الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 45، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع الأول معنى الأسماء الحسنى ويستدل على وجودها من القرآن الكريم، حيث ذكر الآيات التي تدل على أن لله أسماء حسنى. يُفسر معنى الحسنى وأهمية دعاء الله بأسمائه الحسنى.
الدعاء ينقسم إلى دعاء مسألة ودعاء عبادة، ويمكن تطبيق هذه القسمة على أسماء الله الحسنى، حيث يُسأل الله بأسمائه المناسبة للمقام، ويُتعبد له بما يقتضيه كل اسم.
المقطع الثالث يشرح أهمية أسماء الله الحسنى ودعائه بها كما ورد في القرآن والسنة، ويبين أن جميع أسماء الله حسنى ويمكن الدعاء بها، ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية في ذلك.
المقطع الأخير يذكر حديثا نبويا عن دعاء يتضمن طلبا لجعل القرآن ربيع القلب، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل الأسماء الحسنى من الكتاب والسنة؟ قال: ما الدليل على الأسماء الحسنى من الكتاب والسنة؟ أي: ما هي الأدلة الدالة على أن لله جل وعلا أسماء حسنى؟ وسيذكر مؤلف رحمه الله تعالى في إجابته الآيات والأحاديث الدالة على أن الله سبحانه وتعالى اختص بأسماء وهي حسنى له جل في علاه. الأسماء جمع اسم، والإسم مأخوذ من السمو وهو العلو والارتفاع. الإسم مأخوذ من السمو، وقيل من الوسم، لكن الصحيح أن الإسم مأخوذ من السمو بمعنى العلو والارتفاع، حيث أن الإنسان أعلى ما يعرف به اسمه. إذا قيل: هذا زيت، أعلم من هو زيت؟ فأعلى ما يعرف به الشخص باسمه، فالإسم مأخوذ من السمو والعلو والارتفاع، أي: أعلى ما يعرف به الشخص. فربنا سبحانه وتعالى له أسماء، لكن أسماؤه جل وعلا حسنى، بمعنى: بالغة في الحسن. ما الدليل على ذلك؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، وقال عز وجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. فهذه الآيات، إخواني في الله، ظاهرة في أن الله عز وجل وصف أسماءه بأنها حسنى. والحسنى، كما قال العلماء، على وزن فُعلى بمعنى فُضلى، فأسماء الله فُضلى، حسنى، بمعنى أنها قد بلغت الغاية في الحسن والكمال. ليس فقط أسماء الله حسنى، بل حسنى، أي: بالغة في الحسن، دالة على الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه أبدا. فقول ربنا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، يقول علماء: إن الجار والمجرور قدم، والقاعدة عند البلاغيين أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. فهنا دلت هذه الآية على أن الله عز وجل كل أسمائه حسنى، كل أسمائه سبحانه وتعالى حسنى. فما المطلوب؟ قال: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾، ندعوه سبحانه وتعالى بهذه الأسماء. وهنا فائدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهكذا ابن القيم، والإمام السعدي، وجماعة من أهل العلم: أن الدعاء هنا المقصود به دعاء مسألة ودعاء عبادة. دعاء المسألة: ما كان فيه طلب، تدعو الله أي تطلب من الله، يسمى هذا دعاء مسألة. ودعاء عبادة: وهي العبادات التي تؤديها لله، تسمى أيضا دعاء، تسمى أيضا دعاء. وجه الدعاء فيها: إذ أنك إذا صليت لله، ما الذي ترجو من صلاتك؟ تطلب من الله: يا رب، ها أنا أصلي، أطلب منك أن تغفر لي. فالدعاء وهو عبارة عن طلب يكون على صورتين اثنين: إما طلب على شكل سؤال، وإما طلب على شكل عمل. فقال العلماء: الدعاء ينقسم إلى قسمين: إلى دعاء مسألة، وإلى دعاء عبادة. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، طيب كيف سنطبق هذه القسمة في أسماء الله؟ قال العلماء: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، أي: دعاء المسألة، بمعنى: إذا سألت الله جل في علاه، فعليك أن تسأل الله بأسمائه الحسنى: يا رحمن، يا رحيم، يا غفور، يا تواب، يا كريم، يا سميع، يا مجيب. ومن الفائدة: قال علماء: ومن كمال الأدب في سؤالك لله بأسمائه الحسنى أن تجعل لكل دعاء اسما يناسبه. فإذا كنت يا عبد الله مثلا في سؤال الله التوبة، فبماذا تسأل؟ تسأل باسم الله التواب: يا تواب تب علي. وإذا كنت يا عبد الله في مقام المغفرة، فاسأل الله جل وعلا باسم الغفور: يا غفور اغفر لي. وهكذا تسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه بما يناسب الدعاء. فمن الخطأ أن بعض الناس ما يراعي هذا الباب، فلربما يأتي بطلب لكن يأتي باسم من أسماء الله ما يناسب المقام. مثل يقول: اللهم اغفر لي يا منتقم. صحيح أن المنتقم اسم من أسماء الله، لكن هل هذا المقام يناسب هذا الاسم؟ وأنت في مقام المغفرة والانكسار: اللهم اغفر لي يا منتقم، هذا مما يعاب. وأما إذا قلنا أن الدعاء دعاء عبادة، كيف يتأتى أن تسأل الله بدعاء العبادة؟ قال علماء: يكون ذلك بأن تتعبد الله سبحانه وتعالى على ما يقتضيه اسم الله. تتعبد الله على ما يقتضيه اسم الله. لعلمك بأن الله هو السميع، فإنك تذكره: أستغفر الله، سبحان الله، والحمد لله، تذكر الله لماذا؟ لعلمك بأن الله هو السميع. ولعلمك بأن الله هو التواب، إذ بك يا عبد الله تسرع بالتوبة لعلمك بأن الله تواب. فتجعل أسماء الله لها أثر لها أثر في طاعاتك وفي عباداتك. وهكذا يا عبد الله، إن كنت ترجو مغفرة وتعلم أن الله هو الغفور الرحيم، فإنك ترجع إلى الاستغفار، ترجع إلى الإنابة، ترجع إلى الخشية. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، يجتمع على دعائي: دعاء مسألة، أي: أن تجعل الله في دعائك، ودعاء عبادة، أن تتعبد الله بمقتضى أسمائه سبحانه وتعالى. وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، هذا الموطن الثاني الذي فيه وصف ربنا أسماءه بأنها أسماء حسنة، حسنة غاية في الحسن، لا نقص فيها ولا عيب فيها بوجه من الوجوه. وهذه الآية فيها رد على الكفار من كفار قريش، إذ أن كفار قريش كانوا ينكرون اسم الرحمن، ينكرون اسم الرحمن، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَيُكَفِّرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. لكن الكفار ما أنكروا وجود الله، لا، هم آمنوا بوجود الله، بدليل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، عندهم الله ثابت، الله موجود سبحانه وتعالى. فقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، دل على أن جميع أسماء الله حسنى. إن دعوت بالله ينفع، بالرحمن ينفع، بالسميع ينفع، بالبصير ينفع، بالغفور ينفع، بالرحيم ينفع، كل أسماء الله يدعى بها. ومن هذه الآية استفاد علماء فائدة: أن من شروط أسماء الله الحسنى أن يدعى بها. هذا الشرط إذا أردت أن تعرف شروط أسماء الله الحسنى، منها هذا الشرط: أن من شرط أسماء الله الحسنى أن يدعى بها. أما إذا كان لا يدعى بها، فلا يعتبر اسما من أسماء الله. ومن هنا استفاد من استفاد من العلماء إلى أن اسم القديم ليس من أسماء الله، فلا يمكن لأحد أن يقول: يا قديم ارزقني، يا قديم... ما ينفع هذا. ولو قال به بعض الفلاسفة وبعض المتكلمين من جعل الله من اسم الله القديم، لكن هذا ما ينفع، بدليل ما يصلح أن يدعى به. وقال الله عز وجل: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، فهذه أربعة مواطن في القرآن وصف ربنا جل وعلا أسماءه بأنه الحسنى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة»، وهو في الصحيح، الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. وقال عليه الصلاة والسلام: «أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي»، الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.