التعليقات على كتاب الأدب المفرد 247

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 247، ألقاها

لقاء نعيم بن قعنب بأبي ذر الغفاري

زار نعيم بن قعنب أبا ذر الغفاري وتحدثا عن عدة أمور، منها قصة واد موؤودة وتعليمات النبي حول التعامل مع المرأة. هذا اللقاء أظهر جانباً من حياة أبي ذر وتعامله مع الآخرين.

شرح حديث خلق المرأة من ضلع أعوج

شرح المقطع حديث النبي عن خلق المرأة من ضلع أعوج، مؤكداً على ضرورة التعامل مع النساء بالصبر والرفق. كما تم تطبيق هذا الحديث في حياة أبي ذر مع زوجته.

أحكام التعامل بين الزوجين وصفات الصحابة

ناقش المقطع أهمية طاعة المرأة لزوجها والصبر بين الزوجين، مع التركيز على صفات الصحابة مثل أبي ذر في تعامله مع زوجته.

حكم الصلاة بعد إطعام الضيف وتطبيقه في حياة الصحابة

تناول المقطع جواز الصلاة بعد إطعام الضيف، مستشهداً بحديث أبي ذر الذي صلى بعد أن قدم طعاماً لضيفه، مبيناً أن هذا الفعل لا بأس به خاصة إذا كان لصاحب البيت ورد في ذلك الوقت.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب من قدم إلى ضيفه طعاما فقام يصلي. قال: حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثني الجريري، قال: حدثنا أبو العلا بن عبد الله، عن نعيم بن قعنب، وهو الرياحي، ذكره ابن منده في الصحابة، قال: أتيت أبا ذر، وهو جندب بن جنادة الغفاري، أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، نسى بقين لإسلام قدمي النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة وأسلم رضي الله تعالى عنه، وأظهر إسلامه أمام كفار قريش، وأذوه وضربوه حتى فكه منهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وفعل ذلك ثلاث مرات، وكان قوالا بالحق، زاهدا في الدنيا، حتى إنه كان يرى أنه يحرم على الإنسان أن يملك ما زاد عن حاجته من المال، وخالف في ذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال: أتيت أبا ذر فلم أوافقه -يعني لم يجده في بيته- فقلت لمرأته: أين أبو ذر؟ قالت: يمتهن -يعني يعمل- سيأتيك الآن. وجلست له، فجاء ومعه بعيران قد قطر أحدهما بعجز الآخر، في عنق كل واحد منهما قربه، فوضعهما، ثم جاء، فقلت: يا أبا ذر، ما من رجل كنت ألقاه كان أحب إلي لقيا منك، ولا أبغض إلي لقيا منك. قال: لله أبوك، وما جمع هذا؟ قال: إني كنت وأدت موؤودة في الجاهلية، أرهب إن لقيتك أن تقول: لا توبة لك، لا مخرج لك. وكنت أرجو أن تقول: لك توبة ومخرج. قال: أفي الجاهلية أصبت؟ قلت: نعم. قال: عفى الله عما سلف. وقال لمرأته: آتينا بطعام، فأبت، ثم أمرها فأبت، حتى ارتفعت أصواتهما، قال: إيهن، فإن كنا لا نعد أن ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهن؟ قال: «إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن تريد أن تقيمها تكسرها، وإن تداريها فإن فيها أودا وبلغة». فولت، فجاءت بثريدة كأنها قطاة، فقال: كل. قال: لا أهولنك، فإني صائم. ثم قام يصلي، فجعل يهذب الركوع، ثم انفتل فأكله. فقلت: إنا لله، ما كنت أخاف أن تكذبني. قال: لله أبوك، ما كذبت منذ لقيتني. قلت: ألم تخبرني أنك صائم؟ قال: بلى، إني صمت من هذا الشهر ثلاثة أيام، فكتب لي أجره، وحل لي الطعام. وهذا الحديث حسن، وقد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. وفيه ما سمعنا من قصة نعيم بن قعنب مع أبي ذر رضي الله تعالى عنهما، فزار نعيم أبا ذر في بيته، فلم يجده، فسأل عنه امرأته، فقالت: يمتهن -يعني يعمل-. ثم جلس له حتى أتى، فسأله، وقال له: ما من رجل كنت ألقاه كان أحب إلي لقيا منك، ولا أبغض إلي لقيا منك -يعني أحب أن ألقاه، وفي نفس الوقت أكره أن ألقاك-. فقال له: لله يا أبوك، ما جمع هذا؟ -يعني كيف تحب أن تلقاني، وفي نفس الوقت تكره أن تلقاني؟- فأخبره بأنه وأد موؤودة في الجاهلية، والوأد هو دفن الجارية وهي حية، دفن المرأة البنت الجارية الصغيرة وهي حية، وهذا كان يفعله أهل الجاهلية إذا ولد لأحدهم جارية بنتا، قام بدفنها وهي حية، وهو المراد بقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾. فأخبره أنه فعل ذلك في الجاهلية، فقال: أرهب إن لقيتك أن تقول: لا توبة لك، لا مخرج لك -يعني مما فعلت- فهذا يجعلني أخاف أن ألقاك، فتقول لي ذلك. وأرجو أن تقول: لك توبة ومخرج، فهذا يجعلني أحب أن ألقاك، فهذا له سبب قوله ذلك. فقال: أفي الجاهلية أصبت؟ قلت: نعم. قال: عفو الله عما سلف -يعني هل صدر منك هذا قبل الإسلام؟ قال: نعم، في الجاهلية، والجاهلية يطلق على ما قبل الإسلام، وسميت بذلك لكثرت الجهل فيها-. قال: عفو الله عما سلف -يعني أنك إذا أسلمت، فإن الإسلام يهدم ما كان قبله، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وقوله: قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمرو بن العاص: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟». قال: وقال لمرأته: آتينا بطعام، فأبت، ثم أمرها فأبت، حتى ارتفعت أصواتهما، فقال: إيهن -يعني اسكتي-. فقال: «فإن كنا لا نعد أن ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم». قلت: وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهن؟ قال: «إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن تريد أن تقيمها تكسرها، وإن تداريها فإن فيها أودا وبلغا». وأصل هذا الحديث قد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن المرأة خلقت من ضلع، في بعض الروايات: من ضلع أعوج، وذلك أن أصل خلقها أن الله عز وجل خلق حواء من ضلع آدم الأعوج، فكانت المرأة على عوج، وهذا العوج لا يمكن أن يقام، «وإنك إن تريد أن تقيمها تكسرها» -يعني مهما أردت أن تصلح العوج الذي فيها، فلا تستطيع إلا أن تكسرها-، وكسرها كما قال: «طلاقها»، فلهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالاتصاف بالنساء خيرا: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع أعوج، إن أعوج ما في الضلع أعلاه» -يعني لسانها-، «فإنك إن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج»، وفي رواية: «فإنها لن تستقيم لك على طريقة» -يعني لا يمكن أن تكون المرأة كاملة، لا بد فيها من نقص بسبب العوج الذي فيها، وهي ناقصة عقل كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام-، فلذلك تحتاج إلى صبر. وذكر أبو ذر رضي الله عنه من هذا الحديث لما حصل من زوجته ما حصل، أمرها أن تأتي بالطعام فأبت، ثم أمرها فأبت، حتى ارتفعت أصواتهما، ثم أمرها أن تسكت، واستجابت، ثم ذهبت فأتت لهم بالطعام. وفي هذا كذلك بيان أن المرأة إن حصل منها شيء مع