الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 77، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث هذا الفصل عن اتفاق جميع الأنبياء والرسل على دعوة الناس إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، ويستدل على ذلك بأدلة من القرآن الكريم. يُبرز أهمية هذا الأصل في الدعوة إلى الله.
يؤكد هذا الفصل على أهمية توحيد الله في الدعوة ويستنكر إهمال بعض الجماعات لهذا الجانب. يبين أن جميع الرسل أمروا أقوامهم بعبادة الله وحده واجتناب الطاغوت.
يناقش هذا الفصل حكم إطلاق لفظ الأخوة على الكفار ويبين أنه لا يجوز ذلك لأن الأخوة تكون في حق المؤمنين فقط. يوضح أن استدلال بعض الدعاة بآيات القرآن في هذا السياق هو استدلال خاطئ.
يختم هذا الفصل بالتأكيد على أن الأنبياء جميعًا اتفقوا على إفراد الله بالعبادة وأمروا أقوامهم بإخلاص الدين لله وحده، ويدعو لأن ينفع الله بما قيل.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: ما الدليل على اتفاقهم في أصل العبادة المذكورة؟ الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى عندما ذكر السؤال، والذي قرأناه في درس أمس حول ذكر أوجه الاتفاق بين دعوة الأنبياء والرسل، علمنا أن مما اتفقت عليه الرسل أن اشتركوا جميعًا في دعوة الناس إلى إخلاص الدين لله والأمر بوحدانية الله جل وعلا. ناسب من المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر الأدلة الدالة على هذا الموقف أو هذا المبدأ الذي اشترك فيه جميع الرسل. فقال: ما الدليل على اتفاقهم في أصل العبادة المذكورة؟ قال رحمه الله: الدليل على ذلك من الكتاب على نوعين: مجمل ومفصل، أي: لدلة من القرآن الدال على أن جميع الرسل اتفقت على هذا الأصل، وهو أنهم اتفقوا جميعًا على توجيه شعوبهم وأممهم إلى وحدانية الله، أدل مجملة عامة، وأدل خاصة، أي: كل نبي على حدة. قال رحمه الله تعالى: فمثلًا أم المجمل، فمثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وتأمل في قوله تعالى: ﴿كُلِّ أُمَّةٍ﴾، و﴿كُلِّ﴾ من ألفاظ العموم، فما من أمة إلا وبعث فيها رسول، وكان من دعوته إليهم أن أمر بوحدانية الله. قال: وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وهذا كذلك دليل آخر يخبر فيه ربنا جل وعلا أن ما أرسل من رسول إلا وكان في وحيه الأمر بإخلاص العبادة لله وإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة. قال: وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، أي: قم يا محمد واسأل من مضى من الأمم والشعوب، ودعهم هم كذلك يسألون: هل هناك رسول أمر أحد من أهله ومن قومه ومن شعبه أن يتخذ آلهة مع الله؟ لا، إذا على ماذا يستند أهل الكفر في قضية إشراكهم؟ فإذا لم يكن هناك لا عقل صحيح ولا نقل صريح، إذا أن الأنبياء ما أمروا بالإشراك، إذا ما الذي أمرهم بالشرك؟ لا أحد. فدل ذلك على أنه ما من نبي أرسل إلا وأمر قومه بضرورة إخلاص الأعمال لله جل في علاه. قال: وأما المفصل، أي: التفصيل، هذه الآيات التي سمعناها إخواني في الله، فيها بيان من أن الله عز وجل جعل في دعوة الأنبياء جميعًا أنهم أمروا أقوامهم بوحدانية الله. أما التفصيل فسيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى شيئًا من دعوة كل رسول، فننظر في دعوتهم، وكيف أن كل واحد منهم اجتهد في أنه يأمر قومه بإخلاص الدين لله والأمر بوحدانية الله وبصرف الطاعات له وحده لا لغيره. قال: وأما المفصل، فمثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، نوح أرسل إلى قوم يعبدون الأصنام: يسوع، ويغوث، ويعوق، ونسرًا، وودًا، فأمرهم نوح عليه السلام بضرورة إخلاص الأعمال لله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. قال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وهكذا