الدرس في كتاب الصلاة 26، ألقاها
ضابط التخفيف في الصلاة هو إتمام أركانها وواجباتها ومستحباتها مع مراعاة أضعف المأمومين، كما جاء في حديث عثمان بن أبي العاص. يدل ذلك على أهمية مراعاة حالة المأمومين في الصلاة.
في صلاة المنفرد، الأفضل هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما ورد فيه النص، مع مراعاة حالة الشخص من حيث القوة والضعف والخشوع والتدبر. يختلف حكم التطويل والتخفيف باختلاف الحالة والنية في الصلاة.
دعاء الاستفتاح مستحب بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، وقد استدل بعضهم بحديث أنس على افتتاح الصلاة بقراءة القرآن. لكن الحافظ ابن حجر رد هذا الاستدلال موضحا أن الحديث يتعلق ببيان ما يفتتح به القراءة.
وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد، نذكر اليوم مسألة أخرى، مسألة ضابط التخطيط في الصلاة. ضابط التخطيط في الصلاة، قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء طويلًا بالنسبة إلى عادة قوم، وقد يكون خفيفًا بالنسبة إلى عادة آخرين. وقد قال بعض الفقهاء: إنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في السجود أو في الركوع والسجود. قال: والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك، مع أمري بالتخفيف. قال: فكأن ذلك لأن عادة الصحابة، لأجل شدة رغبتهم في الخير، يقتضي أن لا يكون ذلك تطويلًا. وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله، بعد أن ذكر حديث أنس السابق، ذكرناه في الدرس الماضي، وفيه أنه قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من نبي صلى الله عليه وسلم. قال: إنه بيّن قدر التخفيف المأمور به، وأنه إنما يشكى الإمام إذا زاد عليه زيادة فاحشة. قال: فأما إكمال الصلاة وإتمام أركانها، فليس بتطويل منهي عنه. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: وأولى ما أخذ به حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص، وفيه: «أنت إمام قومك، واقدر القوم بأضعفهم»، إسناده حسن، وأصله في مسلم. إذ ذكرناه الآن، نخرج منه بخلاصة، وهي أن ضابط التخفيف في الصلاة: أن التخفيف من الأمور الإضافية، وليس من التخفيف الإخلال بالصلاة، بل التخفيف يكون مع إتمام الصلاة، إتمام أركانها وواجباتها ومستحباتها. ويكون قدر التخفيف اقتداء بأضعف القوم، أي أضعف رجل يستطيع أن يصلي تلك الصلاة، فيقدر ذلك التخفيف بذلك الرجل. وهذا حد شرعي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، في حديث عثمان بن أبي العاص، قال: «أنت إمامهم، واقدر بأضعفهم»، أي اجعل أضعف القوم هو الذي تترتب عليه مسألة التخفيف في الصلاة. فهذا ضابط نبوي. إذا جاء نهر الله، بطل نهر معقل، يعني إذا جاء الخبر من الله أو من رسوله، لا يحتاج أن يجادل ويقال: قال فلان، وقال فلان. مسألة ثالثة، المسألة الثالثة متعلقة بهذا الباب، حتى ننتقل إلى الباب الآخر: إذا صلى الإنسان وحده، فليصلي ما شاء في الفرائض والنوافل. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا صليت وحدك، فصلي ما شاء»، وفي الحديث جاء فيه: «فليطول ما شاء». وأيها الأفضل في صلاة المنفرد: التطويل مطلقًا في الصلوات، أم التخفيف مطلقًا؟ قال العلماء: أو قال بعض أهل العلم: ما جاء فيه النص عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالأفضل الاقتداء به. فمثلًا ركعتا الفجر، جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين، أي راتبة الفجر. وكذلك الركعتان التي يفتتح فيها الصلاة عند قيام الليل، أيضًا يصلي ركعتين خفيفتين. وكذلك الركعتان للداخل يوم الجمعة إلى المسجد والخطيب يخطب، الأفضل كذلك في حقه التخفيف. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل الرجل المسجد، فليصل ركعتين قبل أن يجلس». وقال: «وأوجز»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فهذه المواضع ونحوها، الذي جاء فيها النص من النبي صلى الله عليه وسلم بعدد معين أو بهيئة معينة، يقتصر عليه، فهو الأفضل. وما عداه، فيعود إلى حال الشخص، قوة وضعفًا، ونشاطًا وعدم نشاط، وخشوعًا وتدبرًا وعدم ذلك. هذا يعود إلى حال الشخص. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى تحت هذه المسألة مسألة، وهي: أيهما أفضل في صلاة الليل، أو في الصلاة مطلقًا: كثرة السجود والركوع، أم طول القراءة؟ ذكر فيها قولان، واختار بعض المحققين التفصيل، واختار بعض المحققين من أهل العلم التفصيل، وأن هذا عائد إلى المصلي، إلى حاله من حيث التدبر والانتفاع والخشوع. وهذا التفصيل هو الأولى. قال الإمام أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب عمدة الأحكام في كتاب الصلاة، قال: باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. والمراد بصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: أي الهيئات والأقوال والأفعال التي كان يفعلها ويقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة. قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنية قبل أن يقرأ». فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد». هذا الحديث كما يسميه الفقهاء من أدعية الاستفتاح للصلاة. والإمام عبد الغني رحمه الله تعالى افتتح به؛ لأنه مما يفتتح به. فأول ما يفتتح المصلي الصلاة بعد تكبيرة الإحرام، يفتتح بهذا الدعاء ونحوه، من الأدعية التي جاءت ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنية قبل أن يقرأ». قوله: «كان» تفيد الديمومة. فقوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر» أي كان حاله إذا كبر في الصلاة سكت هنية. و«هنية» بضم الهاء وفتح النون، وتشديد الياء، ويتصغيرها «هنيئة». يكنى بها عن الشيء القليل من الزمان. فكأنه قال: سكت شيئًا قليلًا من الزمان. قال: «قبل أن يقرأ»، فدل هذا على أن هذا الدعاء الآتي ذكره يكون بين تكبيرة الإحرام وبين الاستفتاح والبدء بالقراءة، أي بقراءة القرآن. وفي الحديث مسائل، أولى هذه المسائل: هل الخطأ يقع من النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم اغفر لي ذنبي»، ويقول: «استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات». فقال تعالى: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر». ولكن الشأن: هل هذه الذنوب تبقى أم لا؟ أي أم تكفر وتغفر؟ الجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الإقرار على الذنب، ومقول له: «ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، كما هو نص الآية السابقة. المسألة الثانية: استحباب دعاء استفتاح في الصلاة، أو قولوا: حكم دعاء استفتاح في الصلاة. ذهب الجمهور إلى استحباب ذلك، واستدلوا لذلك بأحاديث منها حديث الباب، وحديث آخر جاء في الباب، منها حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وفيه: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض»، الحديث. وكذلك حديث عمر بن الخطاب، وفيه: «سبحانك اللهم وبحمدك»، الحديث. وحديث علي متفق عليه، وحديث عمر رواه مسلم. واختلف في رفعه ووقفه من أهل العلم. يقول أن الصواب فيه الوقف على عمر رضي الله عنه وأرضاه. وقد دافع عنه الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى من المعاصرين، وقال: وعلى فرض كونه موقوفًا، فإن له حكم الرفع. فالحاصل: أن هذه الأدلة تدل على استحباب استفتاح الصلاة بهذه الأدعية، وهو قول جمهور العلماء. القول الثاني: قول الإمام مالك رحمه الله تعالى، فقد ذهب رحمه الله تعالى إلى عدم استحباب ذلك. قال: بل بعد التكبير يبدأ بالقراءة. واستدل لهم بحديث أنس بن مالك، وفيه: قال: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر»، وفي رواية: «وعثمان»، «فكانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين». فقالوا: هذا دليل على أنهم لم يكونوا يستفتحون الصلاة بشيء إلا بقراءة القرآن. وهذا الاستدلال رده الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، فقال: وقد تحرر أن المراد بحديث أنس: بيان ما يفتتح به القراءة، فليس فيه تعرض لدعاء الافتتاح.