الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 199، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع شرح حديث نبوي يستعيذ فيه النبي من الكسل والمغرم، ويشرح معنى الكسل وضرورة الاستعاذة منه. ينبغي على المسلم أن يستعيذ بالله من الكسل الذي يمنعه من فعل الطاعات.
يجب على المسلم أن يحذر من أسباب الكسل مثل كثرة الطعام والنوم وتعلق القلب بالدنيا. كذلك، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من المغرم، سواء كان ذلك بسبب الديون أو فعل المعاصي التي تثقل الإنسان.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من عذاب النار وفتنة المسيح الدجال لعظم هذين الأمرين. يؤكد المقطع على إثبات فتنة المسيح الدجال كجزء من عقيدة أهل السنة والجماعة، ويشير إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام حذر منها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب من تعوذ بالله من الكسل، قال: حدثنا عبد الله، وهو ابن صالح، كاتب الليث، قال: حدثني الليث وابن سعد، أبو الحارث الفهمي، قال: حدثني ابن الهاد، وهو يزيد بن عبد الله بن يسامة بن الهاد، أبو عبد الله المدني، وهو ثقة، وثقه النسائي وابن معين، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وعمر بن شعيب هو عمر بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمر بن العاص، وجده عبد الله بن عمر. وهذه السلسلة سلسلة حسنة، قبلها العلماء، كما قال البخاري رحمه الله: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد من المسلمين. قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل والمغرم، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من عذاب النار». والحديث حسن بشواهده، وأصله في الصحيح، فقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة وأنس في استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من المأثم والمغرم. وهكذا أيضا استعاذته عليه الصلاة والسلام من المسيح الدجال وعذاب النار. وفي هذا الحديث أراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به على الاستعاذة من الكسل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله عز وجل من الكسل. والكسل، كما قال العلماء، هو ترك الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله، وهو معنى الفتور والتواني في العمل، وهو ضد النشاط. ومن ذلك الكسل والتثاقل عن فعل الطاعة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، فإن الكسل سبب عظيم لترك الإنسان للطاعة وفعل الخير الذي ينبغي أن تنبعث نفسه في فعلها. ولهذا قال العلماء: إنما يكون الكسل لعدم انبعاث النفس لفعل الطاعة، وهكذا أيضا الإقبال على الخير. فلذلك ينبغي على المسلم أن يستعيذ بالله عز وجل من الكسل، وأن يحرص على الابتعاد عن أسباب الكسل، ومنها كثرة الطعام، فإن الإكثار من الأكل سبب للكسل والخمول، لأن البدن يثقل فيصيب الإنسان الكسل. وهكذا كثرة النوم كذلك سبب للكسل والخمول. وهكذا أيضا تعلق القلب بالدنيا وغفلته عن الآخرة سبب لحصول الكسل، إذا غفل القلب عن تذكر الآخرة وتذكر الموت، وهكذا ما أعد الله سبحانه وتعالى في الآخرة لأهل الإيمان من النعيم، ولأهل المعاصي من العذاب، فإن الإنسان يصيبه الكسل والخمول والفتور. فكل ذلك وغيره مما يصيب الإنسان بالكسل، فينبغي أن يحذر منه، وأن يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من الكسل. قال: «والمغرم» كذلك أيضا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من المغرم. والمغرم قيل: المراد به فعل المعاصي والذنوب التي يغرم بها الإنسان وتثقله، وقيل: المراد بالمغرم هنا الديون، أن يستدين الإنسان فتكثر عليه الديون فلا يستطيع سدادها، فربما يطالبه صاحب الدين فيقع في المماطلة، أو لا يجد ما يسدد به الدين فيكذب عليه. ولهذا ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من المغرم، فقيل له: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف». يعني: وقع في الدين، حدث فكذب، ووعد فأخلف، يكذب على صاحب الدين، يقول له: سأتيك به، وربما أوعده وأخلف وعده، كل ذلك بسبب هذا الدين. فلذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من المغرم. أما إذا استدان الإنسان دينا لحاجة، وهو قادر على رده، فهذا لا يدخل في هذا الحديث، وإنما المراد به الدين الذي لا يستطيع الإنسان سداده، فيوقعه في الكذب وهكذا إخلاف الوعد وغير ذلك من الأمور المحرمة. قال: «وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال». كذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من فتنة المسيح الدجال، التي هي أعظم فتنة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أعظم من الدجال. وقد مر الكلام في دروس قد مضت عن شيء من ذلك مما ثبته في السنة، مما يغني عن إعادته. لكن الشاهد أن كثرة ما كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من فتنة المسيح الدجال لعظم هذه الفتنة. وهكذا أيضا كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من عذاب النار. وكذلك عذاب النار ثابت بالكتاب والسنة وإجماع العلماء، والآيات في ذكر عذاب النار كثيرة، وهكذا أيضا الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي دار الفجار والكفار وأهل المعاصي، كما قال الله عز وجل: ﴿أعدت للكافرين﴾. فالاستعاذة من عذاب النار تعني الاستعاذة من شدة إحراقها الذي لا يتحمله الإنسان. فنار الدنيا التي هي جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، لا يستطيع أن يتحملها الإنسان، فكيف بنار الآخرة؟ فلأجل عظم هذه النار التي أعدها الله سبحانه وتعالى للكفار ولمن خالف أمره، كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام منها. وفي هذا الحديث دليل على ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات عذاب النار، خلافا لأهل البدع، المعتزلة وغيرهم، الذين أنكروا ذلك. وكذلك إثبات فتنة المسيح الدجال التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام محذرا منها، فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات خروج المسيح الدجال والإيمان بذلك، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، خلافا كذلك لأهل البدع، المعتزلة وغيرهم، ممن أنكر ذلك ورد الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام بعقولهم وأهوائهم، وزعمهم بأن أحاديث الآحاد لا تثبت بها العقائد، وغير ذلك من أقوالهم الباطلة في ردهم ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام مما دل على ثبوت هذه الفتنة وخروج المسيح الدجال.