كتاب الصيام من بلوغ المرام  10

كتاب الصيام من بلوغ المرام 10

الدرس في كتاب الصيام من بلوغ المرام 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم القبلة والمباشرة للصائم وضابط الجواز والحرمة

يوضح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل ويباشر وهو صائم مع امتلاكه لشهوته، ويستفاد منه جواز القبلة والمباشرة للصائم إذا أمن على نفسه من الإنزال أو الجماع، ويحرم إذا ظن أن ذلك سيؤدي إلى المحظور، ومن أنزل بشهوة أفطر عند الجمهور.

أحكام الإنزال والمذي والاحتلام في الصيام وجواز ذكر المستحيى منه للحاجة

يبيّن المقطع أن الإنزال المتعمد بأي وسيلة دون الجماع يُفطر الصائم ويوجب القضاء، بينما المذي والاحتلام لا يُفطران، كما يؤكد تحريم الاستمناء والتعمد للإنزال، ويستدل بالحديث على جواز ذكر الأمور الجنسية المستحيا منها عند الضرورة كالتعليم والطب والقضاء.

آداب التعليم في الأمور الزوجية ومكانة أزواج النبي في نقل العلم

يجوز تعليم المقبلين على الزواج الأمور الزوجية بأدب وكنية إن أغنت عن التصريح، مستدلاً بحديث أم سليم وآيات القرآن التي كَنَّت عن الجماع، وتبرز مكانة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة عائشة، في نقل الأحكام الخاصة التي لا يطلع عليها غيرهن، مع ذم من يبغضهن ويطعن في عدالتهن.

