الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 29، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الصوم فرض في الإسلام وهو مفروض أيضا على الأمم السابقة، ومعرفة ذلك تستأنس المسلم بمشقة الصوم لدى الآخرين. هذا يعزز فهم أهمية الصوم في الإسلام.
الحج فرض بالإجماع وقد استدل المؤلف بآيات قرآنية على ذلك، واشترط لوجوبه الاستطاعة التي تشمل القدرة البدنية والمالية وأمن الطريق. هذا يبين أهمية التحقق من القدرة قبل الإقدام على الحج.
يشترط للحج الاستطاعة المالية والبدنية وأمن الطريق، كما يشترط للمرأة المحرم. الحج له فضائل عديدة ومكفرات للذنوب، ويحث النبي صلى الله عليه وسلم على أدائه كما جاء في أحاديث نبوية.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل الصوم؟ هذا السؤال يتبع بالأسئلة السابقة المتعلقة بأركان الإسلام، إذ أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر الأدلة الدالة على فرضية الصلاة ومعها الزكاة، والآن سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى الأدلة الدالة على فرضية الصوم، إذ أنه الآن في مقام التقرير والتأكيد على فرائض الإسلام. قال ما دليل الصوم؟ والصوم في اللغة العربية بمعنى الإمساك، ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي الإمساك عن الكلام. وفي اصطلاح العلماء هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل الصوم؟ قال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وهذه الآية واضحة فيها الإيجاب وفرضية الصيام. فقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب لأهل الإسلام، فمن كان مؤمنا، من كان مسلما وهو كل من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، فهو مخاطب بهذا. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ كُتِبَ بمعنى لُزِم، بمعنى وجب، فإن كتاب وكُتِبَ من ألفاظ الوجوب، من ألفاظ الوجوب ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي فرضا، فرضا لازما. فكُتِبَ بمعنى فُرِضَ ووُجِبَ، فصيام رمضان -إخواني في الله- يعتبر من أعظم الواجبات التي أمر الله جل وعلا بها. وصيام رمضان الذي فرضه الله على أهل الإسلام بدايته كان عبارة عن صيام عاشورا، هو الذي فرض على العباد، لم يكن هناك رمضان، فإنما كان وجب على الخلق أن يصوموا عاشورا، ثم بعد ذلك جاء صيام رمضان، لكن على التخيير، من شاء صام ومن شاء أفطر وأتى بفدية، ثم بعد ذلك أمر الله ربنا عز وجل بفرضية الصوم، وأن الفدية إنما تكون على غير المستطيع، فكانت هناك تدرج ومراحل تمت في فرضية الصيام وذلك مراعاة لحال الناس. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كُتِبَ على الذين من قبلنا الصيام، فقد فرض على الأمم والملل السابقة، واختلف المفسرون في الذين قبلنا الذين خوطبوا بالصيام، قيل: النصارى، وقيل هم أهل الكتاب، وقيل: بأنهم جميع الملل، جميع الملل فرق كتب عليهم في دينهم وفي شريعتهم الصيام. وهنا مسألة أخرى، وهي كيف كان صيامهم؟ لأنه عندنا هنا تشبيه وتمثيل ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فما وجه الشبه في صيام من كان قبلنا؟ من أهل العلم قال: وجه الشبه في الحكم، أي: بما أنه قد فرض عليكم، فإنهم في الأمم الماضية قد فرض عليهم، فالتشبيه في الحكم. وقيل: في المقدار والكمية، أي: أن رمضان كما أنتم ألزمتم به، وعبارة عن ثلاثين يوما، كذلك الأمم السابقة من اليهود والنصارى كان صيامهم عبارة عن ثلاثين يوما. لكنهم غيروا وبدلوا، أما اليهود -أهل الحيلة وأهل الغدر والتحايل على شرع الله- فلا زالوا يتحايلون على الصيام حتى قلصوه إلى يوم واحد، حيل وتلاعب بشرع الله حتى جعلوه يوما واحدا، وجعلوا ذلك هو الشريعة، ما عندهم شهر، وإنما عندهم يوم واحد يصومونه في العام. وأما النصارى -وهم أهل الرهبة والتعبد- فإنهم كانوا يصومون ثلاثين يوما، وهذا على قول كثير من المفسرين، كانوا يصومون ثلاثين يوما، لكن كان صيامهم يوافق الصيف، في جو حار، في جو حار، فما استطاعوا عليه، فما الذي فعلوا؟ غيروا وقت الصيام من الصيف وجعلوا صيامهم إلى الشتاء، غيروا شرع الله عز وجل، فاختاروا فترة زمنية يكون الجو فيها باردا حتى يعينهم، فمن الصيف إلى الشتاء، وكان ثلاثين يوما، لكن لعلمهم أن هذا التغيير ما ينبغي، فما الذي فعلوا؟ أضافوا عشرة أيام، أضافوا عشرة أيام ككفارة على هذا الذي فعلوه، فأصبح عندهم أربعين يوما. ثم وقعت حادثة لأحد ملوكهم، فنذر عنها لله إن حقق الله ما أراد فإنه سيصوم عشرة أيام، فحقق الله مراده، فأصبح أضاف هذا الملك وأمر الرعية بصيامه عشرة أيام فوق الأربعين، فأصبح خمسين يوما، فأصبح عندهم الصيام خمسين يوما. فهذا صيام أهل الكتاب، من اليهود ممن تحايلوا فجعلوا يوما واحدا، والنصارى أهل الجهل ممن زادوا فجعلوا خمسين يوما مع التغيير والتبديل. أما أهل الإسلام فهم قد بقوا على ما هم عليه كما أمرهم الله سبحانه وتعالى، إن وافق صيفا وافق شتاء، يلتزمون به. وهنا مسألة كذلك، وهي: ذكر العلماء ما الفائدة المرجوة من تذكير الله لنا بأن صيام رمضان قد فرض على الأمم السابقة؟ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ما الفائدة من هذا؟ استفاد العلماء قالوا: نستفيد عدة فوائد، وبعضهم إجمالها إلى ثلاثة فوائد نستفيدها نحن كمسلمين إذا علمنا أن من كان قبلنا قد فرض عليهم الصوم. الفائدة الأولى: الإناس، بمعنى نستأنس، فالمسلم ربما يرى أن هذه الشريعة فيها نوع كلفة ومشقة، فعندما يرى أن هذا الطريق وهو طريق الصوم ليس هو الأوحد فيه، بل ينظر خلفه، يجد أن اليهود ألزموا به، وأن النصارى ألزموا به، وعلى قول من قال: أن جميع الملل قد ألزمت به، يجد أن هذا الطريق طويل، وقبله أمم سأروا عليه، فما أنت إلا واحد في مضمار، فتصبر عليه، فتستأنس، تستأنس أن من كان قبلك كلهم قد خاضوا هذا المجال، فأنت تخوض معهم في غماره، فهذا فائدة، وهي استئناس، أن تستأنس أنك إذا استوحشت الطريق من حيث المشقة والكلفة الذي تجدها في صيامك، تعلم أن من كان قبلك قد صام، من صام الأنبياء والأولياء وأهل الصالحين، وأما أنت إلا واحد من هؤلاء، فتصطبر وتستأنس بهم. الفائدة الثانية: فيها بيان لفضيلة الصوم، وأنها من العبادات المحبوبة عند الله جل وعلا والحميدة، بدليل أن الله فرضها على هذه الأمة، وأن الله فرضها على الأمم السابقة، وأن ما من ملة وما من دين وما من شريعة إلا وجعل ربنا في شريعتها الصيام، وهذا إن دل، دل على فضيلة الصوم، وأن من العبادات الحميدة، بدليل أن الله ما ترك ملة إلا وجعل فيها الصيام لحكمة عظيمة، لحكمة عظيمة، فهذه فائدة علمناها لما رأينا علمنا بأن الله قد فرض الصيام على من كان قبلنا، علمنا فضل هذه الشعيرة العظيمة. الفائدة الثالثة: فيها فضيلة للأمة المحمدية، فضيلة الأمة المحمدية، حيث أن الله سبحانه وتعالى فرض الصوم على الأمم السابقة، ولما جاءت هذه الأمة المحمدية جعل ربنا في شريعتها الصوم، فيه إشارة إلى أن ما من فضيلة وما من منقبة وما من عبادة كريمة حميدة وجدت في الأمم السابقة إلا ويجعل لها ربنا