صالح عليه السلام من أنبياء الله ورسله، أرسله ربنا جل وعلا إلى ثمود، وهم كانوا يسكنون في الحجر بين الحجاز وتبوك، وكانوا يعبدون الأصنام، فكان من دعوة صالح عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. قال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وهكذا على هذا المنوال سار هود عليه السلام، أرسله ربنا جل وعلا إلى عاد، وكان قوم عاد يسكنون الأحقاف، والأحقاف تقع بين حضرموت وعمان، وكانوا أيضًا يعبدون الأصنام، فكان من أوائل دعوته ومن أصول دعوته دعوتهم إلى توحيد الله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وهكذا شعيب عليه السلام أرسله الله إلى مدين، وهي مدينة كانت على طريق الحجاز من جهة الأردن، وكانوا أيضًا يعبدون الأصنام، فكان من أصول دعوة شعيب عليه السلام أن أمر قومه بأن يعبدوا الله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وهكذا إبراهيم عليه السلام من أولي العزم من الرسل، أرسله الله جل وعلا إلى أهل بابل، وكانوا يعبدون الأفلاك والنجوم والكواكب، واتخذوا لها أصنامًا، فكان من أصول دعوته عليه السلام أن أمرهم بضرورة عبادة الله وحده: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. قال: وقال موسى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، هكذا كان موسى يذكر بني إسرائيل، يذكرهم بعبادة الله وحده: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: وقال المسيح: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾، وهكذا عيسى عليه السلام، عيسى عليه السلام أمر قومه بتوحيد الله، وما نراه الآن مما عليه النصارى مما يدعونه أنهم على دين النصرانية وأنهم على دين عيسى كذب، كذب وافتراء وباطل، عيسى عليه السلام كان موحدًا، أمر قومه بإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، وغيرها من الآيات، فالآيات كثيرة وكثيرة جدًا في بيان أن ما من رسول أرسل إلى قومه إلا وأول ما دعاهم ونادى به أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. فهذا نعلم إخواني في الله أن الرسل كلها اجتمعت على قضية إفراد الله بالعبادة، وهذا يفيدنا كذلك في مسألة أن هذه الملل الموجودة الآن، من أراد منا أن يجتمع معه، نجتمع معه لكن على هذا الأصل، نجتمع معه على هذا الأصل. فإن أحب اليهود مثلًا أن يجتمعوا مع المسلمين، أو أحب النصارى أن يجتمعوا مع المسلمين، إذن نجتمع إحنا وإياهم على هذا الأصل الذي اتفقت عليه جميع الرسائل، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، ما هذه الكلمة التي نتفق عليها؟ هو التوحيد. قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، هذا هو الإسلام، هذا هو التوحيد، لا يقوم إلا على هذا الأصل. ولماذا نحن ندعوهم إلى هذا الأصل؟ لأن هذا الأصل هو أصل الرسائل جميعًا، كما سمعت: ما من نبي إلا ودعا قومه إلى وحدانية الله، وهذا النداء لا يزال إلى قيام الساعة، من أراد أن يدخل في دين الله ويكون مسلمًا حنيفًا، فعليه بإقامة التوحيد، هو إفراد الله بالعبادة. أيضًا إخواني في الله، مما يستفاد من هذا الأصل الذي اتفقت به جميع الشرائع والرسالات، نستفيد مع أن هذا الأمر هو من الأصول المشتركة، هو كذلك يعتبر من أوائل ما دعا الأنبياء إليه أقوامهم، وبه نستفيد أن من أراد أن يسير على درب الأنبياء وعلى طريقة الرسل، فعليه أن يبدأ بما بدأوا به. فلا قيمة لدعوة، ولا قيام لها إذا لم ترفع رأسًا بمنهج الأنبياء والرسل، فانظر يا عبد الله إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى يوسف وإلى موسى وإلى عيسى، وكل نبي، ما من نبي إلا أول ما بدأ مع قومه بوحدانية الله، فإذا سار من أراد أن يسير على درب الأنبياء والرسل، عليه أن يعتني بهذه القضية: قضية التوحيد، فليكن يجعل هذه القضية هي من أولويات دعوته، كما فعل أهل السنة، ولا زالوا، تجدهم يهتمون جدًا بأمر العقيدة والتوحيد في محاضراتهم وفي كلماتهم وفي دروسهم وفي توجيهاتهم وفي تربيتهم لأنفسهم فضلًا عن تربية ناشئة وتربية غيرهم، يوجهونهم على عقيدة التوحيد، لعلمهم أن هذه زبدة رسائل الأنبياء والرسل. فنحن نمضي على ما مضوا عليه، أما أن تأتي جماعة فلا ترفع لهذه القضية رأسًا، بل مما يؤسف له أن تجد بعض من يدعي قضية الإصلاح للمجتمعات، ثم يرمي مسألة دعوة الناس إلى العقيدة والتوحيد أنه مما يفرق الصف، عجيب! الدعوة إلى وحدانية الله لا تفرق الصف، يعكر مزاج الأمة؟ لا، يا عبد الله، لا، يا عبد الله. لهذا يقول: ولو كان هذا فيه فرقة لكان هذا فيه فرقة بين الحق والباطل، وهو محمود، كما قال عليه الصلاة والسلام في وصفه: «أن محمدًا فرق بين الناس»، وفي لفظه: «أن محمدًا فرق بين الناس»، فرق بين الحق والباطل بإقامة التوحيد. فلابد إخواني في الله من أرض أن يمضي قدمًا في دعوة الأنبياء والرسل، أن يهتم بهذه القضية، الدندنة لماذا يا عبد الله ندندن على العقيدة؟ لأنها الأساس، بعض الجماعات لربما تهتم بأمر الحلال والحرام، والاهتمام بمكارم الأخلاق والآداب، وحن لا ننكر أن هذا من دين الله، لكن ما الفائدة يا عبد الله؟ تجد أحدًا من الناس مسلمًا، لربما على غاية من الأدب، غاية من الخلق، متورعًا، عابدًا، زاهدًا، لكنه في العقيدة منحل، لكنه في العقيدة مضطرب، إلا أنه في باب الشرك ممن جعل ندًا مع الله، إما تعلق قلبه بقبة، أو تعلق بميت، أو تعلق بقبر، قل لي بالله عليك: ماذا تنفع أخلاقه؟ ما الذي ينفع عبادته وزهده؟ يوجد نعم زهد في الأمة، لكن ما الذي يغني عنهم زهدهم؟ وما كان من تعبدهم وتدينهم وهم على شفا هلكة على عقيدة فاسدة، لا ينفعهم، لا ينفعهم. لكن العكس، ائتني برجل على عقيدة صحيحة، وعماله ضعيفة، قلت: أعماله تنفع عقيدته؟ ولا ننسى إخواني في الله صاحب البطاقة، رجل أتى بسجلات من الذنوب على مد البصر، ما الذي نجاه؟ نجاه بطاقة، ما الذي فيها؟ «لا إله إلا الله»، أتى بها بشروطها، بروابطها، بأركانها، كان موحدًا لله، موحدًا لله، أفرد العبادات لله، فمع ما كان من ذنوبه إلا أن هذه البطاقة ثقلت في موازين الله، عقيدة. فإخواني في الله فنهتم لهذا الباب، هنا مسألة نختم بها المقام، لكن ننبه عليها، هنا عندنا في هذه الآيات ذكر ربنا عز وجل في أمر صالح وهود وشعيب أن الله وصفهم بالأخوة، فقال سبحانه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، مع أن هؤلاء كفرة، أعني قوم ثمود وقوم عاد من الكفرة، فهل يجوز إطلاق لفظ الأخوة على الكافر؟ لأن بعض الدعاة في هذه الأزمان استدل بمثل هذه الآيات، وأخذ يلوح بها، قل: انظر كيف أن هودًا جعل أخًا لهم، وصالح جعل أخًا لقوم عاد، وانظر لشعيب كيف أصبح أخًا لأهل مدين، أم كفار؟ فأثبت الله لهم الأخوة، إذن لا غضاضة في أن نقول في حق النصارى بأنهم إخواننا، هذا نعم قد صرح به، بل يقوله بعض الحركيين في منتدياتهم وفي قنواتهم: يقول: إخواننا النصارى، إذا نكر عليه، يقول: انظر لقوله تعالى: ﴿إِلَى أَخَاهُمْ﴾، ﴿وَإِلَى أَخَاهُمْ﴾، فأخوهم مع أنهم كفر، وصفهم الله بوصف الأخوة، ونحن كذلك نحن في بلدة واحدة، نقول: هؤلاء إخواننا النصارى، هل هذا صحيح؟ لهذا باطل، هذا باطل. الأخوة إخواني في الله ما تكون أخوة إلا في حق المؤمن، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، هذا حصر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فالمؤمنون هم إخوة لنا فقط، أما أهل الشرك وأهل الكفر، لا، هم إخوان لنا ولا كرامة. يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، وهو قد سئل عن هذه المسألة، عن إطلاق لفظ الأخوة على الكفار، فقال رحمه الله تعالى: الكافر ليس أخًا للمسلم، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وعلى هذا المنوال قال الشيخ بن عثيمين رحمه الله تعالى: قال: أما قول: يا أخي لغير المسلمين، فهو حرام، حرام، لا يجوز. طيب نأتي الآن ما معنى هذه الآيات: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾، كيف تحمل هذه الآيات؟ قال علماء: تحمل هذه الآيات على أن الأخوة هنا أخوة في النسب، أخوة في النسب، إذ أن ما من نبي إلا وأرسل في قومه، منهم من نسبهم وقرابتهم، فعلاقة هذا النبي بقومه علاقة نسب، ارتباط قرابة. وقد قال العلماء: أن من كانت بينه وبين أحد نسب قربة أو بعد، فيكون بمثابة أخ، فقط من باب النسب والقرابة، ولهذا يقول علماء: كما صرح بذلك الإمام الآلوسي رحمه الله تعالى: قال: ومعنى كونه عليه السلام أخاهم أنه منهم نسبًا، وهو قول الكثير من النسابين، أي: ممن تتبع الأنساب، وجد ما من نبي إلا وله قرابة ونسب مع قومه. وهكذا قال القرطبي رحمه الله تعالى: قال: قيل: هم أخوهم لأنه منهم، وكانت القبيلة تجمعهم، كما تقول: يا أخا تميم، يا أخا تميم، فقد يكون قبيلة فيها الكفرة وفيها المسلمون، لكنك أنت تنتسب إليهم، فتسمى بالأخ: يا أخا تميم، تنسب إليهم وتضاف إليهم. فانظر إلى وصف القرآن، إنما الله هو الذي وصف بهذا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، ومن هنا قال جماعة من أهل العلم: أن أخاهم هنا بمعنى صاحبهم، كما في قول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾، أي: واذكر صاحب عاد، هذا المراد، وهم ما دعوا، ولهذا لا أحد يلبس على الناس ويقول: نقول يا إخواننا بحجة هذه الآيات، لا، هذه الآيات ما فيها يا إخواننا، ما نسبهم إلى أنفسهم. فرق بين إطلاق هذا وإطلاق ذاك، الفقرة الثالثة والأخيرة في هذه المسألة، وهي: ما المراد من أن الله عز وجل جعل علاقة النبي مع قومه علاقة أخوة؟ ﴿وَإِلَى شُعَيْبٍ﴾، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، لماذا؟ ما الفائدة؟ قال علماء: الفائدة من أن الله سبحانه وتعالى أراد من هذا الرسول أن يعتني بقومه، ما للعناية؟ أي: بدعوتهم والمثابرة عليهم، لأنهم يرونهم على هلكة، سيموتون على الكفر، ومن ثم من أهل النار، لكن إذا استشعر أنه أخوانه، سيجد ويجتهد في إخراجهم. مثل لك أنك تعامل أخاك من نسبك، أخاك القريب، إذا رأيت أنه قد ضر به وكاد أن يهلك، ما سيرتاح لك جفن، ولن ترتاح براحة حتى تنتشل أخاك من هذا المأزق، ولهذا كان من حكمة الله جل وعلا أن وصف الله جل وعلا أقوام هؤلاء بالأخوة، حتى يزيد في الجد والاجتهاد وفي الحرص على دعوتهم وانتشالهم من الشرك، هذا المراد من لفظ الأخوة في القرآن. لكن ننظر إلى مراد القوم ممن يقول: يا إخواننا النصارى، ما الذي يريد بهذا؟ يريد تضييع حق الدعوة، يريد التميع في قضية الولاء والبراء، ولهذا تجد الذي يقول: يا إخواننا النصارى، ما الذي يريد بعد ذلك؟ التزلف، التقرب إليهم، والدنو إليهم، بل ربما يتنازل عن دينه في سبيل ماذا؟ أن يرضي النصارى، فرق يا عبد الله، فرق بين الذي يريده الله من هذا اللقب، هو أنك تزيد حرصًا في دعوتهم، وبين مقصود هؤلاء، وهو أن يراد منك التنازل عن دينك. فإخواني في الله فليس في هذه الآية وهذه الآيات ما دل على ما يزعمه بعض الحركيين من جواز إطلاق اللفظ الأخوة على النصارى واليهود، فهم ليسوا إخواننا، بل ربنا جل وعلا أمر بإبداء العداء والمغايضة بيننا وبينهم، حتى يؤوبوا ويرجعوا إلى دين الله سبحانه وتعالى، ويكفوا عما هم فيه من الإلحاد والشرك. فهذا إخواني في الله من يتعلق بهذه المسألة من الأدلة الدالة من الكتاب عمومًا وخصوصًا في أن الأنبياء جميعًا اشتركوا على هذا الأصل العظيم، وهو إفراد الله بالعبادة، وأنهم أمروا أقوامهم ومجتمعاتهم بضرورة إخلاص الدين لله وحده. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.