الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 156، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الرقية المشروعة هي ما كانت من الكتاب والسنة خالصة، وباللسان العربي المفهوم. الرقية هي سبب والشافي هو الله سبحانه وتعالى.
يشرح شروط الرقية الشرعية الثلاثة ودلائل مشروعيتها من الأحاديث والأفعال النبوية. الرقية سبب والشافي هو الله.
يشرح مشروعية أخذ الأجرة على الرقية مستندًا إلى حديث أبي سعيد الخدري، مع التحذير من استغلالها للتجارة.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فبإذن الله إخواني في الله، سيكون لهذا الوقت من بعد العصر قراءة في رسالة «أعلام السنة المنشورة» بدلًا من القراءة في صحيح البخاري، وذلك حتى نحاول أن ننتهي من الكتاب بقدر الإمكان، فإن شاء الله الحاضر يبلغ الغائب، لأن من بعد العصر بمثل هذه الأيام ستكون القراءة مستمرة في هذه الرسالة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «مرقى المشروعة»، هذا البحث مبحث الرقية، لو تذكرون مرة معنا في الدرس الأخير من هذه السلسلة، عندما تعرض المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة السحر من حيث حكمه ووجوده، ومن حيث حكم فاعله، ومن حيث التداوي من السحر، ثم تطرق إلى مسألة النشرة، وبينا إخواني في الله أن النشرة وهي الطريقة في علاج المسحور أمر شرعي، جاءت الأدلة على جوازه. ومر معنا أن مما يرقى أو مما يشفى به المسحور استخدام الرقى، فناسب أن يذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى لنا ما هي الرقى التي يكون فيها العلاج من السحر. قال رحمه الله تعالى: «ما الرقى المشروعة؟» قال: «هي ما كانت من الكتاب والسنة خالصة». قيدها المؤلف رحمه الله تعالى بالكتاب والسنة. وإن كان بعض العلماء يوسع في هذا المجال، ويقول: «أن تكون بكلام الله وأسمائه وصفاته»، هكذا يعبر بعض العلماء: «أن تكون بكلام الله وبأسمائه وصفاته»، لأن الرقى عبارة عن دعاء، عبارة عن دعاء تلتجئ فيه إلى الله سبحانه وتعالى، تستنجد به، تستغيث به، تطمئن منه، تتضرع إليه، ويكون ذلك بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. فكان الكلام استغاثة واستنجادًا بالله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول العلماء: «أن الرقى تكون بكلام الله وبأسمائه وصفاته». وأفضل ما يرقى به، كما نبه المؤلف بالكتاب والسنة، أنك تنظر في كتاب الله، والقرآن شفاء، قال ربنا جل في علاه: «وننزل من القرآن ما هو شفاء»، فالقرآن فيه شفاء، سر عظيم. وهكذا السنة المطهرة، سيأتي معنا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا الكثير من الأوراد والأدعية، والتي هي بمحل الرقى، نسترقي بها لأنفسنا ولأهلينا ولغيرنا، تحصينًا أو استشفاء. ومن أعظم ما كان نبينا يستخدمه في باب الرقى من آيات الله جل وعلا ما يتعلق بالمعوذتين، ففيه من السر العظيم ومن السر العجيب. ولهذا إخواني في الله، إن يسر الله في ذكر المسائل المتعلقة بالراقي، أنه لا بد أن الذي يقوم بالرقية يقوم ملمًا يعلم هذه المواطن من كتاب الله جل وعلا. لأن من الناس بل ربما يدخل في باب الرقية، لربما يبتكر بعض الأوراد وبعض الأدعية، بعض الأشياء التي هو يفتعلها من نفسه، يرى فيها أنها مجربة نافعة. يقول: «يا عبد الله، احرص على الكتاب، احرص على القرآن، ما هو أبرك من كتاب الله؟ لا شيء، ما هناك أبرك من كتاب الله، وهناك أفضل من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام». فعليك أن تجعل هذا هو المهم، أنك ترقي الناس بكتاب الله جل وعلا، فنبينا كان يكثر من الرقية بالمعوذتين، كما قال النووي رحمه الله تعالى، لأنها من أجمع الآيات والتي فيها الاستعاذة من الشرور جملة وتفصيلًا. «قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد»، فيها ذكر جميع الشرور جملة وتفصيلًا، فلو أن الراقي معنى في هذا الكلام وأتى به على المريض لنفعه. قل لهذا لم يكن يكثر من ذلك. وهكذا «قل هو الله أحد»، فاتحة الكتاب، الفاتحة لها سر عظيم. وقد تكلم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى وأبدع الكلام في عظيم الفاتحة وأثر الفاتحة، وأنه من أعظم سور القرآن، بل وأعظم سور الكتب المنزلة المقدسة، ما هناك سور ولا آية ولا كتاب بمثل ما في فاتحة الكتاب من السر والبلاغ والعظمة. ولقى لهذا يتداوى بها، يستشفى بها، بل حكى الإمام ابن القيم عن نفسه أنه كان ربما يصاب بمرض، أضحك أنه مرة كان في مكة أصيب بمرض، فما كان يرقي نفسه إلا بالفاتحة حتى شفي، حتى شفي بالفاتحة، فيها من البلاغ والعظمة، وفيها من بدائع وحدانية الله ما تذهل له النفوس لمن تدبره وتأملها. فلهذا التأثير عظيم على الأبدان، فيحرص الراقي إخواني في الله من يرقى نفسه، من يرقي غيرهم، أن يحرص على كتاب الله وعلى الأدعية والأوراد الموجودة في السنة. قال رحمه الله تعالى: «هي ما كانت من الكتاب والسنة خالصة». وكانت باللسان العربي، الشرط الثاني أن تكون هذه الرقية باللسان العربي. والإمام الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى في كتابه «معارج القبول» والذي يعتبر من أوسع كتبه، ذكر هذا الشرط مع زيادة: «أن يفهم معناها»، ليس فقط لسان عربي، بل لسان عربي مفهوم. ما تأتي بحروف مقطعة كما يعطي على أهل الشعوذة، نعم يأتي بكلام عربي، لكن لما تسمعه ما تفهمه، إما كلمات عربية مقلوبة أو كلمات عربية مهجاة مجزأة مقطعة، هذا طلاسم، هذا حروز، ما يغني لهذا. لا بد أن يكون باللسان العربي المفهوم. وسأتي معنا في السؤال الذي بعد هذا ما يتعلق بالرقى الممنوعة، سنتعرض لها الآن. هذا الشرط الثاني أن تكون هذه الرقية شرعية، أن تكون باللسان العربي. قال رحمه الله تعالى: «واعتقد كل من الراقي والمرتقي أن تأثيرها لا يكون إلا بإذن الله». وهذا هو الشرط الثالث، أن الراقي عندما يرقي وهكذا المريض عندما يرقى، عليهم أن يعلموا أن الذي يفعلونه هو سبب، سبب من الأسباب، وأن الشافي هو الله سبحانه وتعالى. قال ربنا جل في علاه: «وإذا مرضت فهو يشفي»، الله هو الشافي سبحانه وتعالى، وما الرقى وما الراقي إلا سبب من الأسباب، ما هي إلا سبب من الأسباب. ولهذا عندما سئل نبينا صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي بن مالك، يحسنه