الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 83، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الإمام البخاري قراءة آية «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ» بتشديد اللام وتخفيفها، مبينًا معنى التلقي باللسان. ثم يميز الرواة المسمين هشام في الإسناد موضحًا كيفية معرفة كل هشام من خلال شيوخه وتلاميذه، مستشهدًا بقصة سفيان الثوري مع هشام بن يوسف قاضي صنعاء وذكر ابن جريج إمام الحرم المكي.
يعرض المقطع وجهين لقراءة كلمة (تَلَقَّوْنَهُ) في سورة النور: قراءة عائشة بكسر اللام بمعنى الإسراع في الكذب، وقراءة الجمهور بتشديد اللام بمعنى التلقي والنقل الشفهي الذي يؤول إلى الإشاعة. ويربط ذلك بالنهي النبوي عن (قيل وقال) ووجوب التثبت من الأخبار قبل نقلها، محذرًا من استخدام الأخبار الملفقة كسلاح إعلامي لهدم معنويات الجيوش وإسقاط الدول.
تذكر الآية أن الناس قد يحسبون المعاصي هينة بينما هي عظيمة عند الله تعالى. ويختم المتحدث بالتأكيد على أن هذا ما ورد، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ». قال: «معنى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ، أي: يلقن بعضكم بعضًا، ويذكره بعضكم لبعض». هذا على قراءة من قرأ: «تَلَقَّوْنَهُ» بتشديد اللام، وهو قراءة أكثر القراء. والذي جاء أيضًا عن القراء أنهم قرؤوا: «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ» بتخفيف اللام. قال: «حدثنا إبراهيم بن موسى»، وهو الفراء الملقب بالصغير، وهو كبير كما قال الإمام أحمد، يعني: كبير القدر. قال: «حدثنا هشام»، أن ابن جريج... من يعرف من هشام هذا؟ هشام بن يوسف، هشام بن يوسف القاضي، قاضي صنعاء. وإذا رأيتَ هشامًا قبل ابن جريج أو معمر فهو هشام بن يوسف الصنعاني. إذا رأيتَ هشامًا قبل ابن جريج أو قبل معمر فهو هشام بن يوسف صنعاني. وحيانًا أيضًا يروي عن ابن المبارك وعن سفيان الثوري. وإذا رأيتَ هشامًا بعد أو قبل قتادة أو قبل يحيى بن أبي كثير فهو هشام بن عبد الله الدستوائي. وإذا رأيتَ هشامًا قبل عروة فهو هشام بن عروة. وإذا رأيتَ هشامًا قبل محمد بن سيرين أو الحسن فهو هشام بن حسان الكردوسي، وأكثر ما يكون أو أكثر ما يروي عن ابن سيرين، وكذلك يروي عن حفصة بنت سيرين وعن أبناء سيرين لأنه كان مولى لهم. هشام بن حسان الكردوسي. قال: «حدثنا هشام»، وهشام هو قاضي صنعاء. لما جاء سفيان الثوري إلى اليمن وطلبوا منه التحديث، قال لهم: «أتوني بكاتب». أنا يكتب... أنا ما يريد أحد يكتب إلا هذا الكاتب. قال: «رضينا». قالوا: «رضينا بالقاضي». فكان يكتب، وكان الناس يقابلون بعد ذلك عليه، أن يقابلوا كتبهم على كتاب القاضي وينقلون منه. قال: «أن ابن جريج أخبرهم». ابن جريج هو إمام الحرم المكي، عبد العزيز أو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. قال: «أخبرهم قال: ابن أبي مليكة»، وهو عبد الله بن أبي مليكة. قال: «سمعت عائشة تقرأ: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ»، أنا بكسر اللام، «أَلَا تَلَقَّوْنَهُ»، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، أنا هكذا قرأت عائشة رضي الله عنها: «تَلَقَّوْنَهُ» بكسر اللام، تخفيف القاف، وهو من الوَلَق، وهو الكذب. «تَلَقَّوْنَهُ» أي: تكذبون بألسنتكم. هو من الوَلَق. وذكر الحافظ عن الفراء أنه قال: الوَلَق: الاستمرار بالسير وبالكذب. ويقال كذلك للذي أدمن الكذب: الأَلَق أو الأُلَق. وأصل الوَلَق هو الإسراع، كما قال