الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش رأي شيخ الإسلام ابن تيمية حول النهي عن الصلاة في أوقات معينة تجنبًا لتشبه المسلمين بالكفار وتحريم السجود لغير الله تعالى. يستشهد بحديث ضعيف حول صلاة النبي بجانب سترة دون التوجيه المباشر إليها.
يتناول تحريم السجود لغير الله ومشابهة الكفار في العبادات والنهي عن وضع اليد على الخاصرة في الصلاة. يستدل على ذلك بأحاديث نبوية وأقوال العلماء.
يناقش تفسير الاختصار في الصلاة ويشير إلى أن تفسير وضع اليد في الخفض هو المراد، ويعتبر تفسير الاختصار في السورة غير صحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "اقتضاء الصراط المستقيم": فإذا كان في هذه الأزمنة من يفعل مثل هذا تحققت حكمة الشارع، معنى الذي يكتبون ويصنفون، حتى للسحرة يصنفون لهم كتبًا، ويوافقون كل أحد. قال: فإذا كان في هذه الأزمنة من يفعل مثل هذا تحققت حكمة الشارع صلوات الله وسلامه عليه في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، أي لو قاتل من يفعله، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها حينئذ يسجد لها الكفار، قال: سدا للذريعة، وكان فيه تنبيه على أن كل ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها ما يكون كفرًا أو معصية بالنية، ينهى المؤمنون عن ظاهره، وإن لم يقصدوا به قصد المشركين، سدا للذريعة وحسمًا للمادة. ومن هذا الباب أنه كان إذا صلى إلى عود أو عمود جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولم يصمد له صمدًا. وهذا الحديث خرّجه الإمام ابن داود من حديث ضباعة بنت الزبير ابن المقداد ابن معد يكرب. وبعضهم أخطأ فقال: ابن الأسود إنما هي بنت المقداد ابن معد يكرب. وهذا الحديث لا يصح؛ لأن فيه الوليد بن كامل، وهو ضعيف. وكذلك ضباعة مجهولة، وفيه أيضًا جهالة بعض الرواة، فالحديث لا يصح من باب إسناده. وكذلك حتى فعله، فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. بل الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي والسترة في اتجاهه، ولم يثبت أنه كان يصلي معنى السترة عن حاجبه الأيمن والأيسر. بل كان يصلي في أصل السترة، كان يصلي في السارية أو عند السارية في أصلها. كذلك لما صلى عند المنبر سجد على أصله. فلهذا أيضًا كان لما كان يصلي إلى العنزة فإنه يسجد تجاه العنزة. معنى جاء في الصحيحين بحديث ابن عباس وغيره: أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا صلى في البطحاء غرز بين يديه عنزة، وصلّى إليها، وصلّى إليها، معنى صلى في اتجاهها. وهذا يدل على أنه يصمد لها، فلهذا لم يصح هذا الحديث ولا العمل به. قالوا: لهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة، وإن لم يكن العابد يقصد ذلك. ولهذا ينهى عن السجود لله بين يدي الرجل، وإن لم يقصد الساجد ذلك؛ لما فيه من مشابهة السجود لغير الله. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا أن يسجد، وقال معاذ للنبي عليه الصلاة والسلام: إني رأيت الأساقفة يسجد لهم، وأنت أول أن تسجد. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها". فلهذا فالسجود لغير الله، وإن كان لا يقصد الساجد الدل والتعظيم، فإنه أيضًا لا يجوز. أيضًا حتى الانحناء، الانحناء أحيانًا إن قصد الانحناء لا يجوز، وإن لم يقصده فالأولى أن يترك ما يؤديه الانحناء كالتقبيل وغيره. قال: فانظر كيف قطعت الشريعة المشابهة في الجهات، وفي الأوقات. وكما لا يصل إلى القبلة التي يصلون إليها، كذلك لا يصل إلى ما يصلون له. بل هذا أشد فسادًا؛ فإن القبلة شريعة من الشرائع قد تختلف باختلاف شرائع الأنبياء. أما السجود لغير الله وعبادته فهو محرم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾. قال: وهذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن عمر، لكنه في حكم الرفع. وأيضًا جاء من حديث الشريط بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وجده يصلي وواضعًا يده خلف ظهره، واضعًا يده خلف ظهره، فقال: "هذه صلاة المغضوب عليهم". والصحيح أن هذه الكيفية منهي عنها في الصلاة؛ لأحاديث التي جاءت في الصلاة. أما خارج الصلاة جاء حديث، لكنه مرسل. وأيضًا فيه تدليس ابن جريج، وابن جريج إذا دلس يدلس عن الضعفاء بل عن الكذابين. فلهذا فلا يصح الحديث الذي فيه الإطلاق، وإنما هذا نهي عنه في الصلاة. ومن أفتى من العلماء أنه مطلقًا إنما اعتمد على تلك الرواية. قالوا: في رواية "تلك صلاة المغضوب عليهم"، وفي رواية "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده". رواه أبو داود، وهذا أيضًا نفس الإسناد. وجاء من حديث عبد الله بن عمر، لكنه كما قلنا مختلف في وقفه ورفعه، لكن هو في حكم المرفوع، فالحديث صحيح، لكنه مختص بالصلاة. وأما إذا جلس الإنسان هذه الجلسة خارج الصلاة، فالصحيح أنه ليس عليه شيء، وإنما هذه الجلسة جلسة من الجلسات المغضوب عليهم، وهم اليهود في صلاتهم، فهذا من التشبه بهم في الصلاة. قال: ففي هذا الحديث النهي عن هذه الجلسة معللًا بأنها جلسة المغضوب عليهم، وهذه مبالغة في مجانبة هديهم. قال أيضًا: فروى البخاري عن مسروق عن عائشة -مسروق من الأجدع الوادي- عن عائشة أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته، وتقول: "إن اليهود تفعله". أي وضع اليد على الخاصرة، هذا اليهود تفعله، فهو من فعل اليهود كما قالت عائشة رضي الله عنها. ولعل ذلك تلقته من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ورواه أيضًا من حديث أبي هريرة، أي البخاري، قال: "نهى عن الخصر في الصلاة". وجاء في رواية "الاختصار في الصلاة". وجاء في رواية "التخصر". وفي لفظ النهى "أن يصلي الرجل مختصرًا". معنى مختصر، أي واضع يده على خاصرته. الخاصرة هي مكان الحاجز بين أسفل البطن. قال: نهى أن يصلي الرجل مختصرًا. وقال هشام أبو هلال عن ابن سيرين -عن هشام بن حسان- إذا رأيت هشامًا بعده ابن سيرين فهو ابن حسان، كذلك إذا جاء هشام عن الحسن أو عن حفصة بنت سيرين فهو هشام بن حسان الكردوسي. وأبو هلال هنا محمد بن سليم الراسبي، أو متكلم في حفظه. قال: "نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التقصر في الصلاة". قالوا: هكذا رواه مسلم في صحيحه. قال: عن زياد بن صبيح قال: صليت إلى جنب عبد الله بن عمر، فوضع يدي على خاصرتي، فلما صلى قال: "هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عنه". رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وهذا أيضًا من هذا الباب من النهي عن وضع اليد في الخاصرة. الصلب هو مكان الظهر، وعلى آخر ما يوجد في الظهر يسمى صلبًا، ويسمى أيضًا مكان عجب الذنب. فهنا الصلب هو نفس الخاصرة، لكنها من خلف. لكنها من خلف، هذا يوافق ما فسره الخطابي؛ أن المراد وضع اليد في الخلف في الظهر، هذا منهي عنه في الصلاة. وأما من فسر الاختصار أو التخصر هو الاختصار في السورة، فهو تفسير غير صحيح.