لهذه الأمة حظا، ما هنالك أمة تعلو على أمة محمد، ما هنالك أمة، ما هنالك دين يرتقي ويرتفع على دين محمد صلى الله عليه وسلم. فكل فضيلة كانت في أمم سابقة، وكل عبادة وقربة وطاعة ألزمها ربنا عز وجل من كان قبلنا، تجد أن هذه الأمة لها حظ منه، فما هنالك أحد استطاع أن يمتاز بشريعة من دون شريعتنا، أو يمتاز ويتميز بعبادة دون عباداتنا، ففيها استفاد العلماء من هذه الآية دلالة على أن الأمة المحمدية من أعظم الأديان، إذ أنها حوت على أن كل خير، كل فضيلة، كل قربة ما تجدها إلا وقد وجدت في هذه الأمة المحمدية، منها الصيام، منها الصوم، كما أن الله قد فرضها على الأمم السابقة، تجد أن لهذه الأمة أيضا حظا عظيما من الصوم. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهذا كذلك من الآيات الدالة على وجوب الصوم، ومنها استفاد العلماء على أن الصوم يجب على المقيم، يجب على المقيم، أما من لم يحضر الشهر والصوم في بلده، وهذا مسافر، فإن الصوم يسقط عنه، فإن الصوم إنما يجب على كل مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم قادر خالي وسليم من الموانع، هذه شروط لابد أن تتوفر فيمن يلزم ويخاطب بفرضية الصوم: مسلم، بالغ، عاقل، صحيح، مقيم، قادر، سليم من الموانع. فمن ذلك: أن يكون مقيما، دليله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأنت ملزم -يا عبد الله- بوجوب الصوم متى ما كنت من أهله، ممن حضره. قال: وفي حديث الأعرابي قال: «أخبرني ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان، إلا أن تطوع شيئا» الحديث، والحديث صحيحين في قصة ذاك الرجل الذي يسأل عن الدين، ويسأل عن شرع الإسلام، فسأل عن الصوم، فأخبره نبينا أنه لا يخاطب كمخاطبة إلزام إلا برمضان فقط، هذا الذي أنت تخاطب به، وما عداه فنفل، وما عداه فمستحب. وبهذا -إخواني في الله- نعلم أن صوم رمضان يعتبر من فرائض الإسلام، ومن مبانيه العظام، ولا يجوز لأحد بعد هذا أن يتجاسر على أن يفطر فيه كما يفعله بعض الناس ممن رق دينه وضعف تدينه لله عز وجل، لربما يستهون وتساهل في أمر صيام رمضان، فربما يتظاهر بالصوم، لكن إذا خل بنفسه في فلواته، أو خل بنفسه عن أعين الناس، لربما بارز الله بفطره، وهذه مصيبة عظيمة. يقول إمام الذهبي رحمه الله تعالى: «من أفطر أياما من رمضان بغير عذر فهو شر من الزان ومن مدمن الخمر»، هذا شر من أفطر أيام فقط، ليس رمضان، رمضان أشد، لكن من أفطر أيام من رمضان من غير عذر فهو شر من الزان ومن مدمن الخمر، لأنها من كبائر الذنوب، من كبائر ذنوب. وسيأتي معنا -كما قلنا- سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى حكم التارك لهذه الأركان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل الحج؟ وهو كذلك الركن الخامس من أركان الإسلام، الحج. والحج -إخواني في الله- في اللغة بمعنى القصد، وقيل: هو القصد إلى معظم، لأن ليس قصد يسمى حجا، وإنما القصد يسمى حجا إذا كان القصد إلى شيء معظم. والمصطلاحا: هو قصد بيت الله الحرام لأداء أعمال مخصوصة. والحج كما سبق من أركان الإسلام، ومن فرائضه العظام، والأدلة كثيرة جدا على فرضيته، على فرضيته. قال: قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وبهذه الآية استفاد العلماء على فرضية الحج، فإن الحج واجب، وإن ذمة المسلم لا تبرأ إلا بأن يحج بيت الله الحرام وجوبا، لكن بشرط، ما هو الشرط؟ الاستطاعة، كما قال ربنا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ومن هنا بيّن العلماء ما هي الشروط التي ينبغي أن تتوفر في المسلم حتى يخاطب بفرضية الحج؟ قالوا: صفاته أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، مستطيعا، لابد من شرط الاستطاعة. وما هو ضابط الاستطاعة؟ هو أن يستطيع أن يقدر على الحج ببدنه وماله مع أمن الطريق، هذا ضابط الاستطاعة. كونك مسلما، كونك بالغا، كونك عاقلا، هذه الصفات ضرورية، لكن هناك صفة زائدة في الحج، وهي الاستطاعة، لأن الحج فيها أعمال بدنية تحتاج إلى قوة، وفيها أعمال كذلك مالية تحتاج إلى سعة في النفقة، ومن هنا اشترط الشرع أن تكون مستطيعا حتى تخاطب بفرضية الحج. وكما قلنا: الاستطاعة جعلها العلماء في هذه الأنماط الثلاثة: عندك قدرة بدنية، قدرة مالية، وأن يكون عنده أمن الطريق، هذه الاستطاعة، فإذا اختل واحد من هذه الأمور الثلاثة فلا تكون مستطيعا، لا تكون مستطيعة، فيسقط عنك الحج. البدن: أن تكون عنده قدرة بدنية، بحيث يذهب ويؤدي مناسك الحج، والحج يعتبر نوع من أنواع الجهاد، باب من أبواب الجهاد، حركة ومشي، المسافات الطويلة، ربما هناك مشي وجري، وطواف السبع، سواء كان طواف حول الكعبة أو السعي بين الصفا والمروة، وهذه المسافات طويلة، فإذا وجد أن شخصا ما عنده قدرة في بدنه، كأن يكون مريضا، فهذا عاجز، يسقط عنه الحج حتى يشافيه الله ويعافيه. الثاني: النفقة، أي يكون عنده نفقة، نفقة في ماذا؟ نفقة في نفسه، في أن يذهب، بحيث يستطيع أن يمشي أموره في سفره، وعنده نفقة تكفي أهله، تكفي أهله، هذا لابد منه، فإن من الناس من لربما يستطيع أن يدبر أمره، لكن ما يترك لأهله لا شيء، يجعلهم صفرا، فكيف تتركه لمن؟ «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول»، فالنفقة التي ينبغي أن تستعد بها: نفقة تكفيك في سفرك، ونفقة تبقيها لأهلك، إذا عندك هذه النفقة فأنت عندك قدرة مالية. أما إذا كان رجل ما استطاع على نفقات المال، على نفقات الحج، فهذا يسمى عاجزا وغير مستطيع، فيسقط عنه الحج، طبعا هذا الباب -إخواني في الله- كل أدرى بنفسه، دع عنك -يا عبد الله- المعاذير التي يتعذر بها الخلق، «أنا ما عندي ظروف صعبة، غلاء المعيشة وأنا وأنا»، ثم تمر عليه السنون، والسنوات حتى لو ربما هرم وكبر سنه، ورق عظمه، وبعد ذلك تأتيه المني وما حج، وتبقى ذمة معلقة. فإن اعتذر بأنه لا مال له، هذا ليس بصحيح، هذه دعوى أنه لا مال لك، فكيف يقول: لا مال له؟ بعض الناس عندهم محلات ودكاكين، وعندهم من أموال أشياء كثيرة، لو أنه استطاع على أنه يرتب أمره ويحج، كان يجعل له في كل سنة جزء من مال، لأعانه الله، لو كان مع النية صادقة، ومع التخطيط الذي به ينوي حج بيت الله، فإن الله سيعينه، لكن لما عنده نية أصلا، فلا زال يتعذر بهذه الأعذار، تجد أن الناس يذهبون حجا ذهابا وإيابا، وهذا في محله، يذكر كل عام بالحج بالحج، وهو يتعذر بالغلاء المعيشة، ويتعذر بأوهام ظالحة، كل ذلك بخلا وشحا، هذا ليس بعاجز، بل هذا بخيل، هذا شحيح، يطالب بالحج، يطالب الحج، أما الذي نتكلم عنه هو الذي ما يملك مال، ما عنده قدرة على السفر، لا مال له، هذا يسمى عاجز لعدم الاستطاعة. والأمر الثالث: أمن الطريق، أن تكون طريق مأمونة، أما إذا كان الطريق الذي تؤديه إلى بيت الله خطرة، كأن تكون فيها قطاع طرق، أو يكون فيها هوام وسباع، ولو كان عنده قدرة وقوة، ولو كان عنده قدرة مالية، لكن الطريق غير مؤمنة، فإنه لا يطالب بالحج حتى تسهل له الطرق ويؤمن له الطريق، هذا ما يتعلق بالرجل. أما المرأة فيضاف لها شرط رابع في الاستطاعة، وهي أن تكون لها محرم، فإن وجدت محرما فإنها تحج