كتاب الصيام من بلوغ المرام  8

كتاب الصيام من بلوغ المرام 8

الدرس في كتاب الصيام من بلوغ المرام 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

النهي عن الوصال وخصائص النبي صلى الله عليه وسلم

يشرح المقطع حديث النهي عن مواصلة الصيام يومين بلا إفطار، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم رحمة ثم واصل بهم تأديباً، وأن مواصلته كانت من خصائصه لقوله: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" معنوياً لا حسياً.

أحكام الوصال في الصيام واختلاف العلماء فيه

يبين المقطع حكم الوصال في الصيام وأنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، مستعرضاً قول الجمهور بتحريمه مطلقاً وجواز الإمام أحمد للمواصلة إلى السحر، مستخلصاً سماحة الشريعة ويسرها.

أصل العبادة التوقيف ومنع البدع والتيسير في الصيام

يؤكد المقطع أن العبادة مبناها على التوقيف الشرعي فلا يزاد فيها، ضارباً أمثلة على البدع، ومبيناً أن النهي عن الوصال رحمة وتيسير لضمان دوام العمل، وأن غروب الشمس وقت للإفطار لا تحققه ذاتياً.

تفصيل وقت الإفطار عند غروب الشمس وختام الدرس

يوضح المقطع أن غروب الشمس هو وقت دخول الإفطار وليس تحققه الفعلي، مبيناً أن لو كان الغروب يحقق الإفطار لبطل معنى الوصال، ويختتم المتحدث الدرس بالحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه وبعد. الحديث الثاني عشر الذي ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه "بلوغ المرام" وفي أحاديث الصيام: قال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني". فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما، ثم رأوا الهلال، فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم" كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. متفق عليه. وكما تقدم أن الحديث إذا كان في الصحيحين أو في أحدهما فقد بلغ القنطرة، ولا حاجة إلى البحث عن درجته وعن صحته. وأما مفردات هذا الحديث والمعنى الإجمال لهذا الحديث: في هذا الحديث ينهى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصيام. والوصال في الصيام مأخوذ من الوصل، والمراد هنا مواصلة الصيام اليومين فأكثر من غير إفطار بالليل. فمثلا يتسحر الواصل في الصيام يوم الجمعة، فيأتي يوم السبت فلا يفطر، يستمر في الصيام، يستمر في الصيام إلى وقت السحر فلا يتسحر، فيأتي اليوم الثاني وهو لا يزال صائما بسحور يوم الجمعة. هذا الوصال يوم ويوما. أن يستمر في يوم الأحد لا يفطر، فيأتي وقت السحر فلا يتسحر، يستمر في الصيام بدون سحور. فهذا هو الوصال الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمة بهذه الأمة، فإن في الوصال لا شك أنها مشقة ظاهرة وواضحة، فلذلك لسماحة هذه الشريعة ولتلك يسر هذه الشريعة نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الوصال. فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله. أي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يواصل، فلربما واصل اليوم واليومين بدون سحور. فلما رأى الصحابة ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام أرادوا أن يقتدوا به، فقالوا: يا رسول الله إنك تواصل، فكيف أنت تواصل ولا تريد من أصحابك أن يواصلوا؟ فبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام أن مواصلته مما اختص به، فهي من خصائصه عليه الصلاة والسلام لأنه يعان من الله عز وجل، فقال عليه الصلاة والسلام: "وأيكم مثلي؟" يعني لا أحد يستطيع ما أستطيعه من المواصلة. "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني". اختلف أهل العلم في قوله عليه الصلاة والسلام: "فإني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، ما المراد بالإطعام والسقيا؟ هل هما حسيان أم أنهما معنويان؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أن المراد بالإطعام والسقيا هما معنويان، أي أن الله سبحانه وتعالى يفيض على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من لذيذ المناجاة، ومن كذلك الانشغال بالعبادة والاطمئنان بذلك والانشراح بها مما يشغله عن طلب الطعام والشراب. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم في قوله عليه الصلاة والسلام: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني". ولو كان طعاما حسيا لما كان للمواصلة معنى، لو كان الطعام حسيا وأنه يطعم حقيقة ويسقى حقيقة فلا يكون صائما أصلا، فلا معنى للمواصلة. فإذا المراد بقوله: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" أي مما يقذفه ويفيضه ربه سبحانه وتعالى عليه من لذيذ المناجاة ومن الانشغال بالعبادة عن أن يطلب الطعام أو الشراب. فأبى الصحابة، قال: "فلما أبوا أن ينتهوا" يعني استمروا في المواصلة، استمروا في المواصلة، فواصل بهم النبي عليه الصلاة والسلام يوما ثم يوما، يعني واصل بهم يومين، استمروا في الصيام بدون سحور، فرأوا الهلال. أي أن هذه المواصلة كانت في آخر الشهر، كانت في آخر شهر رمضان، ففي اليوم الثاني رأوا الهلال، فإذا وجب الإفطار وجب الإفطار لانتهاء الشهر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لو تأخر الهلال لزدتكم"، يعني لو أن الهلال تأخر يوم آخر لزاد النبي عليه الصلاة والسلام في المواصلة. لماذا؟ قال: "كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا". المنكل بضم الميم وكسر الكاف، المنكل: بمعنى المعاقب لهم بما يردعهم من مثل صنيعهم هذا. فإنه عليه الصلاة والسلام أراد من هذه المواصلة أن يعاقبهم وبما يردعهم عن هذا الصنيع وعن هذا الفعل الذي نهاهم عنه. هذا هو المعنى الإجمالي لهذا الحديث. وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة: أولا: مما يتعلق بباب الصيام، فإن هذا الحديث يدل على تحريم الوصال بالصيام اليوم واليومين أو أكثر من ذلك، فإن الأصل في النهي التحريم. وأجاز بعض أهل العلم المواصلة لمن أراد أن يواصل إلى السحر، يعني يتسحر ثم يصوم، يأتي وقت الإفطار فلا يفطر، يستمر في الصيام إلى أن يأتي وقت السحر يتسحر. وهذا قول الإمام أحمد، وقال عنه الإمام ابن القيم أنه أعدل الأقوال. ودليله ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تواصلوا، وأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر". فأخذ الإمام أحمد وغيره من أهل العلم بهذا الحديث إلى جواز المواصلة إلى وقت السحر فقط، فإذا جاء وقت السحر ينتهي عن المواصلة، ولا يجوز أن يصوم يوما آخر بدون سحور وبالمواصلة. هذا هو أعدل الأقوال. وإلا فالأئمة الثلاثة: الشافعي ومالك وأبو حنيفة على تحريم الوصال مطلقا، فإذا جاء وقت الإفطار وجب على الصائم أن يفطر، وجب على الصائم أن يفطر. لكن عملا وجمعا بين الحديثين: حديث الباب حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد في البخاري، فإن ما ذهب إليه الإمام أحمد كما قال عنه الإمام ابن القيم أنه أعدل الأقوال. ومع هذا فقد ذهب من ذهب إلى هذا القول بأنه يجوز المواصلة إلى السحر، أن الأفضل الإفطار، أن الأفضل الإفطار في وقت الإفطار لينال كما تقدم فضيلة تعجيل الفطر، فقد تقدم معنا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، ما عجلوا الفطر". فكونه يجوز الوصال إلى وقت السحر ليس معناه أنه الأفضل، ليس معناه أنه السنة والمستحب، لا، ليس الأمر كذلك، بل السنة والمستحب أن يفطر الصائم عند إتيان وقت الإفطار، عند إتيان وقت الإفطار. وفي هذا الحديث أيضا أن الوصال اليوم واليومين من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه هو الذي يقدر عليه بلا مشقة ولا كلفة كما جاء في هذا الحديث، وكما قال عليه الصلاة والسلام: "وأيكم مثلي؟ فإني أبيت يطعمني ربي ويسقيني". فالمواصلة من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام. مما دل هذا الحديث على ذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام له خصائص فرد بها عن الأمة وتعد من خصائصه عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث كذلك فوائد أخرى غير ما تقدم مما يتعلق بالصيام: فمن فوائد هذا الحديث: سماحة هذه الشريعة ويسرها، فلا عنت فيها ولا مشقة. فانظر كيف رحمة من الله عز وجل، فإن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال في الصيام لأن فيه كلفة وفيه مشقة وفيه عنت على الصائم. وفيه هذا الحديث أيضا: النهي عن الغلو في الدين، النهي عن الغلو في الدين وهو الزيادة عن المشروع، الزيادة عن المشروع. وفيه هذا أيضا: أن الأصل في العبادة المنع والتوقيف، المنع والتوقيف، فلا يجوز لأحد أن يعبد الله عز وجل إلا بما دلت عليه هذه الشريعة، ما دلت عليه هذه الشريعة، فلا زيادة عن المشروع، فلا زيادة عن المشروع. وهذه قاعدة عظيمة لو فقهها بعض أهل البدع والإحداث في الدين لما وقعوا في تلكم البدع والمحدثات. فانظر بعض الناس ربما إذا نهيت المبتدع عن ذكر فيه تهليل لكنه لم يرد في هذا الموضع، كالتهليل مثلا في الجنازة، يقول لك: أنت تنهى عن التهليل؟ لا إله إلا الله كلمة التوحيد كلمة الإخلاص. فيقال له: لا، أنا ما أنهاك عن هذه الكلمة، وإنما أنهاك عن مخالفة الشرع، أنهاك عن مخالفة الشرع، فإن نبينا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرشدنا ولم يحثنا على ذلك في الجنائز، فكم شيع من جنائز وكم شيع أصحابه من جنائز، فهل نقلوا هذا الذكر وهذا الدعاء في الجنائز؟ وقس على هذا ما يحدثه أهل البدع والمحدثات من بدع أخرى: بعض الصلوات، أو كذلك بعد بعض العبادات، أو في العشر أو النصف الأخير من رمضان بما يسمى بالختام، وجعل يعني في كل ليلة حفل لمسجد من المساجد يعمل فيه بعض الأذكار وبعض الأناشيد والدفوف وإلى غير ذلك. كل ذلك مما لم يرد فيه دليل عن المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فانظر كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى الصحابة عن الوصال، فلما واصلوا واصل بهم النبي عليه الصلاة والسلام كالمنكل لهم، أي المعاقب لهم عن صنيعهم هذا. وفي هذا الحديث: أن التيسير في العبادة والتسهيل فيها أبقى للعمل وأبعد عن السآمة، فربما لو واصل الصائم في صيامه لسأم الصيام وترك الصيام بسبب هذه المشقة التي تلحقه من خلال مواصلته. فالتيسير في العبادة والتسهيل فيها من أعظم أسباب البقاء في العمل والاستمرار على العمل والبعد عن السآمة. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، أدومها وإن قل". فالمداومة على العمل مع قليل من تلك العبادة فإنه سبب للاستمرار فيها وللمداومة عليها وللمداومة عليها. وفي هذا الحديث أيضا: رحمة الرب الرحيم سبحانه وتعالى بالأمة إذ حرم عليهم ما يضرهم ويضعف قواهم. فانظر لو نظرت في كثير من النواهي لرأيت أن العلة في تلك النواهي هو رحمة الله عز وجل بهذه الأمة، لأن في هذه النواهي لو ارتكبها العباد مضر عليهم في ارتكابهم لتلك النواهي، فرحمة من ربنا سبحانه وتعالى نهانا عن مثل تلك النواهي التي فيها الخير لنا، فيها الخير لنا. وفي هذا الحديث أيضا: أن غروب الشمس وقت للإفطار ولا يحصل به الإفطار. ما معنى هذا؟ يعني أن وقت الإفطار إذا جاء بمجرد مجيء هذا الوقت لا يفطر الصائم، لا يفطر الصائم حقيقة، ولذلك يجوز له أن يواصل إلى السحر، يجوز له أن يواصل إلى السحر. وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا أقبل الليل من هنا وأدبر النهار من هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"، أي فقد جاء وقت إفطاره، فقد جاء وقت إفطاره، وليس معنى "قد أفطر الصائم" أي قد أصبح مفطرا بمجرد دخول الوقت، وإنما يكون مفطرا بتناوله ما يكون سببا في إفطاره، ما يكون سببا في إفطاره. فهذا الحديث الذي بين أيدينا فيه هذا المعنى: أن غروب الشمس وقت للإفطار ولا يحصل به الإفطار، إذ لو كان يحصل به الإفطار لما كان معنى للوصال في الصيام، لما كان هناك معنى للوصال في الصيام. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر