كتاب الصيام من بلوغ المرام  5

كتاب الصيام من بلوغ المرام 5

الدرس في كتاب الصيام من بلوغ المرام 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حديث عائشة في جواز نية صوم التطوع من النهار

يروي المقطع حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه مسلم، حيث نوى النبي صلى الله عليه وسلم الصيام من النهار بعد عدم وجود طعام، ثم أفطر عند وصول الهدية. يستدل بهذا على جواز نية صوم التطوع بعد طلوع الفجر بشرط عدم تناول مفطر.

نية صيام التطوع من النهار وحكم الإفطار فيه

يجوز نية صيام التطوع من النهار إذا لم يتناول الصائم مفطراً بعد الفجر، ويصح الصيام حتى بعد الزوال مع احتساب الأجر من وقت النية فقط. كما أن صيام التطوع غير واجب الإتمام، فيجوز للصائم قطعه والإفطار اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

أحكام قطع صيام التطوع وفوائد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم

يبين المقطع أن قطع صيام التطوع جائز لمراعاة المصلحة كالتفرغ للعلم أو إجابة الدعوة، ويستعرض حال النبي صلى الله عليه وسلم في قلة الزهد وقبول الهدية. يؤكد أن الغاية عمارة القلب بالطاعة لا كثرة المتاع، وأن التهادى سبب للمحبة بين المسلمين.

