الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 231، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الاستخارة هي طلب خير الأمرين لمن احتاج إليهما، وهي سنة مستحبة عند الإقدام على أمر ما. لها أهمية كبيرة في اتخاذ القرارات.
صلاة الاستخارة تكون بركعتين من غير الفريضة يليها دعاء الاستخارة بعد السلام. الدعاء يشمل طلب الخيرة من الله تعالى بقدرته وعلمه وفضله.
دعاء الاستخارة يدل على عجز الإنسان وضعفه أمام قدرة الله وعلمه. يسأل العبد ربه أن ييسر له الخير أو يصرف عنه الشر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب الدعاء عند الاستخارة. قال: حدثنا مطرف بن عبد الله، أبو المصعب -وهو مصعب المدني ثقة- قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال، والموال جمع مولى، واسمه زيد، وعبد الرحمن هذا ثقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كالسورة من القرآن. إذا هم بالأمر فليركع ركعتين، ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم هذا الأمر خيرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبتي، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني، ويسمي حاجته. وهذا الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري. فهذا الباب، قال رحمه الله: باب الدعاء عند الاستخارة، أي: كيف يستخير الإنسان إذا أراد أن يقدم على أمر، أو أن يفعل فعلا، فما الذي يفعله؟ والاستخارة، قال الحافظ رحمه الله: هي استفعال من الخير، أو من الخير بوزن العنبة، قال: هو اسم من قولك: خار الله له، واستخار الله: طلب منه الخير، وخار الله له: أعطاه ما هو خير له. والمراد به: طلب خير الأمرين لمن احتاج إليهما. طلب خير الأمرين لمن احتاج إليهما. فذكر رحمه الله في أول هذا الباب حديث جابر رضي الله تعالى عنه في تعليم النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة الاستخارة. قال جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كالسورة من القرآن. وجاء في رواية: في الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن. وقوله: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كالسورة من القرآن، فيه بيان أهمية أمر الاستخارة، ولذلك علمها النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة كما يعلمهم السورة من القرآن، ومعلوم عظم تعلم القرآن. ولذلك جعل رضي الله تعالى عنه تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لهم الاستخارة كتعليم النبي صلى الله عليه وسلم لهم القرآن. وهذا يدل على عظم أمر الاستخارة. وكذلك أيضا أنهم كانوا في الجاهلية إذا أراد أحدهم أن يقدم على أمر، ربما ارتكب شيئا من الأمور الشركية، كالتطير، ربما يأتون بالطير فيرمون به في الهواء، فإن ذهب إلى جهة اليمين أقدم على ما أراد على فعله، وإن ذهب إلى جهة اليسار أحجم، أو هكذا. وكذلك الاستسقاب بالأسهم وغير ذلك مما كان عليه أهل الجاهلية، فجاء الله عز وجل بالإسلام وأبدلهم في إقدامهم على الأمور بصلاة الاستخارة. وقوله: في الأمور، أي: في جميع الأمور، ولكن هذا عام يراد به الخصوص، فالواجبات والمحرمات ليس في استخارة، فلا تدخل في هذا العموم. لو أراد إنسان أن يصلي صلاة الفريضة، ما يقول: سأستخير هل أصلي أو لا أصلي؟ أو إذا جاء رمضان ما يقول: أستخير هل أصوم أو لا أصوم؟ هذا واجب، ليس في استخارة. وغير ذلك ترك المحرمات، إنسان ابتلي بشيء من المحرمات فعزم على تركه، فلا يقول: أستخير هل أتركه أو لا أتركه؟ كأن يكون مما يبتلي به شرب الدخان أو أكل القات أو نحوها من هذه المحرمات، فليس فيها استخارة، هذه يجب تركها ويجب الإقلاع عنها. وإنما الاستخارة في الأمور المباحة، في أمر مباح أراد أن يسافر، فيستخير هل يقدم على هذا السفر أو لا يقدم؟ أو أراد الزواج أو أراد التجارة ونحو ذلك من الأمور المباحة. وقبل أن يقدم عليها فإنه يستخير. قال: إذا هم بالأمر فليركع ركعتين، يعني: علمهم النبي صلى الله عليه وسلم الاستخارة قائلا لهم: إذا هم أحدكم بالأمر، يعني: عزم على فعل أمر، فإنه قبل أن يقدم عليه يركع ركعتين، يصلي ركعتين. وجاء في رواية أخرى: فليركع ركعتين من غير الفريضة، يعني: من النوافل، سواء كانت النوافل المطلقة أو المقيدة، كتحية المسجد مثلا، يصلي ركعتين تحية المسجد وينوي بها الاستخارة، أو ركعتين الوضوء، أو كذلك الرواتب كركعتين الظهر أو نحوها من النوافل، يركع ركعتين. أو الغير سبب، يتوضأ ويصلي ركعتين وينوي بها الاستخارة، وهي عبارة عن ركعتين. وجاء في بعض الأحاديث كحديث أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فتصلي ما كتب الله لك، ولكن هذه الرواية تقيد هذا الإطلاق، أنها عبارة عن ركعتين يركع ركعتين. وهذه الركعتين كما سمعنا من غير الفريضة، فلا يصلح أن يصلي مثلا صلاة الصبح وينوي بها استخارة، لا، الاستخارة تكون نافلة ركعتين نافلة. قال: ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك. وظاهر قوله: ثم يقول، يعني: بعد الفراغ من ركعتين، بعد أن يصلي ركعتين ويسلم يأتي بهذا الدعاء. اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم. اللهم إني أستخيرك بعلمك، يعني: بأنك أنت الأعلم، وأستقدرك بقدرتك، يعني: أطلب منك أن تجعل لي قدرة على فعل هذا الأمر، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، لأن الفضل من الله سبحانه وتعالى، والنعم بيد الله سبحانه وتعالى. فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وهذا فيه كذلك بيان ضعف الإنسان، عجزه وفقره إلى الله سبحانه وتعالى، بأن العلم والقدرة كلها لله سبحانه وتعالى، فليس للعبد من ذلك شيء إلا ما قدره الله عز وجل، وليس له من العلم إلا ما علمه الله. وأنت علام الغيوب، أي: المتفرد بعلم الغيب هو الله سبحانه وتعالى وحده، وهو جل وعلا الذي يعلم هل هذا الأمر خير لهذا العبد أو شر له؟ لأن هذا أمر غيبي لا يعلمه إلا الله، فلذلك أنت تستخير الله جل وعلا بقدرته وعلمه أن يسر لك الخير في هذا الأمر. اللهم إن كنت تعلم هذا الأمر خيرا لي في ديني ومعاشي، يعني: في حياتي، وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاقدره لي، يعني: اجعل لي قدرة على فعله، اجعل لي قدرة على فعله، ويسره لي، إذا كان هذا الأمر فيه خير في ديني أو في حياتي أو كذلك خير في العاقبة أو كذلك في العاجل، فاقدره لي. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبتي، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، إذا كان هذا الأمر ليس فيه خير، ربما فيه شر إذا قدمت عليه، فإنك تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يصرفه عنك وأن لا تقدم على هذا الأمر. وهذا فيه كما سمعنا عجز الإنسان وضعفه وحاجته إلى الله سبحانه وتعالى، وأن الأمور كلها بيد الله سبحانه وتعالى. قال: واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني، ويسمي حاجته. رضني، يعني: اجعلني راضيا بذلك، اجعلني راضيا بذلك. ويسمي حاجته، يعني: يسمي الأمر الذي يريد أن يقدم عليه، بعد أن يأتي بهذا الدعاء يسمي حاجته ويذكر الأمر الذي يريد أن يقدم عليه. ثم بعد ذلك ذكر بعض أهل العلم أنه ينظر إلى ما ينشرح به صدره، هل ينشرح صدره للإقدام على هذا الأمر أو يرى عدم انشراح، فيحجم عنه. ورؤية في ذلك حديث، لكنه لا يصح، رؤية في معنى ذلك حديث، لكنه لم يصح. والصحيح أنه يستخير ثم يقدم على هذا الأمر، فإن كان فيه خير يسره الله سبحانه وتعالى له، وهيأ له الأسباب التي توصله إليه، وإن كان ليس فيه خير له، جعل الله سبحانه وتعالى من الأسباب ما تعوقه عن الوصول إلى هذا الأمر، وتكون بذلك فائدة الاستخارة. أنت تستخير ثم تقدم على هذا الأمر، فإن كان فيه خير يسره الله سبحانه وتعالى لك، وإن لم يكن فيه خير لك وجدت أمورا وأسبابا وحواجز تمنعك من الوصول إلى هذا الأمر، فيكون الخير في عدم إقدامك عليه، وفي عدم فعلك له. والله سبحانه وتعالى يعلم الخير للعبد وما يصلحه. فهذه الصلاة مستحبة، صلاة الاستخارة، إذا أراد الإنسان أن يقدم على أمر من الأمور، فإنه يصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم يدعو بهذا الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم يذكر حاجته التي يريد أن يقدم عليها. وفي هذا الحديث، وفي هذا الحديث كذلك عظيم شفقة النبي عليه الصلاة والسلام على أمته، وكذلك حرصه على تعليمهم وتوجيههم، وعظيم رحمته بهم، وكما وصفه الله جل وعلا بقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.