الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 119، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الإيمان بالشفاعة في اليوم الآخر، موضحا أنها ملك لله ولا تحدث إلا بإذنه. هناك شفاعة مثبتة وشفاعة منفية، والمثبتة لها قيود وشرائط.
يشرح المقطع شروط الشفاعة، حيث لا تنفع إلا بإذن الله ولأوليائه المرتضين. الشفاعة لا تكون لمن يغلب عليهم الفجور، وتنفع الموحدين المقصرين ولا تنفع الكفار.
يؤكد على شروط الشفاعة، منها رضا الله عن الشافع والمشفوع له، ويبين أن نبينا صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر من أمته الموحدين.
يتضمن المقطع دعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال حافظ الحكمي رحمه الله تعالى: ما دليل الإيمان بالشفاعة؟ وممن تكون؟ ولمن تكون؟ ومتى تكون؟ أورد المؤلف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر مسألة الشفاعة، فهنا المراد بالشفاعة ما يكون في اليوم الآخر، إذ أن من الشفاعة ما يكون في الدنيا، «اشفعوا تؤجروا»، لكن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يبين الشفاعة التي تكون في الآخرة، ولهذا عبر عنها بالإيمان، قال: ما دليل الإيمان بالشفاعة؟ وممن تكون؟ ولمن تكون؟ ومتى تكون؟ فأورد المؤلف رحمه الله تعالى عدة أسئلة متعلقة بباب الشفاعة، وحق للمؤلف رحمه الله تعالى أن يدلل بهذه الأسئلة ثم يجيب عليها، لأن مسألة الشفاعة من الأبواب التي اختلط فيها الناس، واختلط الحابل بالنابل، وأصبح بعض الناس من أهل الأهواء يصطادون بالماء العكر، فكم من أناس لربما جوزوا الاستغاثة بغير الله، وصرف الطاعات إلى غير الله، بما يسمى باسم الشفاعة، وباسم التوسل والوسيلة، إذ أنها من الألفاظ التي خفيت معالمها على كثير من الناس. وأيضًا هي من المسائل التي اضطرب فيها الناس، إذ أن بعضهم يجد أن القرآن تارة يأتي بالشفاعة على وجه الإثبات، وأحيانًا تأتي الشفاعة في القرآن على وجه النفي، «فما تنفعهم شفاعة الشافعين»، فهذا نفي للشفاعة، فيقول الناس: كيف العمل؟ أهي مثبتة أم منفية؟ ولهذه الإشكالات، إخواني في الله، حق للمؤلف رحمه الله تعالى أن يبين لنا حقيقة الشفاعة بذكر هذه المسائل، وهي في الحقيقة عبارة عن قيود، قيود بها تضبط لنا معالم الشفاعة التي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يؤمن بها. فقال رحمه الله تعالى: وقد أثبت الله عز وجل الشفاعة في كتابه في مواضع كثيرة، والشفاعة الثابتة بدلالة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة قال: بقيود ثقيلة، إذن لها قيود، إذن لها قيود، وبهذا نستطيع أن نصل إلى حل أول إشكال ينقطع في الأذهان، مسألة التفريق بين الشفاعات، فعندي من القرآن ما يسمى بالشفاعة المثبتة، وهي الشفاعة التي توفرت فيها الشروط، وبالمقابل عندي شفاعة منفية، وهي الشفاعة التي انخرم عنها الشروط والقيود، وبهذا يزال الإشكال الذي قد يطرأ في عقول بعض الناس. قال: بقيود ثقيلة، وأخبرنا تعالى أنها ملك له، ليس لأحد فيها شيء، فقال تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾، الشفاعة هي ملك لله، وقبل الخوض في الشفاعة، إخواني في الله، ما معنى الشفاعة؟ الشفاعة من الشفع، والشفع ضد الوتر، ومعناها اصطلاحًا كما يقول العلماء: هو التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، الشفاعة هو التوسط للغير، فيكون هناك وسيط بين طرفين، وسيط بين طرفين، ومهمة هذا الوسيط إما أنه يجلب منفعة عن طريق وساطته، أو أنه يدفع عنك مضرة، ونحن نسميه في لساننا، واقعنا، بالواسطة، فلان أنا أريدك واسطة تتوسط، فهذه حقيقة الشفاعة، الشفيع هو الذي يتوسط، فالشفاعة هو التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة. يوم القيامة يفتح باب الشفاعة، يفتح باب الشفاعة يوم القيامة، فيشفع، فيشفع أناس لأناس، سيأتي ذكرهم في هذا المبحث بإذن الله، لكن ينبغي أن نعلم أن الشفاعة التي تعطى لأناس لكي يتوصلوا بها إلى إزاحة شر عن أقوام أو جلب نفع لأقوام، إن الحقيقة إنما هذه الشفاعة هي ملك لله، الله عز وجل هو الذي منه وبفضل منه أتاح لهؤلاء أن يشفعوا، لولا الله لما شفع أحد لأحد أبدًا، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾، وهذا فيه رد على المشركين، إذ أن المشركين كانوا يعتقدون في آلهتهم وفي أصنامهم أنها يوم القيامة ستشفع لهم عند الله، تشفع لمعبوداتهم هبل ولات ومنات، هؤلاء يعرفون من الذي يعبدهم، من الذي يخشع لهم، من الذي يقرب لهم القربين، وخلاص، هؤلاء نحن سنكون تحت إطار شفاعة هذا الصنم، إذا قامت الأحوال وظهرت النيران، فحينها تأتي الآلهة وتقوم بعملها فتشفع لنا، فرد ربنا عز وجل عليهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾، وهذا الأسلوب فيه تقديم ما حقه التأخير، فأفاد الحصر، أي أن الشفاعة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى. قال: فأما متى تكون؟ فأخبرنا عز وجل أنها لا تكون إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، هذا قيد آخر، وهو أن نعلم أن الشفاعة إنما تتاح للشافع إذا أذن الله له، فشفعاء ينتظرون الإذن من الله، وهذا من بيان الملكية، ملكية الشفاعة لله، أن أصحابها ما يملكون إلا توهمًا وإنما ينتظرون الإذن من الله سبحانه وتعالى أن يأذن الله بالشفاعة، متى ما أذن الله بالشفاعة يقوم الشفعاء فيشفعون، وإلى أن يأذن فلا أحد يشفع. قال: قال تعالى: ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾، إذا لا بد من الإذن من الله سبحانه وتعالى، قال: وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، وقول سبحانه: ﴿وكم﴾ تدل على التكثير، وهذا من رحمة الله جل في علاه، أن الله يفتح الشفاعة أبوابًا وأشكالًا وصورًا، يفتح الله الشفاعة لكثير من خلقه، يجعل ربنا الأنبياء تشفع، والرسل تشفع، ويجعل ربنا كما في هذه الآية الملائكة تشفع، الملائكة تشفع، يتيح لها ربنا جل وعلا المجال أن تشفع لمن تريد، فيشفعون لأناس بأن الله جل وعلا يدفع عنهم السوء، بأن الله جل وعلا يدخلهم الجنة، بأن الله جل وعلا يخرجهم من النار. وتأمل في وصف القرآن: ﴿وكم من ملك﴾، كم لا يعلم بهم إلا الله، يتيح لهم الشفاعة، وهذا إن دل دل على سعة رحمة الله جل وعلا، قال: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله﴾، ملك، فما ظنك بملك يا عبد الله من الملائكة المقربين، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم في هذه الرتبة العالية وفي هذه المنزلة السامية، ومع ذلك ينتظرون الإذن، ينتظرون الإذن من الله سبحانه وتعالى. فقل لي بالله عليك يا عبد الله: إذا كان هذا في حق الأنبياء كما سيأتي مع نبينا، وفي حق الملائكة، وهم من هم؟ ومع ذلك شفاعتهم لا تنفع لأحد إلا أن يأذن الله، فأين هؤلاء إخواني في الله ممن يتضاحك على عباد الله من بعض المرتزقة ممن يزعم أنه له ولاية عند الله جل وعلا، فيدغدغ بعواطف أتباعه، كما سمعنا وحدثنا عن بعض هؤلاء من أئمة الضلالة، يقول لأتباعهم: أنتم يا من على جماعتي، ويا من على طريقتي، من تلكم الطرق المبتدعة، النقشبندية أو الأحمدية أو الرفاعية، وغيرها من الطرق الصوفية، أن بعضهم يتقول على الله ويتأول على الله، فيقول لأتباعه: إذا أنتم لازلتم على طريقتي واستمررتم عليها، فإني سأشفع لكم، يؤكد لهم هذا، وقد كُذب وحدثنا عن بعض الناس ممن تاب الله عليه، أنه كان قد غرر به بمثل هذه الكلمات من قبل أسياده ومشائخه، حتى أن بعضهم قال: أنت كن معي، ما عليك، يحضر الطريقة الفلانية، والله الله في كبش العيد لا تقصر، وما عليك بالباقي، يوم القيامة سأشفع، سأخذك معي تحت عباءتي، والله هكذا الكلمات يلقونها على كواهلهم، وكأن الشفاعة ملك لهم، يشفعون متى ما شاءوا، وهذا كذب وضلال وبُهتان، إذا كان ملك، وحسبك به شرفًا، ومع ذلك لا يستطيع أن يشفع إلا من بعد أن يأذن الله له، جاء الإذن تأتي الشفاعة، لم يؤذن لك، والله ما ينفعك شيء، لا تنفع نفسك ولا تنفع غيرك. فليتق الله ناس من يتقولون على الله ويضحكون على عامة المسلمين بهذا الباب، بباب الشفاعة، نحن الأولياء، نحن من آل الله، ونحن عندنا القدرة على أن نتوسط للغير، لنا جناب عند الله جل وعلا، ومن كان معنا، من كان في جماعتنا، فإنه له البشرى، لا، يا عبد الله، أحد يضمن الجنة لنفسه، فضلًا عن غيره. قال: وقال سبحانه: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾، فهذا كلها شروط تدل على وقت الشفاعة، إذا أذن الله سبحانه وتعالى، قالوا: أما ممن تكون؟ فكما أخبرنا تعالى أنها لا تكون إلا من بعد إذنه، أخبرنا أيضًا أنه لا يأذن إلا لأوليائه المرتضين الأخيار، هذا شرط آخر، كذلك ربنا سبحانه وتعالى يأذن بالشفاعة، إذا جاء الإذن يشفع، طيب، السؤال: من الذي يشفع؟ من الذي يشفع؟ هل كل أحد؟ لا، ليس كل أحد يشفع، الشفاعة مرتبة عليا تظهر فيها الكرامة، كرامة المرء وتقواه، فيتاح الشفاعة للأولياء، للصالحين، للأنبياء، للرسل والأتقياء، هؤلاء تفتح لهم الشفاعة، تفتح لهم الشفاعة، من كان تقيًا، من كان وليًا، من كان رسولًا نبيًا، من كان عبدًا نقيا خفيًا زكيًا لله جل فعلًا، فإن الله يجعل له الشفاعة، ولا شك أن من شرط هؤلاء أن يكونوا على التوحيد، هذا لا إشكال فيه، وزد على ذلك أن يكون عندهم رصيد من الأعمال الصالحة، هؤلاء الذين يشفعون، وهم أهل الشفاعة. أما ما نرى من بعض الناس ممن يغلب عليهم الفجور والمجون والتقصير في جنب الله، فضلًا عن وقوعهم في براثن الشرك، ثم يعتقد فيهم الشفاعة خاصة، وكلا، تجيب من بعض الناس العمي، لربما إذا تعلق قلبه بفلان وفلان، ظن فيه أنه سيشفع له، بماذا سيشفع لك؟ من هو؟ هل هو من الأنبياء والرسل؟ هل هو التقي لله جل وعلا؟ هل قام بالواجبات؟ هل حرص على النوافل؟ هل ترك المحرمات؟ هل أقبل على الواجبات؟ هل عبد الله جل وعلا حق عبادته؟ أما أنك تأتي إلى رجل، وهذا كما نجده عند بعض أهل البدع، عندما يترجمون لأوليائهم، لربما يترجمون لبعض أفعالهم، كلها خنى، منهم من يثبت عليه الزنا، ومنهم من يثبت عليه أنه يأتي الفواحش والدواب، ومنهم لربما يتتبع النساء والعورات، هذا مسطر في كتبهم، هؤلاء عندهم أولياء، أبالله عليك، أهذا يؤذن له بالشفاعة؟ لا، والله ما يشفع من أمثال هؤلاء، ولا تتح لهم الشفاعة، الشفاعة إنما يتيحها ربنا لمن رضي لهم، رضي بأفعالهم، رضي بأعمالهم، من الصفوة من عباد الله، فهؤلاء يأذن لهم ربنا بالشفاعة. قال رحمه الله تعالى: قال: أخبرنا تعالى، فكما أخبرنا تعالى أنها لا تكون إلا من بعد إذنه، أخبرنا أيضًا أنه لا يأذن إلا لأوليائه المرتضين الأخيار، كما قال تعالى: ﴿لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا﴾، قال: صوابًا، أي قال قولًا صوابًا، فهو لهم أهل الرضا، من كانت أقوالهم صائبة وأفعالهم تبع لأقوالهم سالكة، فهؤلاء يأذن الله عز وجل يأذن لمن رضي من أقوالهم وأفعالهم، قال: ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾، العهد هنا بمعنى الأعمال الصالحة. قال إمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: قال: وسمى الله الإيمان به واتباع رسله عهدًا، سمى الله الإيمان به واتباع رسله عهدًا، لأنه عهد في كتبه بالجزاء الجميل، فربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾، أي من اتخذ عند الرحمن عملًا صالحًا، مؤمن قام بحق الله بالوحدانية، وأتبع ذلك باتباع الرسل، بالأعمال الصالحة، هؤلاء اتخذوا عند الله عهدًا، وكما قال السعدي: سمي ذلك عهدًا، لأن من فعل هذا فإن الله عهد إليه أن يجازيه، فسماه بالثمر، سمي بالثمر، أي ثمرت الأعمال الصالحة، الجزاء الجميل، أن الله عهد إليهم بالجنة، إذن هؤلاء عملوا، عملوا أعمالًا صالحة، فجعلهم ربنا سبحانه وتعالى شفعاء. قال: وأما لمن تكون؟ فأخبرنا تعالى أنه لا يأذن أن يشفع إلا لمن ارتضى، كما قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾، هذا الشرط الثالث، أن الشفاعة عندما تكون تكون لمن؟ الآن جئنا إلى الشافع، الشافع لا يشفع إلا بشرطين اثنين، أن يكون مرتضى عند الله، وأن يأذن له الله، طيب، إذا جاء الرضا، ربنا رضي عن هذا الشافع، وفتح المجال للشفاعة، فالشفاعة تنطلق لمن؟ من الذي سينتفع بالشفاعة؟ هل كل أحد؟ لا، ولهذا إخواني في الله، الشفاعة المثبتة لها شروط، وكما عبر المؤلف رحمه الله تعالى: قال: بقيود ثقيلة، شروط تتوفر في الشافع وتتوفر في المشفوع له حتى يكمل باب الشفاعة، وهذا الذي ينبغي أن يفهمه الناس جميعًا، يفهم الناس الشفاعة على حقيقتها، بقيودها، بشروطها، والمؤلف لله دره، يمثل بكل عقيدة بآية وحديث، أو هنا يزال يمثل بآيات القرآن، وسيأتي معنا لأحاديث النبوية. قال: لا يأذن أن يشفع إلا لمن ارتضى، كما قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾، أي لمن رضي عنه ربنا، ربنا لا بد أن يرضى عن الشافع، ويرضى كذلك عن المشفوع له، قال: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾، قال: وهو سبحانه لا يرتضي إلا أهل التوحيد والإخلاص، وأما غيرهم فقال تعالى: ﴿وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾، إذن فشفاعة الشفعاء إنما تنطلق للموحدين فقط، تنطلق للموحدين، ولو كانوا مقصرين، وهنا تنفع الشفاعة، تنفع الشفاعة لمن أرادها، لمن أراد أن ينجو من أهوال القيامة، وسيأتي معنا أنواع الشفاعة وتقاسيمها في درس غد بإذن الله، على ما سيذكر المؤلف لنا. فالشفاعة لماذا تفتح؟ باب الشفاعة تفتح الشفاعة من باب تفريج الهموم عن من يكون من أهل النار مثلًا، فيأتي الشفاعة فيشفعون، هذا يشفع، وهذا يشفع، وهذا يشفع، تنطلق الشفاعة لمن؟ تنطلق الشفاعة للمقصرين، ولهذا قال نبينا: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فيشفع نبينا للمقصرين والمفرطين من العصاة، لكن بشرط أن يكون موحدًا، بشرط أن يكون موحدًا، هؤلاء الذين يرضى عنهم ربنا، ويأذن ربنا في الشفاعة فيهم. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى فيهم: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾، هؤلاء من؟ الكفار، الكفار، ما تنفعهم الشفاعة، يصيح وينادي بالويل والثبور، يريد النجاة، وغوثاه من النار، يريد أحد أن يشفع له، تمر الشفاعات بجنبه، ما أحد يشفع له، لأنه غير صالح للشفاعة، لأنه مشرك، الشرك يحول بين المرء وبين شفاعة الشافع، فهؤلاء: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾. قال: وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوتي الشفاعة، وسأتي معنا أنواع الشفاعة التي يؤتاها نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: ثم أخبر أنه يأتي فيسجد تحت العرش، ويحمد ربه بمحامد يُعلمه إياها، لا يبدأ بالشفاعة أولًا حتى يُقال له: «ارفع رأسك، وقل تُسمع، وسَل تُعطى، واشفع تُشفَّع»، الحديث حديث الشافع الشهير، متى يشفع نبينا؟ هل من نفسه لتوه؟ لا، بل يستأذن من ربه، يستأذن، يأتي إلى عرش الرحمن، فيخر ساجدًا تحت عرش ربه، ثم يدعو الله ويحمد الله بمحامد إلى أن يؤذن له: «ارفع رأسك، وسَل تُعطى، واشفع تُشَفَّع»، إذا جاء الإذن، حينها يشفع، أما قبل هذا فلا، إذا كان هذا في حق نبينا صلوات ربه وسلامه عليه، فما ظنك يا عبد الله بمن دونه؟ قال: ثم أخبر أنه لا يشفع في جميع العصاة من أهل التوحيد دفعة واحدة، لأن العصاة على مراتب، كل على قدر ذنبه، لكن فشفاعة نبينا يشفع للعصاة، لكن بالتدريج، لكن بالتدريج، قال: ثم أخبر أنه لا يشفع في جميع العصاة من أهل التوحيد، وهذا هو الشرط أن يكون موحدًا، قال: دفعة واحدة، بل قال: «فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة»، يعطى لنبينا حدًا، مقدار معين، هؤلاء يشفع لهم، فيشفع لهم، فيشفع فيهم، فيشفعون، فيدخلهم الله الجنة. قال: «فأدخلهم الجنة»، فيسجد كذلك فيرجع، وقد جاء ذلك في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «فأنطلق فأخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان»، انظر هنالك، بلغوا ما بلغوا من ضعف الإيمان، إلى أن الإيمان بلغ وزنه في قلوبهم مثقال شعيرة، يشفع فيهم نبينا، فيشفع، فيدخلهم الله الجنة، قال: ثم يرجع إلى ربه، ويخر تحت عرش الرحمن، فلا زال يحمد الله جل وعلا، بفتح يفتح الله عليه، إلى أن يقال: «اشفع تشفع»، فيرجع نبينا فيقول عن نفسه: «فأشفعوا فأخرج أناس من النار من كان في قلبه مثقال ذرة»، الأول شعيرة، الثاني ذرة، فيخرجهم من النار، ثم يرجع إلى ربه، فيخر تحت عرش الرحمن، فيزداد ويدعو ربه إلى أن يؤذن له، قال: «فأخرج من النار من كان في قلبه أدنى من حبة خردل من إيمان»، وهذا كله شفاعة النبي صلوات ربي وسلام عليه، لكن لمن؟ لأهل التوحيد، ولو كان مقصرًا، ولو كان عاصيًا، فإن الله عز وجل يتكفلهم برحمته، ويتغمدهم بواسع رحمته، وذلك بشفاعة الشافعين. قال: «فيحد لي حد فأدخلهم الجنة»، فيزداد كذلك فيحد له حد، إلى آخر حديث الشفاعة، وهو في الصحيح، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال: «من أسعد الناس بشفاعتك؟» يسأل أبو هريرة رسول الله: من الذي هو أولى بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه»، رواه البخاري، إذن شفاعة النبي أعظم صفات من ينتفع بها أن يكون موحدًا، مخلصًا لله جل وعلا، فهذا الذي ينتفع بالشفاعة، وسيأتي معنا بإذن الله في درس غد ما سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى من أنواع الشفاعات التي يعطاها نبينا صلى الله عليه وسلم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.