الدعاء بالخاتمة والشكر

يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن ينفعهم بما تعلموا، مؤكداً قدرة الله على ذلك. ثم يختم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه "بلوغ المرام"، وفي سياق ذكره لأحاديث الصيام، الحديث الذي هو سيكون الحديث السابع من الأحاديث التي ذكرها في كتاب الصيام: قال عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: "هل عندكم شيء؟" قلنا: لا. قال: "فإني إذن صائم". ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: أُهدي لنا حَيْس. فقال: "أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا"، فأكل. رواه مسلم. وهذا الحديث لا يحتاج أن نتكلم عن درجته، فالحديث في صحيح مسلم. وأما مفردات الحديث والمعنى الإجمالي لهذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل ذات يوم على زوجته، زوجته عائشة رضي الله تعالى عنها، فسألها: "هل عندكم شيء؟" يعني: شيء يأكله، إذ كان جائعًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكما هو معلوم الحالة التي كان عليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما عليه بيوت أزواجه عليه الصلاة والسلام، فلم يكن عندهم شيء من الطعام. فقالت عائشة: لا، ما عندنا شيء. انظر بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يوجد فيه شيء من الطعام، حتى قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "إنه ليمر الهلال تلو الهلال تلو الهلال، ولا يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نار". حتى سُئلت، فقيل لها: ما طعامكم يومئذ؟ قالت: "الأسودان، الأسودان"، أي: الماء والتمر، الماء والتمر. فقالت رضي الله تعالى عنها: ليس عندنا شيء. فقال صلى الله عليه وسلم: "إني إذا صائم"، فنوى الصيام من ذلك الوقت الذي قالت له فيه عائشة: ليس عندنا شيء. وهذا الوقت كان صباحًا، كان صباحًا. قالت عائشة: ثم أتانا يومًا آخر، جاء يوم آخر كعادة مجيء الأزواج إلى بيوتهم، فسأل عائشة، أو قالت عائشة لما دخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام: "أُهدي لنا حَيْس". بفتح الحاء وسكون الياء، والحَيْس هو طعام يؤكل يومئذ، يصنع من التمر والأقط والسمن، تخلط هذه المواد الثلاث جميعًا وتعجن وتؤكل: تمر وأقط وسمن. والأقط هو الحليب المجفف، هو الحليب المجفف، وهذا لا يزال يصنع، الأقط يصنع عند بعض أهل البادية، وقد رأينا ذلك قريبًا. نعم، عبارة عن لبن الغنم يجعل بطريقة خاصة، وهكذا يجفف فيصير يعني جافًا، أشبه ما يكون بما يسمى الآن بالشبس الذي يصنع من البطاط، شكله مثل ذلك، وتستطيع أن تجعله على أي هيئة تريد، على أي هيئة تريد. فيخلط التمر والأقط والسمن فيأكل ويعجن ثم يأكل. فقالت عائشة: "أُهدي لنا حَيْس"، يعني هذه الأكلة من التمر والأقط والسمن. وقالت عائشة: قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: "أرينيه، أينه؟ أريد أن أراه، فلقد أصبحت صائمًا"، فأكل. يعني اشتهى هذا الأكل فقطع صومه، لأنه كان صوم تطوع. هذا هو المعنى الإجمالي لهذا الحديث. وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة، فمن فوائد هذا الحديث: فيه أن صوم التطوع يصح بنية من النهار، يصح بنية من النهار، لما ورد في هذا الحديث. لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام بيت عائشة وسألها: "هل عندكم شيء؟" قالت: لا. قال: "فإني إذن صائم"، فنوى الصيام من النهار، فنوى الصيام من النهار. فجمهور أهل العلم على أن الصيام إذا كان نافلة، ولم يأكل من أراد الصيام من النهار، لم يأكل قبل ذلك شيء منذ أن طلع الفجر إلى وقت نيته، لم يأكل شيئًا، فهنا يصح صيامه، بشرط أن لا يأتي بأمر يفسد عليه صومه قبل أن ينوي صيام التطوع، قبل أن ينوي صيام التطوع. فلا تجب النية في صيام التطوع من الليل، فتصح من النهار، بخلاف صوم الفريضة، فقد تقدم معنا حديث حفصة، وهو حديث صحيح: "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له، فلا صيام له". فهذا هو التفصيل في هذه المسألة، مسألة نية صيام النفل وصيام التطوع. وصيام التطوع: قد يقول قائل: ولو كان بعد الزوال؟ إنسان مثلًا نام، صلى الفجر ثم نام، فاستيقظ قرب صلاة الظهر، فصلى الظهر، ثم جاء البيت: هل عندكم غذاء اليوم؟ قالوا: ما عندنا غذاء. قال: إذن أنا صائم. نعم، يصح صيامه. أو مثلًا ناما بعد الفجر ثم إلى قرب وقت الظهر، ثم صلى الظهر، فقال: الآن بقي ساعات من المغرب، إذن أنا صائم، صيام تطوع. يجوز له ذلك، يجوز له ذلك. طيب، بقي: هل من نوى الصيام من وسط النهار أو من أول النهار يكون صيامه كصيام من نوى الصيام من الليل؟ ذكر أهل العلم أنه يختلف من حيث الجزاء والثواب، من حيث الجزاء والثواب. فيحكم على صومه أنه صوم شرعي، لكن يتحصل على الأجر من وقت نيته، من وقت نيته. بخلاف ما لو نوى من الليل، فإنه لا شك يفوق ذاك الذي نوى الصيام من وسط النهار، من وسط النهار. لأنه لماذا؟ أهل العلم ذكروا هذه المسألة، قالوا: لأنه قبل النية لم يرد القربة، قبل ما ينوي من وسط النهار أو من أول النهار، الوقت الذي قبل ذلك لم ينوي فيه القربة والعبادة، فلا تحسب له قربة ولا عبادة، وإنما تحسب له القربة والأجر والعبادة من أول نيته، من أول نيته، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات". فهنا نوى الصيام في أثناء النهار، في أثناء النهار. وفي هذا الحديث أيضًا من المسائل: أنه لا يجب إتمام صوم التطوع، بل يجوز قطعه، ويجوز الإفطار، إلا أنه يستحب الإتمام لإتمام العبادة ولحصول الأجر. فانظر النبي عليه الصلاة والسلام لما قالت له عائشة: "أُهدي لنا حَيْس"، فقال: "أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا"، ثم أكل، فانقطع صيامه. وجاء حديث في هذا يحسنه بعض أهل العلم، الشيخ الألباني، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "الصائم صوم تطوع أمير نفسه، إن شاء صام أو أتم صوم، وإن شاء أفطر". فمن صام صيام التطوع ثم رأى أن يفطر لأي أمر ما، اشتهى طعامًا، ربما ما يجده إلا في هذا الوقت، طعام ينتظره أيامًا أو أشهرًا وهو صائم صيام تطوع، جاء هذا الطعام فاشتهاه فأكل منه، فإن شاء الله لا حرج عليه، ويجوز له أن يقطع هذا الصيام، لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبالنسبة لقطع الصيام: ذكر أهل العلم أن قطعه إنما يكون مراعيًا للمصلحة. فإذا رأى الصائم صيام تطوع أن المصلحة يفطر، أفطر. وإن رأى أن المصلحة لا يفطر، استمر في صومه، استمر في صومه. واستدل بهذا الحديث، أين وجه الشاهد؟ قالوا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفطر لما وجد من الأكل الذي يعينه على طاعة الله وعلى عبادة الله، فلذلك أفطر. فهكذا لو أن مثلًا إنسانًا صام صيام تطوع، ثم هو يعني في دروس علمية، دورها وإلى غير ذلك، فرأى أن استمراره في الصيام يضعفه في تقييد الفوائد، أو في الحفظ والمراجعة، أو في الاستمرار في هذه الدروس، فلا بأس يفطر، لأنه صام صوم تطوع، ليس صوم فريضة. أو مثلًا صام صوم تطوع وتذكر أنه قد دعي إلى وليمة، ولو لم يجب صاحب الوليمة لوجد صاحب الوليمة في نفسه، كأن يكون عزيزًا عليه، إنسان عزيز عليك دعاك إلى وليمة، فأنت نسيت هذه الوليمة فصمت، فلما كان قبل الغذاء قيل لك: اليوم غذاء فلان، قلت: أنا نسيت. فإذا رأيت من المصلحة أن لا تفطر، وأن الأمر لا يصل إلى حد مثلًا أن صاحب الوليمة يجد في نفسه، فلا بأس تمضي صومك. لكن لو رأيت أنك إن لم تذهب وتأكل من وليمة من دعاك سيجد في نفسه، فتفطر. فالمهم تقدر في ذلك المصلحة من المفسدة، المصلحة من المفسدة. هكذا ذكر أهل العلم. وفي هذا الحديث أيضًا من الفوائد: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قلة ذات اليد، ومن الحال الذي اختاره له ربه سبحانه وتعالى. فليس بنقص، وليس بمذمة، أن يكون الشخص قليل الزاد، زاد هذه الدنيا، قليل الطعام، قليل متاع هذه الدنيا. فالمهم والغاية، غاية المسلم في هذه الدنيا، أن يكون قلبه معمورًا بطاعة الله، وإن كان بيته خاليًا من متاع هذه الدنيا، ولو كان بيته خاليًا من متاع هذه الدنيا. فانظر يدخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيته: "هل معكم شيء؟" قالوا: ما معنا شيء. واليوم ربما الواحد منا يتزود للشهر والشهرين، ولأكثر من ذلك، ولله الحمد والمنة. فالمهم أن الشخص وإن مرت به فترات يحتاج إلى شيء من متاع هذه الدنيا، فليتأسى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وليتسلى بما كان عليه نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما أيضًا في هذا الحديث، كذلك من الأمور التي ربما تذكر في فوائد هذا الحديث: ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من قبول الهدية، ومن محبة أصحابه له، إذ يهدون إليه عليه الصلاة والسلام. فقالت عائشة: "أُهدي لنا حَيْس". فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية، والهدية فيها مصلحة عظيمة، وفيها ألفة ومحبة بين أهل الإسلام إذا تهادوا فيما بينهم. فقد قال عليه الصلاة والسلام: "تهادوا تحابوا، تهادوا تحابوا". فالهدية سبب من أسباب المحبة بين أهل الإسلام، وينبغي على المسلم أن يقبل الهدية، ولا يستنكف ولا يستكبر فيرد الهدية، بل يقتدي بنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قبول الهدية. طيب، هذا ما تيسر ذكره في شرح هذا الحديث، وفي الفوائد المستخرجة منه. فأسأل الله بمنه وكرمه أن ينفعنا بما أخذنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.