كتاب التفسير من صحيح البخاري 84

كتاب التفسير من صحيح البخاري 84

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 84، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

زيارة ابن عباس لعائشة ووصيتها بتقوى الله

يسرد البخاري قصة استئذان ابن عباس على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في مرض موتها، وخشيتها من الثناء عليها. وقد أجابته عند سؤالها عن حالها بقولها: "بخير، إن اتقيت"، مؤكدة أن الخير الحقيقي مرهون بتقوى الله عز وجل.

دلالة براءة عائشة على علو الله وموقف الصحابة

يستعرض المقطع حديث ابن عباس عن نزول براءة عائشة من السماء مستدلاً به على عقيدة السلف في علو الله حقيقة، ويرد على تأويل الجهمية. كما يبرز صفاء قلوب الصحابة في التعامل مع حادثة الإفك وندم من زل منهم كحسان بن ثابت.

مكانة أهل العلم في الاستدلال والاعتبار

يذكر ذكوان لعائشة رضي الله عنها أن ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وابن عباس من وجوه المسلمين يُعتبر حجة يُحتج بها. ويؤكد النص على المكانة الخاصة لكبار العلماء وأهل الفضل في الأخذ بأقوالهم والاعتبار بها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله: باب ﴿ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾. قال: حدثنا محمد المثنى، وهو أبو موسى العنزي الملقب بالزمن. كان زمنا، والزمن هو المريض الذي لا يستطيع الحركة. كان زمنا، فاستقام أنه في ليلة قام وأصبح يمشي. قال: حدثنا يحيى، وهو ابن سعيد القطان، وأبو سعيد البصري الإمام الحافظ الجل. قال: عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، وهو المكي. قال: حدثني ابن أبي مليكة، عبد الله بن أبي مليكة، عبد الله بن عبيد الله، وهو مكي كذلك. قال: استأذن ابن عباس قبيل موتها على عائشة، وهي مغلوبة. وهي مغلوبة، أي: قبيل موتها، معناه: وهي في مرض الموت. استأذن عليها، فقالت: أخشى أن يثنى علي. فقيل: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن وجوه المسلمين. إما أنها لم تكن تعلم من هو الذي استأذن، أو أنها خشيت كما قالت أن يثنى عليها. فهي ما تريد أحدا يدخل يثنى عليها، فلذا ذكر من كان عندها أنه ابن عم رسول الله، ومن وجوه المسلمين. وفي ذلك الوقت كان ابن عباس هو مفتي أهل مكة، ومفتي الناس كذلك، عالم التفسير والفقه. ويقال: إن هذا الذي كان عند عائشة هو ذكوان مولاها. فقال: قالت: إذن له. فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير، إن اتقيت. أنا إن اتقيت الله فأنا بخير. وهذه كلمة عظيمة قالتها عائشة رضي الله عنها: أن الإنسان لا يكون في خير إلا إذا كان متقيا لله، وأما إن كان منهمكا في المعاصي فهو ليس على خير. فقالت: بخير إن اتقيت. فقال ابن عباس: فأنت بخير إن شاء الله تعالى، أنا أنت على خير. فقال: ثم ذكر هذا الخير الذي كان لها رضي الله عنها، فقال: «زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكح بكرا غيرك، ونزل عذرك من السماء». وهذا وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث: «ونزل عذرك من السماء». وأيضا فيه معنى ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من قولهم: إن الله في السماء. فقال: «ونزل عذرك من السماء»، أي: من العلو. وهذا يدل على عقيدة المسلمين الراسخة من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله فوق سمواته، وأن هذا ليس تشبيها كما تقول الجهمية وغيره، بل هذه هي العقيدة الصحيحة. والنبي عليه الصلاة والسلام لما عرج به، عرج به إلى فوق السموات، فدل على أن الله عز وجل فوق سمواته في العلو، جل وعلا. قال: «ونزل عذرك من السماء». نزل عذر عائشة رضي الله عنها، أي: تبرئتها. برأها الله عز وجل مما رماها به بعض المنافقين، وكذلك شاركهم بعض الصحابة، تكلموا في ذلك لأن الخبر أشيع. لكن الذي تولى كبر هذا، كما تقدم، هو عبد الله بن أبي بن سلول. وأما أهل الإيمان، فقالوا كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾. فهذا يدل على كمال وصفاء قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن تكلم من الصحابة، إنما تكلم لأنه جعل أذنه لهؤلاء المنافقين، فلذا وقع فيه، ثم ندم أكثرهم. لما أنزل الله عز وجل هذه الآية، ندم كثير منهم، ومنهم حسان رضي الله عنه. قال: «ونزل عذرك من السماء». قال: ودخل ابن الزبير، فقال: «ادخل ابن عباس». فأثنى عليها. أي: يقول ابن الزبير: «وددت أني كنت نسيا منسيا». وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، هو الثقفي البصري، من حفاظ البصرة. قال: حدثنا ابن عون، هو عبد الله بن عون، عن القاسم. والظاهر أنه ابن عبد الرحمن، أو لعله ابن محمد، قاسم بن محمد، وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، عمته عائشة. قال: عن القاسم أن ابن عباس رضي الله عنه استأذن على عائشة نحوه، ولم يذكر «نسيا منسيا». ففي هذا الحديث: فضل عائشة رضي الله عنها، وما كان عليه أهل الإيمان والصحابة رضي الله عنهم من فضلها، وأنهم يشهدون لها بالخير والصدق. وما حصل كما قلنا من بعضهم، فهو من باب الخطأ، ندموا عليه ورجعوا. وكذلك فيه: أن الصحابة رضي الله عنهم لا يدخلون على أمهات المؤمنين إلا بالاستئذان. وفيه أيضا: التنبيه على جانب الأكابر من أهل العلم والدين وأهل الوجاهة، وأنه يعتبر مقامه. ولهذا قال ذكوان لعائشة رضي الله عنها: «ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن وجوه المسلمين». ففيه الأخذ بهؤلاء الكبار، وكذلك أهل العلم لهم الاعتبار الخاص.