زوجها، فرفعت صوتها عليه وارتفعت أصواتهما، فأمرها الزوج بالسكوت، فينبغي أن تسكت، وأن لا تتطاول على زوجها، أو ترفع صوتها عليه، أو تعانده؛ لأن ذلك قد يكون سببا في طلاقها، وفي فساد حياتها، فينبغي إن حصل شيء من ذلك، وأمرها الزوج بأن تسكت أن تسكت، تستجيب له، وتعلم أن القوام للزوج: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، فالقوامة للزوج، فينبغي أن تعرف المرأة قدر نفسها. وكذلك أيضا إن حصل شيء من ذلك، فينبغي أن يصبر كل منهما على الآخر، كل منهما يصبر على الآخر. وكذلك أيضا من صبر المرأة أنه ينبغي لها إن حصل شيء من ذلك أن يكون ذلك في نطاق بيتها -يعني مع زوجها-، فكون الزوج مثلا يقول لها: اسكتي، أو رفع صوتها عليها، ليس معنى ذلك أنها تذهب وتخرج وتذهب عند أهلها، كحال كثير من النساء في أدنى خلاف وأدنى شقاق بينها وبين زوجها، مباشرة تذهب وتحمل وتذهب عند أهلها، هذا الفعل خطأ وليس بصواب. وينبغي كذلك لأهل المرأة أن يعقلوا إمتهم، وأن يعينوها في إصلاح حياتها مع زوجها، ولا يكون عونا لها على فساد حياتها. وبعض الأهل ربما يقولون لإمتهم إذا حصل شيء: لا تسكتي وتعالي وكذا، وهذا في الحقيقة إفساد، إفساد لحياة إمتهم من حيث لا يشعرون، بل ينبغي أن يقول لها: اصبري عند زوجك، وهكذا يصبروها حتى تلتئم الأمور، ويحصل التوافق من غير حصول مفسدة. قال: «وإن تداريها فإن فيها أودا وبلغة» -يعني إذا عاملتها بالمدارة، وتأتي لها بالكلام اللطيف والطيب من غير كذب، أو كذلك من غير مخالفة شرعية، فإنك حينئذ تستطيع أن تعيش معها، وتقضي معها ما يحصل به المقصد من استمتاع كل منهما بالآخر-. قال: فولت، فجاءت بثريدة كأنها قطاة. والثريد هو طعام يصنع من الخبز واللحم، وهو من أفضل الأطعمة عند العرب. قال: كأنها قطاة -والقطاة ضرب من الحمام، نوع من الحمام-، وشبهها بذلك للذتها، ولحسن طعمها. قال: فقال: «كل». قال: لا أهولنك -يعني لا أخيفك فكوني لا أكل معك- فإني صائم. ثم قام يصلي -يعني أبو ذر رضي الله تعالى عنه- فجعل يهذب الركوع -يعني يخففه-. ثم انفتل فأكل -يعني انصرف من صلاته فجاء فأكل معه-. فقلت: إنا لله -وفي رواية: إنا لله وإنا إليه راجعون- ما كنت أخاف أن تكذبني -يعني وكنت أظن أن يقع الكذب- فما كنت أظن أن يقع منك. قال: لله أبوك، ما كذبت منذ لقيتني -يعني ما وقعت في شيء من الكذب-. فقلت: ألم تخبرني أنك صائم؟ قال: بلى، إني صمت من هذا الشهر ثلاثة أيام، فكتب لي أجره، وحل لي الطعام. ومعناه أنه صام رضي الله تعالى عنه من هذا الشهر ثلاثة أيام، والحسنة بعشر أمثالها، فاليوم بعشرة أيام، فثلاثة أيام كأنه صام شهرا، وحينئذ كتب له الأجر -أي أجر صيام شهر-، فمعنى قوله: إني صائم -يعني في حكم الصائم- لأني صمت ثلاثة أيام، فلي أجر صيام شهر، فلم يكن في ذلك كاذبا رضي الله تعالى عنه. قال: وحل لي الطعام، فلأجل ذلك أكل معه. وأشاد من هذا الحديث في ذكري في هذا الباب، هو ما بوب عليه رحمه الله -أي الإمام البخاري- في قول أبي من قدم لضيفه طعاما وقام يصلي. فأبو ذر رضي الله عنه قدم هذا الطعام للضيف، ثم قام يصلي، وأن هذا لا مانع منه، وخاصة إذا كان صاحب البيت له ورد مثلا يصلي في هذا الوقت الذي جاء فيه الضيف، فلا مانع أن يقوم يصلي، ثم يأتي ويأكل معه، والله تعالى أعلم.

شاركنا على