الخليل، فهو الإسراع في الكذب. وهذا له وجه للغة: «تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ» أي: تسرعون بالكذب بألسنتكم. وأما قراءة أكثر القراء والصحابة: «تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ» بتشديد اللام، أي: يرويه بعضكم بعضًا، أن يتلقاه هذا ويعطيه الآخر. والمعنى: الإشاعة، أنه يشاع بين الناس. «تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ». وهذا غالبًا ما يكون في الإشاعات، في الكلام المنتشر بين الناس. تجد هذا يتلقاه ويقول: حصل كذا وكذا، وهو لم يره ولم يشهده ولم يسمع شيئًا من هذا، وإنما أخبر به. وخاصة إذا كان الأمر عظيمًا مثل هذا في عرض الناس، وكذلك في كلام قد يضر بمن نقل عنه. لهذا الواجب التحري. لهذا جاء في حديث المغيرة بن شعبة: «وكره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». «قيل وقال»: أي أن يتكلم بما لا يعرفه وبما لا علم له به. «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ». وهذا من إشاعة الباطل وإذاعته. ولهذا الإنسان إذا أتاه خبر وفيه ضرر على من أخبر عنه أو فيه ساءة إليه، فإنه ينبغي عليه أن يتحرى، خاصة إذا كان لا يعلم الخبر من أين جاء، أو تناقله من ليس بثقة، فلا يخبر به أحدًا حتى يتأكد. وتجد الآن في هذه المجتمعات كثرت القيل والقال، وأيضًا نقل الأخبار التي هي ليست صحيحة بل كذب صراحة، فتجدها تناقلها أو تدور في العالم كله وهي كذب. ولهذا وجد أعداء الله وأعداء الإسلام... أعداء الإسلام وجدوا مرتعًا خصبًا، صاروا هم الذين يتحكمون في العالم بسبب أعلامهم. فمن أرادوا رفعه رفعوه، ومن أرادوا أن يضعوه ويشوهوا سمعته كذلك يكذبون عليه. بل تجدهم يخططون لأجل شيء ما فيخبرون بأخبار ليست صحيحة حتى يحققوا ما أرادوا، والناس يتناقلون مثل هذه الأخبار التي يأتون بها. بل بعضهم تجد أنه يجعل هذا الخبر كالمسلَّم به، شيء من المسلمات التي لا تحتاج إلى أن يُتفاوض فيها أو أن تُعارض، بل تكون عنده من المسلمات. وهذا واقع أليم، خاصة في هذه الأزمان. والواجب على المسلم أن يتحرى مثل هذه الأخبار، ونسأل الله عز وجل العافية. قال: «تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ». وهذا هو نتيجة الكلام فيما ليس للإنسان به علم، والأخبار التي ليست لها قواعد ثابتة، وأخبار ثابتة عن الثقات، وإنما من هنا وهناك، وقيل وقال. فلهذا تجد أن الشخص يتكلم بمثل هذه الأشياء ويحسب أنها هينة، وهي عند الله عظيمة. فكم من أخبار أفسدت دولًا وخسأتها، وأيضًا أذهبتها. كم من أخبار أيضًا هزمت جيوشًا، وهكذا. فهذه الأخبار لها تأثير. الآن عندنا مثلًا في هذه البلاد وفي غيرها تجد الإعلام له أثر في الحروب، له أثر في الحروب. تجد يعطي المعنويات لبعض الجيوش، وقد أيضًا يهدم بعض معنويات بعض الجيوش. وهكذا. حيانًا تجد الجيش الذي يُدافع عنه يهزم، وتجد الأخبار أنه فعل وفعل، وأنه دخل إلى مكان كذا، مثل ما تأتي الأخبار. وهذا مثال: الأخبار من عند الحوثيين أنهم دخلوا إلى نجران، دخلوا إلى جيزان، دخلوا إلى عسير، دخلوا إلى المملكة. هذه أخبار يأتون بها هؤلاء لأجل أن يرفعوا معنويات جيشهم. ولهذا أول ما استولى هؤلاء في صنعاء استولوا على الإعلام. أول ما استولى الحوثيون في صنعاء استولوا على الإعلام، لأجل أن يبثوا ما يريدون. فلهذا فالحرب بالإعلام حرب عظيمة الآن، وخاصة كما قلنا في هذا الزمان. فقال الله عز وجل: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. وهذا ما يذكر، والله تعالى أعلم.