التعليق على مذكرة أصول الفقه 51

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 51، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في أصل اللغات وتقسيم الكلام

يناقش أصل اللغات وكونها توقيفية أو اصطلاحية، واستعرض آراء الفريقين والاعتراضات عليها. تم ترجيح كونها توقيفية مستدلاً بقول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.

تأثير الخلاف في أصل اللغات على استعمال الألفاظ

يناقش الخلاف بين العلماء حول أصل اللغات وتأثيره على جواز تغيير معاني الألفاظ. بين أن الألفاظ المتعبد بها لا يجوز تغييرها إجماعاً، واستعرض أمثلة على استعمال الألفاظ في غير ما وضعت له أصلاً.

حكم ثبوت الأسماء قياسا في اللغة وآراء الفقهاء

تناول آراء الفقهاء حول إمكانية ثبوت الأسماء قياسا في اللغة، حيث ذهب جمع من الشافعية والمالكية والحنفية إلى المنع. قدموا ثلاثة احتمالات لوضع العرب للأسماء واستدلوا بفائدة ترتبط بتخفيف الكلفة على المجتهد في القياس الشرعي.

خاتمة البحث والصلاة على النبي

يختتم الكاتب بحثه في فن الصرف ويشير إلى أنه لا يطيل الكلام هنا. ختم بالصلاة على النبي محمد وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: «باب في تقسيم الكلام والأسماء». قال المؤلف رحمه الله تعالى: اختلف في مبدأ اللغات، فذهب قوم إلى أنها توقيفية إلى آخره. خلاص ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن مبدأ اللغات قيل: هو توقيفي، أي بتعليم من الله، وقف الخلق أو وقف الخلق على معاني تلك الألفاظ. وقيل: هي اصطلاحية. المعنى التوقيفي واضح، يعني أن الله سبحانه وتعالى هو الذي سمى هذه الأشياء بمسمياتها. واصطلاحية بمعنى أن القوم من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا، فتكون على هذا القول الأسماء اصطلاحية. قال: والذي يقول هي توقيفية يحتجون بأن الاصطلاح يحتاج إلى مفاهمة سابقة ليعلم كل منهم مراد الآخر. والذين يقولون هي اصطلاحية يقولون أيضا إن التوقيف يحتاج إلى فهم لكلام الموقف سابقا على التوقيف وإلا لم يفهم. والكل باطل، لأن الاصطلاح لا يحتاج إلى علم سابق لإمكان الفهم بالإشارة واليقين كما يفهم الطفل عن أبويه. ولأن الله سبحانه قادر على أن يخلق في الإنسان علما ضروريا يعرف به معاني الألفاظ من غير فهم سابق. وذكر المؤلف أن القاضي جوز كونها اصطلاحية، وكونها توقيفية، وكون بعضها توقيفيا وبعضها اصطلاحيا، وكون بعضها ثابتا قياسا. قال: والواقع في ذلك لا دليل عليه. ثم قال المؤلف: إن هذه المسألة لا تدعو لها حاجة، فالخوض فيها تطويل بلا فائدة تحته. وقال بعض أهل الأصول: هي مسألة طويلة الذيل قليلة النيل، يعني الخوض فيها طويل والفائدة منها قليلة. ومن شاء الخلاف في هذه المسألة كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله ظهر من أهل الكلام. فقال رحمه الله: تنازع الأشعري وأبو هاشم أي الجبائي في مبدأ اللغات، فقال أبو هاشم: هي الاصطلاحية. وقال الأشعري: هي توقيفية. قالت: ثم خاض الناس بعدهما في هذه المسألة. قال: فقال بعضهم اصطلاحي، يعني قال آخرون بعضها اصطلاحي وبعضها توقيفي. وقال آخرون بالوقف. فمن شاء الخلاف في هذه المسألة شاء من أهل الكلام. سيأتي معنا ذكر ما هو الأرجح مما سيذكره المؤلف رحمه الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأشبه أن تكون توقيفية، يعني تكون هذه الأسماء توقيفية. وهذا قول الجمهور، قول جمهور العلماء على أن الأسماء توقيفية. وشيخ الإسلام رحمه الله يقول: الإلهام كاف في النطق باللغات من غير مواضعة متقدمة. وإذا سمي هذا توقيفيا فليسمى توقيفيا. ذكر هذا في كما في مجموع الفتاوى، أظن المجلد السابع أو ثامن. واضح عندي نقلته من زمن قديم. قال بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ الآية. قال: يقول الإلهام كاف في النطق باللغات من غير مواضعة، الإلهام كاف بالنطق باللغات يعني أن الله عز وجل ألهم الإنسان أن ينطق بها