جماعة من أهل العلم، قالوا: «يا رسول الله، أرأيت دواء نتداوى به ورقى نسترقى بها، أترد من قدر الله؟» قال عليه الصلاة والسلام: «كله من قدر الله»، كله ذلك من قدر الله. فربنا هو الذي قدر المرض، وربنا جل وعلا هو الذي هيأ الأسباب، أسباب المرض وأسباب العلاج، فكل ذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى. فأنت عندما تدخل إلى باب الرقية، تعلم أنك تتخذ سببًا من الأسباب، والمسبب هو الله الشافي، والله سبحانه وتعالى. وأنبهنا إخواني في الله على أمر، وهذا قد تقع به البلية عند بعض الناس ممن اعتاد أن يستخدم الرقية، لكن يتلقاها من غيره، يطلب من غيره أن يرقيه، تجد أن بعض الناس لربما تكون عقيدة عنده عقيدة بأنه ما من رقية تنفع إلا رقية بني فلان، إلا فلان من فلان، هذا الذي يرقى، شوفي وهذا أسبب عقيدة. والله حدثني بعض الإخوة أن بعض الناس إذا مرض بمرض مثلًا يصاب بشيء من هذه الأمراض العضوية أو الصرعية، فإن دل على فلان وفلان، قل: «لا، لا، لا، فلان يتولى به»، فيقول: «أخي هذا قل أبدًا أريد فلان»، قال: «ربما جئ به، بل ربما وضع يده بسم الله، شوف عقيدة، عقيدة في نفسي أصبح حالة نفسية»، لكن أخطأ يعتقد بهذا الراقي هذا ما يجوز، ما يجوز، هذا تأتي في عقيدة في المعتقد. عليك يا عبد الله أن تعلم أن ما هذا إلا السبب، والشافي هو الله، ليس الراقي، مثل حال لك حال أطباء، أنت مريض تريد أن تتداوى، هل تعلم أن هذا الدكتور أو الجراح أو الطبيب هذا هو شافي؟ تعمل لا، سبب علاجه قد يأتي بالمنفعة، وقد لا يأتيك بالمنفعة، فهو ما هو إلى السبب. وهكذا في باب الرقية، الرقية ما هي إلا سبب من الأسباب، أمر الله جل وعلا وحفى عليها، والشافي في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى. فهذه شروط ثلاثة: أن تكون الرقية بكلام الله بأسمائه وصفاته، وأن تكون بلسان عربي مبين، وأن تعلم أن الرقية ليست مؤثرة في نفسها وإنما هي سبب، أسباب. هذه الشروط الثلاثة أجمع عليها العلماء بالاتفاق، على أن إن اجتمعت في رقية ما، فإن هذه الرقية شرعية جائزة. وقد ذكر الإجماع الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، واتبعه في ذلك السيوطي، حفظهما الله. قال رحمه الله تعالى: «فإن النى صلى الله عليه وسلم قد رقاه جبريل عليه السلام». وهذا مما يدل على مشروعية الرقية، مما يدل على مشروعية الرقية، وأنها جائزة، أن جبريل عليه السلام رقى نبينا صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم، أن جبريل نزل على نبينا صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد، اشتكيت؟» بمعنى مرضت، «صوابك بمعنى أصابك شيء»، قال عليه الصلاة والسلام: «نعم»، قال جبريل: «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، وعين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك». هكذا تلى جبريل عليه السلام هذه الكلمات يرقى بها نبينا صلى الله عليه وسلم. «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، وعين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك». فهذا كان يدل على جواز الرقية، دل على أن النبي