معه، فإن لم تجد محرما فلا تخاطب، «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم»، فهذا شرط. وهذا شرط. قال: وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى كتب عليكم الحج»، مر معنى أنك كتب بمعنى: فرض، ولزم، وحتم، فكلها من ألفاظ الوجوب، «كتب عليكم الحج»، ومن نعمة الله، ومن نعمة الله على أهل الإسلام أن الله إنما كتب عليهم الحج في العمر مرة واحدة، هذا الذي نطالب به، وهذه الأدلة كلها تدلك -يا عبد الله- وتلزمك بالحج مرة واحدة حتى تبرأ الذمة، فإن حججت بيت الله مرة واحدة فهذا الذي ينبغي أن يفعله كل مسلم ومسلمة، كل مسلم ومسلمة، لكن ما زاد فهذا نفل، وهذا فضل. و فضل الحج -إخواني في الله- حتى نكون على بينة من أمرنا، أن الحج يقول بعض العلماء: أنه لا توجد عبادة كفيلة بإذهاب الذنوب ما كبر وما عظم وما صغر منها بمثل الحج والجهاد، ما هنالك عبادة كفيلة بمحو الذنوب والسيئات، سواء كان من صغائرها ومن كبائرها وعظائمها، بمثل الجهاد والحج، فما ذكروا في فضائلها الشيء العظيم، الشيء الكبير. قال عليه الصلاة والسلام: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه من الخطايا»، وسئل عن أفضل الأعمال، قال: «إيمان بالله وبرسوله»، سئل: «ثم أي؟ قال: جهاد في سبيله، ثم سئل: ثم أي؟ قال: حج مبرور»، وقال عليه الصلاة والسلام: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب»، وهذه فضيلة عظيمة، فليس فقط الحج فيه تكفير للسيئات، بل فيه بركة في المال، هذا الذي أنفقته -يا عبد الله- وانظر من أخرج من ماله شيئا كثيرا لأن يحج بنفسه وبأهل وعياله، ذهبت عليه هذه الأموال، لكن انظر كيف أمره، ما سمعنا بأحد منهم افتقر، وما سمعنا بأحد منهم أصابته أزمة مالية أبدا، من ذهب بارك الله له في ماله، بارك الله له في ماله. فأكون -يا عبد الله- على يقين أنت تقدم على عبادة، أنت تقدم على عبادة، ومن أقدم على عبادة فقد أقدم على رحمة بالله، وأن يضيع الله عبدا أقدم عليه، تنفق مالك -يا ابن آدم- أنفق ينفق عليك، أنفق في سبيل ينفق عليك، يأتيك ربك بمال يخطر على بال، وهكذا. والمتابعة -من وفقه الله- المتابعة بين الحج والعمرة، فإنه يكتسب هاتان الخصلتان، أن الله ينفي عنه الفقر، وينفي عنه الذنوب. وذهب جميع العلماء إلى الأولى: إذا كان راجلا عنده قدرة، أنه لا يترك الحج أكثر من خمسة أعوام، يحاول الشخص إذا كان عنده قدرة، وتيسرت له السبل، أن لا يباعد عن الحج أكثر من خمسة أيام. واستدل بعض العلماء بما صح عن نبينا من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي سعيد الخدري، أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: إن عبدا أصححت له جسمه، وسعت له في معيشته، ثم لم يفد إلي لمحروم»، «إن عبدا أصححت له جسمه، وسعت له في معيشته»، وانظر هذه من ضوابط الاستطاعة: القدرة، القوة في البدن، وهكذا المعيشة، أي: النفقة، «إن عبدا أصححت له جسمه، وسعت له في معيشته، ثم لم يفد إلي لمحروم»، فبهذا استدل العلماء على أن الشخص يحاول، المسلم أنه لا يترك الحج أكثر من خمسة أعوام إذا استطاع لذلك السبيل، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى كتب عليكم الحج» الحديث في الصحيحين، وتقدم حديث جبريل، وحديث: «بني الإسلام على خمس»، وغيرها كثير، أي: أدلة كثيرة تدل على عظم هذا المنسك، وهو الحج. فهذا -إخواني في الله- ما يذكر في هذين الركنين العظيمين من أركان الإسلام، ركن الصوم، وركن الحج، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.