الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 188، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع الأدلة من السنة النبوية على خلافة أبي بكر وعمر، مثل حديث امرأة جاءت إلى النبي وأمرها بالرجوع إليه، وحديث عائشة عن رغبة النبي في كتابة كتاب لتعيين خلافته. كما أشار إلى إجماع الصحابة على مبايعة أبي بكر وتقديم عمر للخلافة بعده.
يتناول المقطع أدلة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان مستندًا إلى الأحاديث النبوية وإجماع الصحابة، مع التركيز على أهمية خلافة عمر بعد أبي بكر وإجماع الصحابة على ذلك، ثم خلافة عثمان مستدلًا بحديث كعب بن عجرة.
يتناول المقطع شرحه لحديث نبوي يشير إلى تولية عثمان بن عفان للخلافة، ويبين أن الذين خرجوا عليه سماهم النبي بالمنافقين، ويستدل على خلافته بالإجماع بين الصحابة.
يختتم الشيخ درسه بتأجيل بعض المواضيع المتعلقة بخلافة علي بن أبي طالب إلى الدرس القادم، ويطلب من الله أن ينفع بما قاله ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد مر معنا في درس أمس، إخواني في الله، ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- من التدليل بذكر الأدلة من السنة على ثبوت الخلافة للخلفاء الأربعة، بدءًا بذكر الأدلة الإجمالية، بما جاء من ثبوت خلافة الشيخين أبي بكر وعمر، ثم ذكر الأدلة الدالة على خلافة الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، ثم ذكر الإشارات النبوية الدالة على خلافة الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله تعالى عنهم جميعًا-. وإنما اكتفى -رحمه الله تعالى- بالأدلة الإجمالية، وسيتطرق الآن في هذه الأسئلة حول الأدلة التفصيلية الدالة على خلافة هؤلاء الأربعة. قال -رحمه الله تعالى-: ما الدليل على خلافة أبي بكر وتقديمه فيها؟ قال: الأدلة على ذلك لا تحصى، منها ما تقدم، ومنها ما في صحيح البخاري ومسلم: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن ترجع، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك -كأنها تقول: الموت- أي وعدها أن تأتيه، فافترضت هذا الفرض، وإن جئت ولم أجدك؟ قال عليه الصلاة والسلام: إن لم تجديني فأتي أبا بكر. فأتي أبا بكر. وهذه إشارة إلى تولية الصديق -رضي الله تعالى عنه- لولاية الأمور، ولتولية أمر الرعية. وهذا الحديث في البخاري ومسلم، الحديث في أبي هريرة. قال: منها ما في صحيح مسلم، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. هكذا قال عليه الصلاة والسلام: هم على أن يكتب كتابًا كعهد، لكنه ترك، وتركه عليه الصلاة والسلام لعلمه أن الناس من بعده لن يختلفوا على الصديق، وهذا بما أوحى الله إليه. قال: ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، إلا أبا بكر. قال: وهكذا قال عليه الصلاة والسلام في تقديمه في الصلاة في مرض موته، كذلك عندما أخذ نبينا به المرض، ومرض الموت، فألم به الوجع، وأصبح طريح الفراش، فما كان يخرج للصلاة، فمن ذا الذي حل محله في إمامة الناس؟ الصديق -رضي الله تعالى عنه-. وما كان هناك أحد ينازعه في ذلك، وكل ذلك إشارات إلى أن الصديق -رضي الله تعالى عنه- أولى بالخلافة من أي أحد بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأدل ذلك كثيرة، كما قال المؤلف: لا أدل على ذلك، لا تحصى لكثرتها، على أن الأمور ستؤول إلى الصديق -رضي الله تعالى عنه-. قال: وأجمع على بيعته جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فمن بعدهم اتحدت الكلمة، وتواطأت القلوب على أن تؤول الأمور إلى الصديق -رضي الله تعالى عنه-. فاجتمع الصحابة كلهم، ما تخلف أحد. وما يذكر من أن عليًا -رضي الله تعالى عنه- أنه تخلف عن البيعة، والزبير كذلك، ليس بصحيح، بل إن عليًا -رضي الله تعالى عنه- والزبير قد بايعا الصديق -رضي الله تعالى عنه- في البيعة العامة، والتي أقيمت في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك في اليوم الثاني من السقيفة. فعلي بن أبي طالب بايع مع باقي الصحابة. وأما من بلغ به الحمق فقال: بأن عليًا إنما بايع في الظاهر دون الباطن، فأعوذ بالله من هذه الفرية. ما الذي تقصد من أن عليًا -رضي الله تعالى عنه- إنما بايع أبا بكر في الظاهر دون الباطن؟ أتدري أن هذا هو النفاق بعينه؟ تريد تعظيم علي، فإذا بك تطعن في فعله، فترميه بالنفاق. أقرب، فحاشى أن يكون علي كذلك. فالصحابة جميعًا اجتمعت كلمتهم على مبايعة الصديق -رضي الله تعالى عنه-، وأن يتولى الأمور بعد رسول الله، في خلافة الرعية، وفي خلافة الأمة. والإجماع كثير جدًا، ذكره العلماء، ذكر ذلك القرطبي، وذكره الأشعري، وذكره الباقلاني، والبيهقي، وابن قدامة، وأمم من العلماء سردوا الإجماعات المعتبرة المعتمدة، وأنه ما خالف أحد. فلا يأتي بعد ذلك متعجرف ويطعن في خلافة الصديق، فكما قل: من طعن في خلافة أحد من خلفاء الأربعة، فهو أظل من حمار أهله، كما عبر بذلك العلماء كالإمام أحمد وغيره. قال -رحمه الله تعالى-: ما الدليل على تقديم عمر في الخلافة بعد أبي بكر؟ إذن، أبوبكر أولى بالخلافة من أي أحد، ما أحد يتقدم، بل حتى أبوبكر لما طلب أن يأخذ بالإمامة رفض، بل أخذ بيد عمر وأخذ بيد أبي عبيدة، قال: هؤلاء هم الذين أنا ورشحتهم للخلافة، فأبوا: ما أنت إلا أنت. فحتى عمر عزم أنه ليس كمستوى الصديق، فأعطاها للصديق -رضي الله تعالى عنه-. وهنا قال المؤلف: ما الدليل على تقديم عمر في الخلافة بعد أبي بكر؟ قال -رحمه الله تعالى-: أدلته كثيرة، والمؤلف -رحمه الله تعالى- يشير إلى هذه الكثرة المتكاثرة، فكتب السنة قد امتلأت بهذه الآثار الدالة على مسألة الخلافة، فهي من المسائل الواضحة عند أهل السنة، وإنما الشك والريب والضعف إنما وقع عند أهل البدع ممن يأخذون بالمتشابه ويتركون المحكم، وهذا فعلهم في كل مسألة تهواها الأنفس. قال -رحمه الله تعالى-: أدلته كثيرة، منها ما تقدم، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ﴿إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا بالذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر﴾ -رضي الله تعالى عنهما-. وهذا الحديث رواه أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، من حديث حذيفة، إلا أن فيه ضعف، فيه جهالة، وفيه انقطاع. قال: ومنها ما في حديث الفتنة التي تموج كموج البحر، قال حذيفة -رضي الله تعالى عنه- لعمر: إن بينك وبينها بابًا، فقال: أيفتح أم يكسر؟ قال: بل يكسر، قال عمر: إذا لا يغلق. فكان الباب عمر، وكسره قتله، فلم يرفع بعده السيف بين الأمة. وحديث الفتن والذي أخبر فيه نبينا صلى الله عليه وسلم على أن ستقع فتن تموج كموج البحار، فتن عظيمة يكون فيها سفك الدماء، فأخبر عليه الصلاة والسلام فأخبر نبينا أن بين هذه الفتن وبين وقوعها باب، هناك باب موجود، هذه الأمواج المطلاطمة من الفتن خلف الباب، وأن الباب إذا حيل بينها وبين الفتن فإن الفتن ستتدفق على الأمة. فأسأل عمر نبينا عن هذا الباب: أيفتح أم يكسر؟ أيفتح فتحًا أم يكسر كسرًا؟ فقال: قال بل يكسر، قال: يكسر، فقال: إذا لا يغلق أبدًا. هذه المسألة التي ذكرها نبيه، الحوار الذي تم بين أبي بكر، بين رسول الله، وبين عمر. عمر يعلم أنه هو الباب، هو الباب والذي من ورائه تكدست الفتن، وأنه باب منيع من حصول الفتن، وأنه إذا ذهب وابتعد فإن هذه الفتن ستتدفق على الأمة. ولما سأل عمر عن هذا الباب: يفتح أم يكسر؟ فلما علم أنه يكسر، علم أنه بمقتله، وأن هذا الباب هو سيزاح، وذلك عن طريق قتله -رضي الله تعالى عنه- كما أشعر ذلك حذيفة. فإن عمر علم أنه هو الباب، وهذا إشارة إلى خلافته -رضي الله تعالى عنه-، أن في خلافته سيكون مع كثير الخير الذي يظهر على يده، سيكون هناك الإيقاف، كثير من الشر على عتبات خلافته، إلى أن يقتل، فإن قتل حينها ستأتي الفتن، وهذا الذي حصل، فلا زال السيف في الأمة بعد مقتل عمر -رضي الله تعالى عنه-. قال: وقد أجمع الأمة على تقديمه في الخلافة بعد أبي بكر -رضي الله عنه-. وكذلك خلافة عمر تثبت بعد خلافة أبي بكر بالإجماع، بإجماع الصحابة، ما نازع ولا خالف أحد في استخلاف الصديق لعمر. أبوبكر -رضي الله تعالى عنه- عندما قربت منيته، وسأل الصحابة كبار الصحابة في وقته: ما ترون في عمر؟ ما ترون في عمر؟ مع معرفته بعمر، لكن من باب تأدية الأمانة سأل عنه، فالكلمة واحدة، ما هناك أحد شك في عمر في توليه الأمور، وأنه إن آلت إليه الخلافة فإنه سيقوم بها على خير مقام. فاستخلف أبوبكر من بعده عمر -رضي الله تعالى عنهما-، واجتمعت الكلمة عليه، واجتمعت الكلمة، ولهذا يقرر هذه المسألة في كتب العقائد، يقول إمام الحرمين -رحمه الله تعالى-: قال: ثم خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أرضاه باستخلاف أبي بكر إياه، وباتفاق الصحابة عليه من بعده. فالصحابة كلهم اتفقوا على خلافة عمر -رضي الله تعالى عنه-. وهكذا قال إمام النووي -رحمه الله تعالى-: قال: أجمعوا -أي الصحابة- على اختيار أبي بكر، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر -تنفيذ عهده- أي باستخلاف أن يكون عمر من بعده، فاتفقت الكلمة على ذلك. قال -رحمه الله تعالى-: ما الدليل على تقديم عثمان بعدهما في الخلافة؟ انتهينا من خلافة أبي بكر، وأنه أحق بها بعد رسول الله، لا إشكال في ذلك بالإجماع، ثم خلافة عمر، فله الأحقية بالخلافة بعد الصديق -رضي الله تعالى عنه-، وذلك بإشارات السنة، وبالإجماع المعتبر المعتمد عند الصحابة. تأتي مسألة ثالثة، وهي خلافة عثمان -رضي الله تعالى عنه-. قال: ما الدليل على تقديم عثمان بعدهما في الخلافة؟ قال: الأدلة على ذلك كثيرة، منها ما تقدم، ومنها حديث كعب بن عجرة، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة، فقربها، فمر رجل مقنع رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا يومئذ على الهدى. وهذا الرجل متقنع، أي مغطي رأسه، مر في أثناء كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأشار إليه، وكان من موافقة الله أن مر هذا الرجل مع كلام رسول الله عن الفتن التي ستأتي قريبًا. قال: هذا يومئذ على الهدى. قال: فوثبت، فأخذت بضبعي عثمان، فكان هذا المر عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه-. فأخذت بضبعي، والضبع عند العضد، فأخذت والتزمه، ثم استقبلت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: هذا؟ قال: هذا. رواه ابن ماجة بإسناد صحيح. وفي ذلك إشارة إلى خلافة عثمان -رضي الله تعالى عنه-، ومما ستكون عليه الأمور في زمن من الاضطرابات، وخاصة من طلب جماعة من الناس على خلعه وعلى إخراجه وعزله -رضي الله تعالى عنه-. قال: ورواه الترمذي عن مرزوق بن كعب، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهو ذكر رواه أحمد في مسنده. قال: وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عثمان، إن ولاك الله هذا الأمر يومًا -وهذا علم من أعلام النبوة، فالنبي بما أوحى الله إليه علم أن الأمور ستؤول بعد حين إلى عثمان، وهي الولاية- قال: إن ولاك الله هذا الأمر يومًا، فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله، فلا تخلعه. يقول ذلك ثلاث مرات. قال: رواه ابن ماجة بإسناد صحيح، والترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه. وقد ذكره شيخنا مقبل -رحمه الله تعالى- في الصحيح المسعة مما ليس في الصحيحين. الشاهد أن هذا الحديث فيه إشارة إلى تولية عثمان، إن ولاك الله هذا الأمر، فعثمان بهذا النص فيه إشارة إلى توليته، إذن: أبوبكر، عمر، عثمان، ثم أخبر نبينا عن أمر، قال: فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك -والقميص كناية على الخلافة التي آلت إليه- فإذا أراد جماعة من الناس أن تخلع هذا القميص، وهو أن تخرج من الخلافة، وأن تعتزل الحكم، قال: فلا تخلعه. وهذا فيه فائدة -إخواني في الله- أن نعلم أن الذين خرجوا على عثمان سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنافقين، هم أهل النفاق الذين قاموا وجيشوا الجيوش، وشغبوا الشعوب على عثمان -رضي الله عنه- حتى حاصروه في بيته، فقتلوه -رضي الله عنه- شهيدًا. فهؤلاء بنص السنة أهل النفاق، فلا تقتر يا عبد الله ما تسمع من بعض الحركيين أو بعض المفكرين أنه إذا لربما إذا تكلم عن خلافة عثمان لربما هضم عثمان، بل حتى بعض من يصرح بأن خلافة عثمان كانت فجوة، فجوة في ماذا؟ خلافة عثمان كانت من أعظم الخلافة، فيها من الخير الكثير الذي عم البلاد الإسلامية، حتى أن بيت المال كان يفتح على مصراعيه، وينادى في الناس: من أراد مالًا فليقبل. تريد مالًا؟ تعال، المال كثير لكثرة الفتوحات في أرمينيا، وفي شرق آسيا، وفي بلاد السند والهند، وأوروبا، فتحت البلدان في زمان عثمان فتحًا عظيمًا، ومر معنا في تزكية رسول الله لخلافة عثمان. قال: ثم ينزع عثمان نزعًا قويًا، وإشارة على خفنا، كان نزعه قويًا بمعنى الفتح والمدد الذي سيصل لأهل الإسلام، وهذا الذي صار. واسمع إلى كتب التاريخ، ما الذي تقرأه في خلافة عثمان؟ كان ينادي المنادي: من أراد عسلًا، من أراد مالًا، من أراد ثيابًا، من أراد عسلًا -حتى العسل- تعال، أقبل، خذ الذي تريد لكثرة الأموال. لكن هؤلاء قاموا، أتدري ما قاموا؟ ليس قاموا من الفقر، أو ما يدعونه من الضيق الذي صار في زمن عثمان، ما كان هناك ضيق، وإنما هو التنافس على الدنيا، هذا الذي صار في الحقيقة، كما قال: ﴿لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها الذين من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم﴾. لكثرة الخير، جاءت هذه الشردمة من أهل النفاق بطرًا وأشرًا، وأرادوا المزيد، وأرادوا المزيد، والإنسان طمع حتى باقوا ذرعًا من كثرة الخير. فأرادوا نزع عثمان من خلافته، أعوذ بالله. فهؤلاء نفاق، فلا يأتي الكاتب بعد ذلك ويحاول أن يبيء أن هؤلاء ناس يطالبون بحقوقهم. سماهم نبيون بالمنافقين، فهم أهل نفاق. وصار ذلك، جاء هؤلاء الشردمة في آمن الناس، من قبائل شتى أو زعازع. وطلب عثمان أن يخلع قميصه، وأن يخرج، وعثمان -رضي الله تعالى عنه- كان بإمكانه أن يخرج، ولا يضره ذلك شيء، فهو ليس ممن يركن إلى الدنيا -حاشاه-، بل انظر في صحبته كيف بذل ماله كله في سبيل الله، جيش العسرة بكل ماله، وروم بماله، وأنفق الكثير، حتى قال نبينا: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم من كثرة ما فعل، وضحى وبذل من مال. فما كان يركن للدنيا، وإنما تمسك بخلافته، وما نزع عنه لوصية رسول الله: فلا تخلعه، فلا تخلعه. فتثبت على هذا الأصل، وما خلع القميص الذي ولاه الله حتى قتل شهيدًا -رضي الله تعالى عنه-. قال: وأجمع على بيعته أهل الشورى، ثم سائر الصحابة، وأول من بايعه علي -رضي الله تعالى عنه- بعد عبد الرحمن بن عوف، ثم الناس بعده. وهذا الدليل الثالث، الدليل الثاني وهو الإجماع، أجمع الصحابة في زمن عثمان على أن عثمان هو ولي الأمر، وأنه أمير المؤمنين، وأنه أولى بالخلافة من غيره. فلهذا مختلف الناس من بعده، أي في زمن ما اختلف، نسأل كل أخذ الرواية، الرأي، وأعطاها لعثمان: أنت، أنت. فاتفقت الكلمة على عثمان، وبهذا الإجماع، وأدلة الإجماع أئمة، منها أئمة السنة، كالإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- ذكر الإجماع عن عثمان: إنما ولي الخلافة بإجماع الصحابة. وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- عن الإمام أحمد أنه قال: لم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان، ما اجتمع الصحابة على بيعة أحد كاجتماعهم على بيعة عثمان. وبهذا -أخوانكم في الله- علمنا أن خلافة الصديق كانت بإشارات نبوية، وبإجماع الأمة، وهكذا عثمان، وهكذا عمر من بعده، وهكذا عثمان من بعده. ثم قال المؤلف: ما الدليل على خلافة علي؟ يترك هذا -إن شاء الله- في درس قادم، لأنه تحته مباحث حول النظر في خلافة علي -رضي الله تعالى عنه-، والنظر في أقوال العلماء في هذه المسألة، والنظر في خاصة فيمن يرى أن عليًا مقدم على من ذكر من الخلافاء الثلاثة، كقول الرافضة. فأسأل مولاي -جل وعلا- أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.