؟ أنا لا أقصد أهل العلم، لا أقصد المشايخ، فهم ولله الحمد مشايخ ودعاة أهل السنة، سواء كانوا في هذه البلاد أو في غيرها، هم على هدى وعلى نور وعلى بصيرة، لأنهم عرفوا الحق وعرفوه عن طريق العلم، فهم لا يتكلمون، لا يخوضون إلا بعد التفحص والتأمل والتأني والتروي، فينظرون كلام أهل العلم، يعرفون من هو ولي أمرهم. فيا ليت أن الشباب يكون قدوة حسنة، شبابنا حفظكم الله ورعاكم، كونوا مع أهل العلم، كونوا مع العلماء، اعرفوا السير الذي تسيرون عليه، لا يستهينكم الشيطان ولا أصحاب الباطل، كونوا على ثبات من أمركم. وهكذا أيضاً عموم المسلمين، لا ينشغلوا بهذا. فهذا نصح، هو ينتقد الزمان الذي فيه ابن عقيل رحمه الله، قال: «ولا ناح أحد منهم على دينه». أين النوح على الدين؟ السنن ذكر رحمه الله أنها تمات، وميتت السنن، وظهرت البدع، وارتكبت المعاصي. وهذا نراه واقعاً في زماننا هذا من أهل الأهواء، البدع في رمضان وفي غير رمضان، ختاميات وزيارات، الآن زيارة ما يتسمى بزيارة الست الواسط، وإعداد العدة لها، تمات سنن وتحيا بدع. قال: «ولا أرى أحداً منهم ناح على دينه، ولا بكى على فارط عمره»، انشغال بالفارغ الذي لا يجدي، انشغال أكثر الناس بالفارغ الذي لا يجدي، ينشغلون بأمور لا ترجع عليهم بفائدة في حياتهم الدنيا. حتى الذين يخرجون مظاهرات، ماذا استفادوا بالله عليكم؟ ماذا استفادوا؟ خرجوا مظاهرات ما يسمونها مظاهرات مليونية، ماذا استفادوا؟ ما استفادوا شيئاً، رجعوا كما أتوا. إذن هل أنت تستطيع أن تغير هذه الأوضاع؟ ما تستطيع. ولكن ألزم نفسك، واصلح حالك وشأنك، واعرف وضعك وقدرك. فينبغي علينا أن نعرف هذا، أن نعرف كيف نمشي في هذه الحياة الدنيا، ومع من نمشي. فعال السنة ينبغي أن يكون على بصيرة في أي فتنة تأتي، وفي أي أوضاع تحل بالأمة. ولله الحمد في كل بلاد من بلاد حضرموت فيها علماء، وفيها مشايخ، أفلا رجع الشباب إليهم؟ فإذا رجع الشباب في كل منطقة إلى كبرائهم وإلى علمائهم، ممن هم أعلى منهم وأخبر بالأمور، فلله الحمد قد شابت لحاهم، كثير منهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ومرت عليهم فتنة ثم فتنة. فاحرصوا، بارك الله فيكم، احرصوا. هذه نصيحة من هذا الإمام الجليل العالم، يبكي وينوح على ما كان عليه الناس وانشغالهم في أمور دنياهم وحديثهم، وحديث مجالسهم، ولا يبكون على الدين الذي ينبغي أن نبكي ونحزن إذا أميتت السنن فيه، وأظهرت البدع، وارتكبت فيه المعاصي. فيكون الشاب السلفي حريصاً على الخير، حريصاً على لم الكلمة وجمع الشمل، حريصاً على الالتفاف مع العلماء، وبهذا تقوى دعوتنا إن شاء الله تعالى. فاحرصوا، بارك الله فيكم، على الخير، وليكن انشغالنا بكتاب ربنا وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ونصلح من أحوالنا ما ينفعنا ويقربنا إلى الله والدار الآخرة. فإن الله عز وجل يغير الأقوام ويغير حالهم إذا هم غيروا من أحوالهم السيئة إلى الأحوال الحسنة، وتقربوا إلى الله بطاعته، وابتعدوا عن حب الدنيا وتعظيمها في القلوب، وانشغلوا بالذي خلقهم له ربهم سبحانه وتعالى، خلقهم لعبادته، فانشغلوا بهذا عن تلكم الأمور التي ذكرها رحمه الله تعالى في كلمته. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وأن يسددنا وأن يهدينا وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. وجزاكم الله خيراً على حسن استماعكم، وبارك الله في الجميع. ولأن الوقت كما تعلمون محدود وضيق، ونحب كذلك أن نسمع من إخواننا المشايخ وطلاب العلم والدعاة المجيبين ما يثلج صدورنا، ونسأل الله أن يوفقهم في كلماتهم، وأن يربط على قلوبهم، وأن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. والحمد لله رب العالمين، وبارك الله في الجميع.