رضاها، ارتضى أن يرقى، أن يرقيه جبريل عليه السلام. قال: «قد رقاه جبريل عليه السلام، ورقاه كثير من الصحابة». نعم، نبي رقى كثير من الصحابة، منهم عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى، عندما مرض، أتى إليه نبينا صلى الله عليه وسلم ورقاه: «بسم الله، بسم الله، بسم الله، أعوذ بك من شر ما تجد وتحاذر». كما جاء ذلك بإسناد صحيح. قال: «ورقاه كثير من الصحابة، وأقرهم على فعلها، أقر النبي الصحابة على فعل الرقية». وهذا يدل على الجواز، من ذلك ما جاء في صحيح مسلم، من أن نبينا كان في مجلس، فإذا برجل لدغ بعقرب، لدغه عقرب، فقال رجل: «يا رسول الله، أرقيه؟ أرقيه؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». أولًا هذا الحديث فيه بيان إلى أن الرقية ليس من شرطها تتعلق بالأمراض الروحانية، بعض الناس ما يفهم من الرقية إلا إذا كان المريض عندهم مس أو سحر أو صرف أو عين أو حسد، يرى أن مجالات الرقية في هذا المقام، هذا ليس بصحيح، ليس بصحيح. فإن الرقية هي علاج لهذه الأمراض الروحانية، وهي كذلك علاج للأمراض العضوية، ما في شيء. تأتي إلى رجل ربما عنده التهابات، تقرأ عليه، عنده حمى تقرأ عليه، عنده ورم تقرأ عليه، عنده كسر تقرأ عليه القرآن، شفاء لكل مرض. وانظر لهذا الحديث: «عقرب لدغ عقرب»، قد يقول قائل: «ما علاقة الرقية بعقرب؟ شفاء الله سبحانه وتعالى يجعل في القرآن خصيصة، ما أحد يفهمها إلا ما أراد الله أن يفهم أحد من خلقه أن يفهم أحد من خلقه». فربنا جعل هذا القرآن شفاء. فلما رأى هذا الرجل أن صاحبه قد لدغ بعقرب، قال: «يا رسول الله، أرقيه؟» فقال عليه الصلاة والسلام مؤيدًا ومقرًا وحاثًا: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». فجعلها نبينا منفعة، فمن كان عنده قدرة، الرجل عنده قدرة على القراءة، عنده خلفية في هذا الباب، وما تضره أن يقرأ على أخيه بمرض يقرأ، فإن ذلك من المنافع. «من استطاع منكم أن ينفع»، إذا ليست المنفعة لإخوانك تكون في باب قد تكون في باب، قد تكون في ذلك قراءة، أن تعين في قراءة، تتعاون معه، لو ربما يأتيك في جبين الظلام، وعنده حالة مستعصية، وأنت عندك إلمام بهذا الباب، تقرأ على إخوانك، فإن ذلك من أعظم ما ينتفع به المسلم، أو ينفع به المسلم إخوانه المسلمين. قال رحمه الله تعالى: «وأقرهم على فعلها، بل وأمرهم بها». كذلك من أوجه من أوجه المشروعية والجواز للرقية، أن النبي أمر بها. فانظر، فالنبي فعلها، وفعلت له، وأقر أصحابه، بل وأمرهم بها، مما دل على الأمر بها. أن النبي رأى جارية، وفي وجهها سفعة، فقال: «استرقوا لها، فإن بها نظرة». السفعة هو الأصل صفرة تكون في الوجه، وقيل: أعم من هذا، أن يكون في الوجه نون مخالف ما عليه الوجه، قد يكون اسوداد، قد يكون اصفرار. فلما رأى نبينا هذه الجارية، وفي وجهها سفعة، وهذا من أثر العين، ماذا؟ من أثر عين الجن، الجن ينظر، فلربما خطف ناظره جمال الآدمي، فلربما ينظر فيصيب بعينه، فيؤدي إلى وجود علامة. فلما رأى نبينا هذه الجارية، قال: «استرقوا لها، فإن بها نظرة»، أي نظرة من الجن. فالشاهد قال: «استرقوا لها»، فأمر نبينا بأن ترقى هذه الجارية. فهذا قوله رحمه الله تعالى: «وأمرهم بها». قال: «وأحل لهم أخذ الأجرة عليها»، كل ذلك في الصحيحين وغيرهما. وأحل لهم أخذ الأجرة، مما يدل كذلك على مشروعية الرقية، من أن النبي رقى ورقي، وأقر رقية، وأمرهم بالرقية، كذلك أحل لهم أن يأخذوا أجرة على الرقية، هذا ما فيه شيء. والدليل ما جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد الخدري. عندما ذهبوا إلى قرية، فأبوا أن يضيفوهم، ثم أتوا إليهم أهل القرية، قالوا: «إن سيد هذا الوادي وسيد الحي لدغ، وهذا من راقي أحد منكم يقرأ؟» فقالوا: «نعم، نحن راقي، تفضلوا عندنا، وارقوا سيدنا، أنتم منعتمونا من الضيافة، ومن حق الضيافة، فلابد من أجرة». فاتفقوا معهم على قطيع، وجاء في رواية: «ثلاثين رأسًا على ثلاثين رأسًا من الغنم». فذهب أحد الصحابة إلى هذا المريض، وكان في فراشه مطروح الفراش، فقرأ عليه، فبرأ من لحظة، كأنه نشط من عقال. فأعطاهم أهل القرية أعطوا هؤلاء الجماعة من الصحابة القطيع الذين اتفقوا عليه كأجرة. فلما ذهبوا إلى رسول الله حتى يزيلوا ما في نفوسهم من هذا الإشكال: «هل يصح هذا منا أننا رقينا رجلًا وأخذنا أجرة عليه؟» فسألوا نبينا في ذلك، وأخبروهم، وأخبروا بخبرهم، أقرهم نبينا، قال: «واضربوا لي معكم بسهم»، يجعلوا شريكًا معكم. وهذا قمة في المشاركة منه عليه الصلاة والسلام، ليدل على أن ما صنعوه ليس فيه شيء، وأنك تأخذ الأجرة على هذه الرقية، فهذا فيه أولًا بيان مشروعية الرقية، وفيه كذلك لعظيم أثر الرقية، رجل طريح الفراش، رقية عليه بكلام الله. هنا باب الفائدة: ما الذي قرأ على هذا المريض؟ الذي قرأ عليه الفاتحة، فاتحة الكتاب، ما أعظمها عنه، حتى ما هو طريح، القارئ الذي قرأ هو أبو سعيد الخدري، وصحابي جليل رضي الله تعالى، هو الذي كان مع الصحابة، وهو الذي قرأ على هذا المريض، ما قرأ عليه إلا الفاتحة. وكان من عظيم أثر الفاتحة على هذا الطريح، طريح الفراش، إلى أن قام، فكأنه ما أصيب بشيء. وهذا كما قلنا فيه أثر الرقية، وفيه عظيم القراءة بكتاب الله سبحانه وتعالى، وفيه كذلك كما قلنا أصل المسألة، جواز أخذ الأجرة. وهذا أمر اتفق عليه العلماء على جواز أخذ الأجرة على الرقية، لكن مع القول بالجواز بالإجماع، إلى أن العلماء قالوا: «والأفضل الترك، والأفضل الترك». لهذا أبو سعيد والصحابة لماذا أخذوا الأجرة؟ لرد الاعتبار، لأن قد ردوا هم الآن، ما سنرجع إلا بجعل ما فقروا، وإلا الأفضل ترك ذلك. ونبهنا إخواني في الله على مسألة، على أن بعض من يمتهن الرقية، ومن يتفرغ أو قل حتى يفيد إخوانه في باب الرقية، لربما يتعلق بمسألة الأجرة، والأجرة والأجرة، إخواني في الله، نعم جائزة شرعًا، كما صرح العلماء، بل باتفاق أهل العلم. لكن ينبغي أن يعلم الراقي أن العلماء الذين قالوا بجواز أخذ المال، ذكروا كذلك أن الأفضل ترك المال، يكون هذا في الحسبان، لأنك عندما تحتسب الأجر، فإن الفضل أعظم، فإن الفضل أعظم. الأمر الثاني يا عبد الله: أن لا تستغل الرقية سبيلًا للتجارة، هي ما هي إلا منفعة، منفعة محضة، تنفع يا عبد الله عباد الله، تنفع الرجال تنفع النساء تنفع المرضى، بما آتاك الله من علم ومن قراءة. فاجعل هذا هو الهدف، وهذا هو المقصود، أنك ترفع الضر، وأن يجعلك الله سبب منفعة لإخوانك، لأنك تجعل هذا سبيل للتكسب، واسمع يا عبد الله ما الذي نراه في عالم الناس؟ حتى أن من فعل بعض الناس هذا مما يشوه مسألة القراءة. التكسب حتى أصبحت القراءة على قسمين: تريد قراءة عادية، قراءة عادية هذا بثمن، قراءة خصوصية أغلى، هل هناك قراءة عادية وقراءة خصوصية؟ حتى سمعنا ما يسمى بالطبقات الثلاث: قراءة عادية، وقراءة متوسطة، وقراءة ملكية، هذه الملكية سعرها أغلى. بكثير من يقول بهذا؟ إخواني في الله، هذا التلصص على أموال الناس، يعني إذا قراءة عادية، قراءة بشيء خفيف، والقراءة متوسطة لا، بس يوجد غرفة خاصة، وقراءة ملكية في مكيف، يعني تختفي قراءة من مكان لمكان، هذا إخواني في الله نوع من تلصص على جيوب المسلمين. يتق الله جل وعلا، وأن الله يحب بالمعروف، بمسألة القراءة، يتق الله جل وعلا، فليحمد الله أن الله جعله سبب لنفع إخوانه، فليكن هذا تلصصًا على أموالهم، وأن يستغفلهم، وأن يعرف بعض منهم محتاج للعلاج فيبتز في مثل هذه الأموال، ويسحب منه الأموال الكثيرة والوفيرة بحجة أنه يعالج، هذا ليس بصحيح. إخواني في الله، مع أن من العلماء من قال: «أن الراقي لا يستحق الأجر إلا إذا ظهرت المنفعة»، منبع على هذا، لأن حديث أبي سعيد الخدري فيه هذا، اتفق الصحابة مع أهل القرية أنهم سيقرؤون عليه، إن شفوه لهم قطيع، وافقوا، فلما قرأ، قرأ عليه، قام نشط، أخذوا الأجرة. فبعضهم يرى أن مسألة الأجرة ما يأخذها القارئ إلا إذا ظهرت المنفعة، أم إذا ما ظهرت ما يأخذها؟ إيش لا، أخذها، لماذا تستحي المال؟ أخي على ماذا تقرأ؟ ما نفع، يأتي غيره يغيره، فبعض الناس يدور من هنا إلى هنا، وقد أنفق الأموال الكثيرة، وهو سحب عليه أمواله. إخواني في الله، هذا أمر لا نفتح الباب برمته، ولا نغلقه، لأنه شرع جائز، أخذ الأجرة جائز، لأن بعض الناس صحيح قد يتعطل، تطعط المنافع، يأتي في الصباح: «يا أخي، عندنا حالة ومستعصية، حالة، حالة، حالة»، وأصبح بعض ما يستطع حتى ينشغل بنفسه، وما يستطع حتى يقوم بشؤونه، شؤون بيته، بكثرة تطرق الناس وإتيان الناس. فهو قد يحتاج إلى مال يعينه على نفسه وعلى أهله، ما نمنع، بل هذا بالاتفاق جائز، لكن بالمقابل لا يكون هذا نوع من وعد تكسب، كما سمعت ممن يقسم القراءات على أشكال وأنواع وطبقات، هذا ما أنزل الله به من سلطان. فشاهد إخواني في الله من هذه مسألة أن المؤلف رحمه الله تعالى أولًا ذكر لنا شروط الرقية الشرعية، وأن تتقم على أمور ثلاثة: بأسماء الله وصفاته وكلامه وكتابه، الأمر الثاني أن يكون بلسان عربي مبين، الثالث أن لا تظن أنها مؤثرة في نفسها، ما هي إلا سبب، وأن الله جل وعلا ومسبب الأسباب جل في علاه. ثم شرع المؤلف في بيان مشروعية الرقية، وكيف أن النبي رقى ورقي، وأمر بها، وأقر أصحابه، وأحل لهم المال المكتسب من ورائها، هذا ما يتعلق بالرقية الشرعية. وبقي في درسي غد بإذن الله الكلام على الرقية الممنوعة، وما يتعلق بطرقها وبصفاتها. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.