التعليقات على كتاب الأدب المفرد 167

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 167، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل إماطة الأذى عن الطريق

يشرح المقطع أهمية إماطة الأذى عن طريق المسلمين وكتابة الحسنات لمن يفعل ذلك، ويبين أن هذا الفعل من الإيمان ويؤدي إلى دخول الجنة. كما يشير إلى أهمية تجنب إيذاء المسلمين والابتعاد عن الأفعال التي تسبب لهم الضرر.

استحباب قبول الهدية وتبادلها

يستحب قبول الهدية بين المسلمين لأنها سبب لحصول المحبة والمودة بينهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها حتى لو كانت شيئا يسيرا. يجب على المسلم قبول الهدية دون تسخط، سواء أعطي شيئا أم لم يعط.

ضوابط قبول الهدية

ذكر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رد هدية رجل من بني فزارة لأنه تسخط بعد أن عوضه النبي صلى الله عليه وسلم عنها. هذا يدل على كرم النبي صلى الله عليه وسلم وحرصه على تنمية المودة بين الناس من خلال تبادل الهدايا مع مراعاة الضوابط الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا عبد الله بن محمد، وهو المسند الجعفي، قال: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا المستنير بن أخضر، قال: حدثني معاوية بن قرة، قال: كنت مع معقل المزني، فأماط أذى عن الطريق، فرأيت شيئا فبادرته، فقال: ما حملك على ما صنعت يا ابن أخي؟ قال: رأيتك تصنع شيئا فصنعته. فقال: أحسنت يا ابن أخي، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أماط أذى عن طريق المسلمين كتب له حسنة، ومن تقبلت له حسنة دخل الجنة». والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله. أورد الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث في باب البغي، ووجه الشاهد منه هو أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن من أماط الأذى عن طريق المسلمين كان له بذلك حسنة، ومن تقبلت له حسنة دخل الجنة. هذا منطوق الحديث، ومفهومه الذي دلت عليه الأدلة الكثيرة أن من آذى أحدا من المسلمين وبغى عليه كتب له بذلك سيئة، وإذا كتبت عليه السيئة فإنها قد تكون سببا في دخوله النار. فدل ذلك على أنه ينبغي على المسلم أن يحذر من أذيته لإخوانه المسلمين، وأن يكون ممن يوصل الخير إليهم، ولا يكون ممن يوصل الشر إليهم، ويكون سببا في أذاهم. وفي هذا الأثر والحديث، كما سمعنا، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أماط أذى عن طريق المسلمين كتب له حسنة». ففيه أجر وفضل إماطة الأذى عن طريق المسلمين. إذا رأيت شيئا مما يتأذى منه المسلمون واستطعت أن تبعده، فعليك أن تفعل ذلك، كأن يكون مثلا في الطريق نجاسة وما يتأذون منها، فتبعدها، أو حجر أو شجر أو غير ذلك مما يتأذى منه الناس، فإنك إن أبعدته كتب لك بذلك حسنة. وإماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: «الإيمان بضع وستون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». فإماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، وإذا فعلت ذلك فإنك توجر وتكتب لك بذلك الحسنة، وإذا تقبلت منك الحسنة كان ذلك سببا في دخولك الجنة. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل دخل الجنة بسبب إماطته الأذى عن طريق الناس، كما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إني لأعرف رجلا يتقلب في الجنة بسبب شجرة أزاحها عن طريق المسلمين». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه في الجنة. فإذا كان هذا بمثل هذه الأمور اليسيرة الحسية التي ربما يتأذى منها الناس، فكيف إذا كان بأمور عظيمة؟ وكذا أيضا ما كان بمعناه من الأمور المعنوية مما قد يحصل منه أذى للمسلمين، كأهل المعاصي مثلا الذين ربما يصل أذاهم إلى غيرهم من المسلمين، فإن في إبعادهم وكف شرهم أجرا وثوابا يتحصل عليه المرء. وهكذا أهل البدع والأهواء الذين ربما يكونون سببا في إضلال الناس، وفي إيقاع الشبه في قلوبهم، فالتحذير منهم وبيان ما عندهم من الباطل هو من إبعاد الأذى عن المسلمين، وشرهم أعظم وأذاهم أعظم مما قد يكون من الأذى الحسي الذي يتأذون منه. وفي هذا أيضا ما ينبغي أن يكون عليه المرء من العلم أو العمل بالعلم. هذا معقل رضي الله تعالى عنه لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام يذكر هذا الحديث، رأى أذى في الطريق فأماطه وأبعده، فعمل بما سمع. وهكذا أيضا ينبغي أن يكون صاحب العلم، فإن عمله بالعلم أدعى لقبول الناس ما عنده من العلم، وهو كذلك الثمرة المقصودة من العلم. العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. وأعملك بالعلم سبب، كما قلنا، لثقة الناس بك واقتداء الناس بك. وهكذا أيضا يدل على حرص المرء على الخير أنه يفعل ويبادر بالعمل بما علم. وهكذا أيضا اقتداء طالب العلم بعالمه وشيخه إذا رآه يعمل شيئا من الخير، فإنه يقتدي به ويعمل مثل عمله. قال رحمه الله: باب قبول الهدية. قال: حدثنا عمر بن خالد، قال: حدثنا عظماء بن إسماعيل، قال: سمعت موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تهادوا تحابوا». والحديث حسن، قد حسنه شيخ الألباني رحمه الله. قال: وحدثنا موسى، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، وهو المناني، قال: كان أنس يقول: «يا بني، تباذلوا بينكم، فإنه أود لما بينكم». باب قبول الهدية يعني يستحب قبول الهدية، وكذلك أيضا ما ينبغي أن يكون بين المسلمين من إهداء بعضهم لبعض. ثم ذكر حديثين: حديث أبي هريرة، وحديث أنس. حديث أبي هريرة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا». وهذا أمر المراد منه الإرشاد، أي: ليهد بعضكم لبعض، فإن ذلك سبب لحصول المحبة بينكم. تهادوا تحابوا، أي: إذا أهدى بعضكم لبعض كان لهذه الهدية أثر في قلب المهدى إليه، فيحصل بذلك المحبة بين المسلمين. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها، إذا أعطاه أحد هدية قبلها منه وأثابه عليها، كما سيأتي في الحديث الباب القادم. وكان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية ولو كانت شيئا يسيرا، كما في الصحيح، مثل حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «لو أهدي إلي كراع أو ذراع لقبلت». لو أهدي للنبي عليه الصلاة والسلام ذراع أو كراع لقبل، تعرفون الكراع: العظم الذي يكون فيه آخر ساق الشاة، سموه الكراع. شيء يعني من شيء الحقير، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أهدي إلي لقبلت». هي هدية فأقبلها. وهذا يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يكون عنده خلق التواضع، وأن يقبل من أهدى إليه هدية ولو كان شيئا يسيرا، فيقبله، وتحصل بذلك المحبة والمودة، إلا إذا كان في ذلك شيء يعني محظورا مثلا أو سببا مانعا من قبول هذه الهدية، فإنه لا يقبلها، ويذكر له السبب المانع من قبولها، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين لما أهدي له عليه الصلاة والسلام حمارا وحشيا وهو بالأبواء وكان محرما، فرده عليه، قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». يعني محرمون، والمحرم لا يأكل ما صيد له، فرده عليه الصلاة والسلام، وبين له السبب الذي من أجله لم يقبل منه هذه الهدية، قال: «وهكذا كان أنس يقول رضي الله تعالى عنه: يا بني، تباذلوا بينكم، فإنه أود لما بينكم». تباذلوا بينكم، أي: ليعط بعضكم بعضا، ويبادل بعضكم بعضا الهدايا، فإنه أود لما بينكم، يعني هذا سبب لحصول المودة فيما بينكم. قال: باب من لم يقبل الهدية لما دخل البغض في الناس. قال: حدثنا أحمد بن خالد، وهو الحمصي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، وهو إمام المغازي، عن سعيد بن أبي سعيد، وهو المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أهدى رجل من بني فزارة للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة، فعوضه، فتسخطه. يعني عوضه النبي صلى الله عليه وسلم قبل منه هذه الهدية وعوضه عنها. كما جاء في الصحيح أنه كان يقبل الهدية ويثيب عليها، في رواية الترمذي أنه أعطاه ست بكرات، أعطاه واحدة، أعطى للنبي صلى الله عليه وسلم بكرة واحدة، ورد له النبي صلى الله عليه وسلم ست بكرات، قال: فتسخطه، يعني ما رضي بها. فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: «يهدي أحدهم فيعوض بقدر ما عندي، ثم يسخطه». وأيم الله، وهو قسم بالله سبحانه وتعالى، «لا أقبل بعد عامي هذا من العرب هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي». والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا الحديث فيه، كما سمعنا، ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من عظيم كرمه وجوده عليه الصلاة والسلام، فإنه كان يقبل الهدية ويثيب عليها، وربما أعطى المهدي أكثر مما أهدى. وهذا الأعرابي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة، فرد له النبي صلى الله عليه وسلم ستا، كما جاء في رواية الترمذي. وهذا الذي كان عنده عليه الصلاة والسلام فتسخطه، يعني ما رضي به، وكان يريد أكثر من ذلك لما يعلم من جود النبي عليه الصلاة والسلام وكرمه. فلما فعل ذلك، قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: «يهدي أحدهم فأعوضه بقدر ما عندي، يعني بالذي موجود، قال: ثم يسخطه، يعني لا يرضى به». وأيم الله، وهو قسم بالله سبحانه وتعالى، «لا أقبل بعد عامي هذا من العرب هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي». والسبب في ذلك هو ما وقع في قلب ذلك الرجل من محبة المزيد مما عند النبي صلى الله عليه وسلم، ودخول الجشع والطمع. فلذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقبل هدية بعد ذلك من العرب إلا من هؤلاء، إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي. وهؤلاء خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الذكر لأنهم ممن عرف من العرب بالسخاوة والكرم. ففي هذا فضيلة لهؤلاء القبائل من العرب، هم قريش والأنصار، وكذلك أهل ثقيف ودوس، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه لا يقبل الهدية إلا منهم. وهذا كما قلنا لما عرفوا من الجود والكرم. وفيه أيضا أنه ينبغي على المسلم إن أهدى هدية وأثيب على هذه الهدية أن يقبل ما أثيب عليه، ولا يدخله الطمع والجشع وطلب المزيد وتسخط ما أعطي، بل يقبل ما أعطي وإن لم يعط شيئا فلا شيء، ولا ينبغي أن يتسخط، بل يعطي الهدية ويهدي لمن أحب أن يهدي إليه. فإن أهدي له شيء أخذه، وإن لم يهد له شيء لا يتسخط على المعطي. ولا كذلك أيضا يتسخط إن أعطاه شيئا ورآه قليلا، بل يقبل ما أعطي من غير تسخط.