من غير مواضعة، يعني وضع من قبل بغير مواضعة متقدمة. قال: وإذا يسمي هذا توقيفيا فليسمى توقيفيا. قال المؤلف: الأشبه أن تكون توقيفية بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ الآية. وللعلماء قولان في قوله جل وعلا: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾. القول الأول: أنه علمه أسماء من يعقل، أسماء من يعقل لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ وهذا الضمير لا يكون إلا لمن يعقل. ومن لا يعقل يقال: عرضها، يقال فيها عرضها. والقول الثاني: أنه علمه أسماء كل شيء، أنه علمه أسماء كل شيء. وهذا قول الأكثرين كابن عباس وأصحابه. وهذا الأظهر، ولهذا جاء العموم في الآية: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾ وألفه الاستغراق أي كل الأسماء. ثم أكد ذلك بقوله: ﴿كُلَّهَا﴾ فدل هذا على أن جميع الأسماء الأسماء علمها الله عز وجل آدم عليه السلام. قال المقيد: وعف الله عنه، وفي الحديث أيضا: «أعلمك أسماء كل شيء» الحديث. وفي الصحيحين، وفي الصحيحين في حديث الشفاعة لما يأتوا الناس إلى آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وعلمك أسماء كل شيء. قال: ولم يعرف المؤلف اللغة، وعرفها في المراقي بقوله: «وما في الألفاظ للمعنى وضع قل لغة بالنقل يدري من سمع». يعني الألفاظ الموضوعة للمعاني. قال: وأشار إلى الخلاف الذي ذكره المؤلف بقوله: «واللغة الرب لها قد وضع وعزها للاصطلاح سمع فبالإشارة وباليقين كالطفل فهم ذي الخفال البين». فبالإشارة واضح، الإشارة بالإشارة وباليقين يعني فبالإشارة وبالتعيين، التعيين واضح، يعني يشير إلى شيء معين هذا الشيء ويشير إليه. قال: تنبيه أم يذكر المؤلف فائدة مبنية على الخلاف المذكور في مبدأ اللغات. قال الأبياري وهم المالكية: لا فائدة تتعلق بهذا الخلاف أصلا. وقال قوم: ينبني على هذا الخلاف جواز قلب اللغة كتسمية الثوب فرسا مثلا وإرادة الطلاق والعتق بنحو «اسقني الماء». قالوا: فعلى أنها اصطلاحية يجوز لقوم أن يصطلح على تسمية الثوب فرسا مثلا، ولواحد أن يقصد ذلك في كلامه. القول بأنها اصطلاحية يعني يجوز أن يصطلح قوم على تسمية الثوب فرس، فيقول: «ائتني بالفرس» يعني ائتني بالثوب. «لبست فرسي» يعني لبست ثوبي. قالوا: على القول بالتوقيف لا يجوز ذلك، يعني لا يسمى الثوب فرسا ويسمى الفرس ثوبا. وكذلك على الأول أيضا يصح الطلاق والعتاق بــ «اسقني الماء» إن نواه به. القول بأنها اصطلاحية يعني اصطلح على تسمية الاستعمال لفظ «اسقني الماء» على الطلاق، فإنه يقع ويكون هذا من الكنايات الخفية. هذا على القول بالاصطلاحية. وعلى القول بالتوقيف ما يقع. وعلى القول الثاني لا يصح فليحصل به الطلاق. قال المازري: ومحل هذا الخلاف ما إذا لم يكن اللفظ متعبدا به كتكبيرة الإحرام. أما المتعبد به فلا يجوز فيه القلب إجماعا، يعني هذا الخلاف في الألفاظ غير متعبد بها. أما الألفاظ المتعبد بها فلا يجوز فيها القلب، يعني مثلا كالتكبير نحوها من الألفاظ الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم ونحوها. قال: فلا يجوز فيه القلب إجماعا. وأشار إلى هذا في المراقي بقوله: «يبنى عليه القلب والطلاق كـ «اسقني» والطلاق بـ «اسقني الشراب» والعتاق ها بـ «اسقني الشراب» الشاء فتح الشين». أن يبنى أن يبنى الاختلاف اللغة، فعلى أنها توقيفية يمنع، واصطلاحية يجوز. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. قال القاضي: يجوز أن تثبت الأسماء قياسا إلى آخره. خلاص ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أنهم اختلفوا في تثبيت الأسماء بالقياس، فقيل: يجوز ذلك. وقال به جمع من المالكية والشافعية. ومراد قائله: أن العرب إذا سمت شيئا باسم لأجل صفة فيه، ثم وجدنا تلك الصفة في شيء آخر، فلنا أن نقول بإطلاق ذلك الاسم عليه. كإطلاقها الخمر على عصير العنب القاذف بالزبد، يعني إذا غلى واشتد. قالوا: هذه التسمية لأجل صفة فيه، مخامرة العقل. فإذا وجدنا