فضل الصحابة وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم في حفظ الدين

يؤكد المقطع على عظيم جهد الصحابة وزوجات النبي في حفظ الدين ونقله إلينا كاملاً كما أنزل، ويدعو إلى الاعتراف بفضلهم وفضل زوجات النبي، رضي الله عنهم أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في كتابه "بلوغ المرام" في باب الصيام، الحديث الرابع عشر الذي ذكره في هذا الكتاب: قال عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه. متفق عليه، واللفظ لمسلم. وزاد في رواية: في رمضان. يعني: يقبل وهو صائم في رمضان. وهذه الرواية أيضا في الصحيح. المعنى الإجمالي ومفردات هذا الحديث: تخبر عائشة رضي الله تعالى عنها عن أمر خاص يحدث بين الزوجين، وإنما ذكرت ذلك للتعليم ولإفادة هذا الحكم الشرعي من أحكام الصائمين. فأخبرت رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، أي يقبل زوجاته وهو صائم، وكذلك يباشر وهو صائم. ومعنى يباشر: المباشرة مأخوذة من البشرة، وهي ظاهر الجلد، هذه تسمى البشرة. فمعنى يباشر: يراد به ما يلمسه الزوج من ظاهر بشرتها، فيشمل ذلك القبلة، ويشمل ذلك اللمس باليد لشهوة. فقوله: يباشر، هذا من باب عطف العام على الخاص، فالقبلة خاص، والمباشرة عام، فالقبلة تدخل في المباشرة، فالمباشرة أعم من القبلة، فتشمل القبلة، وتشمل كذلك الملامسة باليد أو نحوها لشهوة. وقولها: ولكنه كان أملككم لإربه. معنى أملككم: أملك اسم تفضيل على وزن أفعل، وهو من الفعل ملك يملك ملكا وملكة، فالمراد أنه كان عليه الصلاة والسلام يملك نفسه عند شهوتها، أي يقدر على حبسها، يقدر على حبسها وعدم إفراغها وهو صائم. فهذا معنى قولها: كان أملككم. وأما قولها: لإربه، فالإرب يطلق على الحاجة، ويطلق على الذكر، والمراد به هنا الذكر خاصة، أي كان أملككم لذكره، فكان يقدر على حبسه من إفراغ شهوته. هذا هو المراد، والمعنى الإجمالي في هذا الحديث. وهذا الحديث فيه فوائد أحكام كثيرة، من أهمها: يفيد هذا الحديث جواز تقبيل الرجل زوجته وهو صائم في رمضان، وكذلك أن يباشرها وهو صائم في رمضان. ولكن ننتبه لهذا القيد: ولكن يقيد هذا بما إذا كان الإنسان يعلم، إذا كان الإنسان يعلم من نفسه أن ذلك لا يحرك شهوته بحيث ينزل أو يجامع. إذا علم من نفسه أن هذه القبلة أو هذه الملامسة لا تكون سببا في إنزاله، ولا تكون سببا في إغراء الشيطان له حتى يقع في الحمى، ويقع في المحذور من الجماع، فإذا علم من نفسه ذلك فهذا الأمر يجوز لما سمعت في هذا الحديث، وبهذا القيد. ويستفاد أيضا من هذا الحديث تحريم القبلة أو المباشرة إن ظن، ليس إن تيقن، بل إن ظن أنه ينزل من هذه القبلة أو من تلك المباشرة، أو أنه يقع في المحذور، فإن ذلك يحرم عليه، فإن ذلك يحرم عليه. هذا هو ما يستفاد من هذا الحديث. وهنا مسألة: إذا قبل أو باشر وهو يظن أنه لا ينزل، لأن هذا أمر ظني، لكنه أنزل، أنزل ووقع في هذا الأمر، فماذا عليه؟ هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: هل من أنزل بشهوة يفطر أو لا يفطر؟ والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يفطر، أنه يفطر، لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة في الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». فقوله: وشهوته، وشهوته، هذا لفظ عام يشمل الجماع، ويشمل كذلك الإنزال بما هو دون الجماع، بما هو دون الجماع. ومن جعل الشهوة الواردة في هذا الحديث هي في الجماع خاصة، مستدلا بحديث أبي هريرة في حديث المجامع في رمضان، فهذا تحكم، تحكم في فهم الحديث. فنعم، الجماع من الشهوة، وما الذي يمنع أن يكون من الشهوة الإنزال بما هو دون الجماع؟ فهذا الأمر يسمى شهوة، يسمى شهوة. فلذلك الإنزال يدخل في عموم هذا الحديث: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». فهذا الصنف الذي ينزل بما دون الجماع فإنه يفطر، فإنه يفطر، وعليه القضاء، عليه قضاء هذا اليوم للحديث الذي سمعت. وأما خروج المذي الذي هو يخرج غالبا عند المداعبة أو التفكير في الجماع أو إلى غير ذلك، فهذا وجد فيه خلاف أيضا، ولكن كذلك الصحيح أنه لا يفطر، من أنزل المذي فإنه لا يفطر، ولا يقاس المذي على المني، لا يقاس المذي على المني، فبينهما فروق كثيرة في أوجه كثيرة. فمن أمذى فليس عليه شيء، يعني لا يفطر، لا يفطر، وليس عليه قضاء ولا شيء. وأيضا من فوائد هذا الحديث: فإنه يدخل في الشهوة الإنزال بغير القبلة أو كذلك الملامسة والمباشرة، إذا كان هذا النزول بشهوة، إذا كان هذا النزول بشهوة. أما الاحتلام فلا يفطر صاحبه، لأنه لا يملك ذلك، إنسان نام ثم احتلم وأنزل، فهذا ليس عليه شيء، لا يفطر، وإنما عليه الغسل فقط، عليه الغسل. وبالنسبة للصيام فليس عليه شيء، لأن ذلك ليس بملكه. وأما إذا كان هذا الإنزال بإرادته وفي يقظته، فهذا يفطر، سواء كان بعادة سرية أو باحتكاك أو إلى غير ذلك، فكل ذلك يفطر، كل ذلك يفطر لأنه إنزال، لأنه إنزال. مع التنبيه أن العادة السرية أو الإنزال بقصد من غير مقاربة زوجه، ومن غير غلبة ظن أنه سينزل، فهذا محرم لا يجوز، سواء كان بعادة سرية أو بتعمد مداعبة زوجه وهو يعلم من نفسه أنه سينزل، أو كذلك من غير هذه الأعمال التي تكون سببا في الإنزال، فكل ذلك محرم، كل ذلك محرم. ومع كونه محرما فإن الصائم يفطر بذلك، فإن الصائم يفطر بذلك. وفي هذا الحديث أيضا دليل على جواز ذكر ما يستحي منه من الأمور الجنسية عند الحاجة، عند الحاجة إلى ذكر هذه الأمور. وما هي هذه الحاجة؟ مثلا: تعليم جاهل، مثل ما ورد في هذا الحديث، لو لم ينقل إلينا هذا الحكم من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام لربما يجهل كثير مننا هذا الحكم الشرعي، ولربما يعد من المفطرات مطلقا دون أي تفصيل. فإذا كان ذكر هذه الأمور التي يستحيى منها من باب التعليم، أو من باب إظهار حق إنسان ظلم في أمر ما في عرضه، فلا بأس أن يذكر الأمور التي يستحيى منها، إن كان في ذكر هذه الأمور إحقاق حق وإظهار حق. أو كذلك وصف لطبيب، إنسان يشتكي من أمر يتعلق بأمور يستحيى منها، فالطبيب يحتاج إلى وصف لهذا المرض حتى يعالج، فلا بأس بذلك. أو كذلك في مسألة القضاء والخصومات، إذا كان هذه الخصومات فيها تعلق بأمور يستحيى منها، فهذا لا بأس أن تذكر للحاجة. وكذلك من التعليم، فتى أو فتاة قادم على الزواج ويجهل هذه الأمور التي تكون بين الزوجين، فلا بأس أن يعلم لكن بأدب، وكذلك بالكنى، إذا كانت هذه الكنى تغني عن التصريح، إذا كانت تغني عن التصريح، ولا يكون ذلك الذكر وهذا التعليم من باب التشهي، ولا من باب الفحش، وإلى غير ذلك، وإنما من باب التعليم، فهذا يجوز لهذا الحديث ولغيره من الأحاديث الأخرى. منها ما جاء في الصحيح أن أم سليم جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم، إذا رأت الماء»، نعم إذا رأت الماء. فالأمور التي يستحي منها إذا كان من هذه الأبواب التي ذكرت للحاجة، من فقه في دين، ومن إظهار حق، ومن وصف لطبيب أو قاض، فهذا يجوز، ولكن بالأدب وبالكنية إن كانت هذه الكنية تغني عن التصريح. فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾، فانظر، سمى هذا الموضع هذا الموضع بالحرث، تأدبا في الألفاظ، تأدبا في الألفاظ. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾، ويراد بالملامسة الجماع، كما جاء عن ابن عباس، فكنى عن الجماع بالملامسة. فالشخص يحاول قدر استطاعته في الأمور التي يستحي منها أن يختار الألفاظ الحسنة، وأن يكني إذا كانت الكناية تغني عن التصريح، وإذا لم تغني عن التصريح فيجوز التصريح لهذه الأمور التي ذكرت، لهذه الأمور التي ذكرت. فكما قالت أم سليم: إن الله لا يستحي من الحق، وكما جاء في هذا الحديث، حديث عائشة، كيف أنها رضي الله تعالى عنها ذكرت هذا الأمر الذي ربما عندما نقرأه بعضنا ينكس رأسه حياء، وهذا أمر محمود، ولكن هذا دين، هذا دين، وهذا كذلك أمور يحتاجها المسلم في صيامه، فهنا ذكرت للحاجة إليها، للحاجة إليها. وفي هذا الحديث أيضا من الفوائد: نفع زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة وبركتهن كذلك على هذه الأمة، فقد نقلنا من الأحكام الشرعية ما لا يطلع عليه إلا هن رضي الله تعالى عنهن. فانظر هذه الأمور، هل يستطيع الرجال أن ينقلوها؟ التي هي من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ليست من قوله، إنما هي من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، هل يستطيع أحد غير زوجاته أن ينقله لهذه الأمة؟ أبدا. فانظر كيف أن الله سبحانه وتعالى سخر لهذه الأمة هؤلاء الزوجات، ومنهن عائشة رضي الله تعالى عنها التي هي أفقه نساء الصحابة رضي الله تعالى عنها، وقد نقلت لهذه الأمة علما غزيرا، وهي رضي الله تعالى عنها من المكثرين في رواية الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. ألا فلنعرف لزوجات النبي عليه الصلاة والسلام فضلهن ومكانتهن في هذه الأمة، وقبح الله الروافض الذين يبغضون زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، خصوصا عائشة رضي الله تعالى عنها، ويذمونهن، وهؤلاء ما فعلوا ذلك إلا لحقدهم وبغضهم للإسلام وللمسلمين، لما علموا أن هؤلاء الصحابة هم الذين نقلوا الدين ونقلوا العلم الصحيح الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أرادوا أن يطعنوا في شهودنا، أرادوا أن يطعنوا في نقلة أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فطعنوا في هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وما علموا أن هذا الدين ما نقل إلينا إلا بهم، وبكذلك جدهم واجتهادهم وحفظهم، وكذلك سهرهم وتعبهم، حتى أوصلوا لنا هذا الدين غضا طريا كما أنزل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ألا فلنعرف لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلهم، ولنعرف لزوجات النبي عليه الصلاة والسلام فضلهن، رضي الله تعالى عنهن جميعا. نكتفي بهذا، وإلهنا، والحمد لله رب العالمين. شكرا للمتابعة، اشتركوا في القناة.