الدرس في كتاب الصيام من بلوغ المرام 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حديث أنس بن مالك المتفق عليه في الحث على السحور، مبيناً الفرق اللغوي بين السحور بالفتح والضم ومدلول البركة، ويستعرض استدلال العلماء على استحبابه المؤكد لا وجوبه مع نقل الإجماع على ذلك.
يسرد المقطع بركات السحور كامتثال أمر الله ورسوله، وإعطاء الصائم قوة وتخفيف المشقة، وإدراك وقت السحر المبارك لنيل فضائل النزول الإلهي والدعاء، ويبين سنة تأخيره إلى قبيل الفجر بقدر قراءة خمسين آية.
يبرز المقطع فضائل السحور المتعددة كالتقوية على الصيام، وإدراك صلاة الفجر جماعة، ومخالفة أهل الكتاب، ويوضح حكمة الشرع في تأخيره وتعجيل الفطر ومنهج النبي في تعليل الأحكام بحكمها.
يختتم الدرس بالتأكيد على أن معرفة الحكم والتعليل في الأحكام يقوي فهم الطالب للشرع الحكيم، ويظهر كثرة المصالح والحكم في تشريعات الله، مكتفياً بما ذُكر من فوائد الحديث.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في كتابه "بلوغ المرام"، وفي سياق ذكره لأحاديث الصيام: وهذا الحديث هو الحديث العاشر مما ذكره في هذا الكتاب، كتاب الصيام. قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا، فإن في السحور بركة». متفق عليه. فدرجة هذا الحديث كما سمعت لا يحتاج إلى بحث، ولا يحتاج كذلك إلى كثير جهد؛ فإن الحديث مخرج في الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم. وأما معنى الحديث: فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال فيه: «تسحروا، فإن في السحور بركة». والسحور بفتح السين: هو اسم للطعام الذي يتسحر به، والذي يؤكل من أجل التقوي به على الصيام. فبالفتح هو مادة الطعام الذي يؤكل في هذه الوجبة، وجبة السحور. وأما بالضم: السحور فهو الفعل، فتقول مثلاً: البارحة، أو في ليلة كذا، جاءني فلان وقت السحور، يعني وقت فعل أكل السحور. فبالضم الفعل، وبالفتح الطعام الذي يتسحر به، أو المادة التي يتسحر بها. ومثله: الطهور والطهور. فبالضم هو فعل الطهور، وبالفتح هو الماء الذي يتطهر به. تقول لولدك: ائتني بطهور، يعني بما أتطهر به. وجاء في حديث أبي مالك: «والطهور شطر الإيمان»، يعني فعل الطهور. ومثله: الوضوء والوضوء. بضم الواو وفتحها: فالوضوء بالفتح هو الماء الذي يتوضأ به، والوضوء بضم الواو هو فعل الوضوء بتلك الهيئة المعلومة في الوضوء: من غسل الوجه ثلاثاً، وهكذا اليدين ثلاثاً، ومسح الرأس مرة، وغسل الرجلين ثلاث مرات. فهذه الهيئة وفعلها يسمى وضوءاً بضم الواو. وهذا مفيد لطالب العلم حتى لا يلحن في مثل هذه الكلمات. وقوله: «بركة». مادة الباء والراء والكاف تدل على النماء والزيادة. فيقال مثلاً: تبارك الماء، يعني نما وزاد. والبركة سميت بركة لكثرة مائها. وسياتي معنا: ما المراد بالبركة في السحور؟ أو في السحور؟ يعني فعل السحور. سيأتي معنا كلام أهل العلم في معاني كثيرة من المعاني التي تدخل في بركة السحور، في بركة السحور أو في بركة السحور. إذا كان بالضم: كما تقدم الفعل، وإذا كان بالفتح: المادة التي يتسحر بها من طعام ونحوه. وهذا الحديث فيه فوائد: فمن فوائد هذا الحديث: فيه الحث على أكلة السحر، الحث الأكيد، والاستحباب الشديد في أكلة السحر، وأنه مندوب. قد يقول قائل: ظاهر هذا الحديث أنه واجب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر به بفعل أمر، فقال: «تسحروا، فإن في السحور بركة». «تسحروا» بالأمر، فكيف لا يقال بالوجوب على ظاهر هذا الحديث؟ هناك صارف صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب. هذا الصارف هو ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من مواصلته في الصيام: يواصل اليوم واليومين ولا يتسحر بينهما. ففعله هذا يدل على أن المواصلة... على أن السحور ليس بواجب؛ إذ لو كان واجباً لما خالفه النبي عليه الصلاة والسلام بفعله. وسياتي الكلام على المواصلة في الصيام، وأن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكن الشاهد من هذا: أن أهل العلم ذكروا أن الصارف لهذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب هو ما ورد من أحاديث في مواصلته صلى الله عليه وعليه وسلم للصيام بدون سحور. وقد نقل في ذلك الإجماع على أن السحور ليس بواجب، بل هو مستحب استحباباً أكيداً. وفي هذا الحديث أيضاً: فيه أن السحور بركة، والبركة الحاصلة في السحور من عدة أوجه، وتدخل فيها معاني كثيرة. فذكر أهل العلم من بركة السحور: أولاً: في السحور امتثال لأمر الله ولأمر رسوله. فإن الذي أمر بذلك وحث عليه الشرع على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وامتثال أمر الله والانتهاء عن نهيه فيه بركة. هذه البركة من أين؟ هذه البركة من امتثال هذا الأمر، ومن العمل بشريعة الله سبحانه وتعالى. فالعمل بشريعة الله بركة، وهي من تقوى الله. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فهذا أول وأعظم معنى من معاني البركة الحاصلة من السحور. ويرزقه بامتثال... بامتثال... بامتثال أمر رسوله، والعمل بأوامر الله بركة وخير. ومن المعاني التي تدخل في البركة في السحور: أن السحور يعطي الصائم قوة لا يمل معها الصيام، بخلاف من لا يتسحر؛ فإنه يجد مشقة، وربما يثقل عليه الصيام. وهذا أمر مشاهد ومجرب. فإن الشخص إذا ربما ترك السحور ليس عمداً، وإنما غفل فلم يستطع أن يتسحر، فصام من غير سحور، ربما لم يأتِ وسط النهار إلا ويشعر بالتعب والمشقة. فدل ذلك على أن السحور فيه قوة للصائم، وهذا من بركة السحور. وهكذا: من بركة السحور أنه يكون سبباً للانتباه من النوم في وقت السحر. تقوم في وقت السحر من أجل أن تتسحر، ومن أجل أن تتناول هذه الوجبة. وهذا الوقت وقت مبارك، وقت السحر. وقت مبارك ينزل ربنا سبحانه وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟ الحديث. فقيام المتسحر في هذا الوقت فرصة لأن يذكر الله، لأن يستغفر الله، لأن يدعو الله. بخلاف غيرها من الأيام التي لم تكن أيام صيام: ربما نام إلى أن أذن الفجر، بل وربما إلى أن أوشك أن تقام الصلاة، فلا يدرك هذا الوقت الفاضل. لكن بتناوله لوجبة السحر ينال ويدرك هذا الوقت المبارك، فيستغله في الذكر والدعاء. ولذلك، وحتى يدرك الصائم هذا الوقت المبارك، كان المستحب في السحور أن يكون متأخراً. تأخير السحور إلى قبيل الفجر: هذه هي السنة. هذه هي السنة: أن السحر يكون في وقت متأخر، قبيل الفجر، ولا يكون بينه وبين طلوع الفجر الصادق إلا وقتاً يسيراً. ودليل ذلك ما جاء في حديث أنس عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أنه قال: «تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة». فقال أنس لزيد بن ثابت: كم كان بين الأذان والسحور؟ فقال زيد بن ثابت: كان قدر خمسين آية، يعني قراءة خمسين آية. وشراح هذا الحديث حملوا الأذان في هذا الحديث على الإقامة؛ لأن الإقامة أيضاً تسمى أذاناً، كما قال عليه الصلاة والسلام: «بين كل أذانين صلاة». والسبب في حملهم لهذا اللفظ على الإقامة: أنه جاءت رواية أن أنس قال لزيد بن ثابت: كم كان بين الإقامة والسحور؟ كم كان بين... لا، كم كان بين الصلاة والسحور؟ فدل ذلك على أن المراد بالأذان في هذا الحديث هو الإقامة. كل شراح الحديث ذكروا هذا: أن المراد بالأذان في هذا الحديث هو الإقامة. يعني تصور: أن بين إقامة صلاة الفجر وبين انتهائهم من السحور قدر قراءة خمسين آية. قدرها بعض شراح الحديث كالحافظ ابن حجر بست دقائق. ست دقائق. انظر: سحور... وكان من سنة النبي عليه الصلاة والسلام... يعني: انتهاء من السحور. وكان من سنة النبي عليه الصلاة والسلام أنه يصلي ركعتين خفيفتين بعد الأذان، بعد أذان الفجر، كما هو معلوم، وأنها سنة راتبة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدعها سفراً ولا حضراً. ومع هذا كان بين السحور وبين إقامة الصلاة قدر قراءة خمسين آية. فهذا يدلك على ماذا؟ هذا يدلك على أن السنة في السحور أن يكون متأخراً، أن يكون متأخراً. وهذا كما تقدم من رحمة الله عز وجل بعباده: ففي الإفطار التعجيل؛ لأن الصائم بحاجة إلى الإفطار، وفي السحور التأخير؛ لأن الصائم بحاجة إلى تأخير السحور حتى يكون أقوى وأنشط له. فانظر إلى حكمة هذا الشرع، وإلى نظام هذا الشرع، وكيف أن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، رحيم بعباده. وكذلك من بركة السحور: في قوله: «فإن في السحور بركة». ذكر أهل العلم أيضاً من بركة السحور: صلاة الفجر مع الجماعة. وهذا مشاهد في رمضان: في رمضان تجد المساجد تمتلئ في صلاة الفجر كغيرها من الصلوات الأخرى. وأما في غير رمضان فتجد كثيراً من المسلمين لا يبالون بصلاة الفجر؛ لأنهم قد تكاسلوا عن هذه الفريضة العظيمة، وما صلوها في رمضان إلا لأنهم قد قاموا لوجبة وأكلة السحر. فهذا أيضاً من بركة السحور. وفي هذا الحديث: أن العبادة بنية صالحة يستطيع العبد أن يحولها إلى عبادة. انظر: الأكل مما تشتهيه الأنفس، ومما ترغبه النفوس. ومع هذا: إذا نوى آكل هذه الوجبة، وجبة السحر، التقوي على عبادة الله في عبادة الصيام، كانت هذه الأكلة وهذه الوجبة عبادة وطاعة. فإن الشرع هو الذي حث عليها، وهو الذي أكد عليها: «تسحروا، فإن في السحور بركة». وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: أن السحور فيه مخالفة لأهل الكتاب. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر». انظر: النبي صلى الله عليه وسلم خالف اليهود والنصارى والمشركين والكفار في أشياء كثيرة: في عباداتهم، في معتقداتهم، في سلوكهم، في أخلاقهم، بل في... يعني مظاهرهم، في مظاهرهم من اللباس، ومن صبغ الشعر، وإلى غير ذلك. ومن ذلك في عبادة الصيام: في أكلة السحر. فإن أهل الكتاب كانوا لا يبالون بأكلة السحر، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر». وفي هذا الحديث أخيراً: أن البركة قد تكون في بعض المخلوقات، وذلك بحسب ما ميزها الله عز وجل به من الخير والبركة، وما وهب الله سبحانه وتعالى في هذه المخلوقات من القدرة والمنفعة والمصالح. فانظر كيف أن الله عز وجل جعل في السحور بركة. وهكذا قد يكون في الإنسان بركة: بسبب علمه، أو بسبب خلقه ودينه، أو بسبب ماله، أو بسبب منفعته لإخوانه، أو كذلك بسبب جاهه، أو إلى غير ذلك. ومن دعاء الأنبياء: «واجعلني مباركاً أينما كنت». نعم، فهذا أيضاً مما ذكره أهل العلم في فوائد هذا الحديث. وكذلك مما ذكر في فوائد هذا الحديث: فيه حسن تعليم النبي عليه الصلاة والسلام، حيث أنه يقرن الحكم بحكمة الشرع، بحكمة الشرع. فقال عليه الصلاة والسلام: «تسحروا»، ثم لم يسكت عليه الصلاة والسلام، بل ذكر الحكمة من هذا السحور، فقال: «فإن في السحور بركة». وهذا من حسن التعليم، ومما ينفع طالب العلم: فإنه إن علم أن في بعض الأحكام التي يعلمها حكماً، وكذلك تعليلات، فإنه يذكر هذا ليكون أقوى، ويكون كذلك أدعى لمعرفة هذا الشرع الحكيم، معرفة هذا الشرع الحكيم، وأن الله عز وجل لما يشرع لعباده مثل هذه الأحكام، فإن فيها من الحكم، وفيها من المصالح الشيء الكثير. طيب، بهذا نكون قد انتهينا من ذكر فوائد هذا الحديث، وبه نكتفي. وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.