هذه الصفة في النبيذ سميناه خمرا في لغتهم، يعني على القول بجواز ثبوت الأسماء بالقياس إذا وجد صفة الخمر في النبيذ فيسمى خمرا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين: «والخمر ما خامر العقل». الخمر ما خامر العقل. فإذا لم يخامر العقل وإن كان فيه اجتهاد غليان، فإن لا يسمى خمرا. ما يكون خمرا إلا إذا خامر العقل، يعني غطاه وزاله. قال: وقيل: يمنع ذلك، لأن الحال لا يخلو من واحدة من ثلاث. والقول بالمنع قال به جمع من الشافعية والمالكية، وإيضا يروى بالحنفية. وبه قال أبو الخطاب، وأيضا الإمام الشوكاني رحمه الله. قال: إما أن تكون العرب وضعت الاسم لهما معا أو لواحد منهما أو احتمل الأمر، احتمل الأمر هذا وذاك. فإن وضعته لهما فليس هناك قياس، وإنما هو وضع منهم، يعني لهذا وهذا. إذا كان العرب وضعت هذا الاسم لهذا الشيء وهذا الشيء فلا قياس لأنه موضوع لكل الأمرين. وإن كانت وضعته لواحد فليس لنا أن نتعدى عليهم ونزعم أنهم وضعوه للثاني أيضا. وإن احتمل الأمرين وإن احتمل الأمرين فليس لنا أن نتحكم، ليس لنا أن نتحكم لأن الأمر محتمل. فإذا احتمل التصريح يعني باعتباره، فإن كذلك يحتمل التصريح بمنعه. ولا يصح الحكم بالوضع لمجرد الاحتمال. قال: وهذا القول أظهر. ولم يذكر المؤلف فائدة مرتّبة على هذا الخلاف. وذكر بعض أهل الأصول فائدة وهي أن إذا قلنا بثبوت الأسماء قياسا كفانا ذلك مؤونة القياس الشرعي. فلو أدخلنا النبيذ مثلا في اسم الخمر بقياس اللغة تناولته النصوص الواردة في الخمر، فلا يحتاج إلى قياس شرعي. واضح، وهذا فيه توسع، فيه توسع لمجرى الحكم. فالشرع مثلا جاء بالنص على تحريم الخمر لأجل الإسكار. ومعلوم أن النبيذ غير الخمر، النبيذ غير الخمر. فكون نسمي النبيذ خمرا هذا خلاف الواقع، خلاف الاسم الصحيح. قالوا: لو قلنا بأنه لا يدخل في اسم الخمر احتجنا إلى قياس عليها بالقياس الشرعي، يعني قياس الفرع بالأصل لعل جامعة في الحكم، لعل جامعة بينهما فيجب مراعاة شروطه. وإلى هذا أشار في المراقي بقوله: «وفرعه المبني خفة الكلف فيما بجامع يقيسه السلف». خفة الكلف يعني خفة كلفة القياس، بدل من النقيض، يعني يقولون قياس شرعي نقيس الفرع على الأصل ونلحقه بالحكم بحكمه، لأجل العلة. نسمي هذا باسم هذا ويأخذ حكمه، وتتوجه النصوص إليه مباشرة. تتوجه النصوص إليه مباشرة. خفة ما، خفة الكلف يعني تخفيف الكلفة على من يقيس أو من يقف على الحكم الشرعي. فيما بجامع يعني العلة الجامعة بين الفرع والأصل، يعني يقول: بدل ما يبذل المجتهد الكلفة والجهد لقياس الفرع على الأصل في علة جامعة بينهما، لأن يأخذ الفرع حكم الأصل. يسمي هذا باسم هذا خلاص، يتوجه النص إليه مباشرة. قال: تنبيه يشرطه في الخلاف المذكور أن يكون اللفظ المقيس عليه مشتقا. في هذا الخلاف يعني في حمل الاسم، تسمية الشيء باسم شيء غيره لوجود الوصف فيه، لابد أن يكون هذا اللفظ المقيس عليه مشتقا، يعني له وصف مناسب. له وصف مناسب يمكن أن يلحق به اسم آخر لوجود نفس هذا الوصف، كالخمر مثلا. فالأسماء العلم مثلا لا يجوز القياس عليها، الأسماء العلم لا يقاس عليها. وهذا كما نقل من العُقَيْل وغيره الإجماع على أنه ليس فيها قياس كيف كان مشتق. الأسماء للبشر ليست مشتقة، نعم، وإنما يسمى بها الإنسان. وقد يخالف اسمه وصف الذي فيه الاسم، يعني قد يسمى إنسان صالح وهو طالح، ويسمى صادق وهو كاذب. طيب، قالوا: في المسألة قول ثالث لم يذكره المؤلف، فهو جواز ذلك في الحقيقة دون المجاز عند بعضهم. وأشار إلى هذا في المراقي بقوله: «هل تثبت اللغة بالقياس والثالث الفرق لدى أناس محله عندهم المشتق وما عداه جاء فيه الوفق». وأما المقيسات بالقياس التصريفي فهي تسعة، وهي: الفعل واسم الفاعل واسم المفعول وصيغة المبالغة والصفة المشبهة وصيغة التفضيل واسم المكان واسم الزمان واسم الآلة. ومحل البحث في تحقيق في فن الصرف، فلا نطيل بها الكلام هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وصحبه أجمعين.