الدرس في شرح الأصول الثلاثة 17، الدرس السابع عشر : ( وأركانه ستة ... إنا كل شيء خلقناه بقدر ). ألقاها
يتضمن الإيمان بالملائكة الإيمان بوجودهم وعدم عصيانهم لأوامر الله، والإيمان بالكتب يشمل الإيمان بأنها من عند الله وأنزلها على رسله. هذا الإيمان يكون مجملًا ومفصلًا.
الإيمان بالكتب يشمل الإيمان بأنها من عند الله، والإيمان بالقرآن يكون مفصلًا بتصديق إخباراته وامتثال أوامره. الإيمان بالرسل يكون مجملًا ومفصلًا، حيث نؤمن بأنهم رسل من الله وخيار أقوامهم.
يتضمن الإيمان المفصل معرفة رسل الله وأقوامهم ودعوتهم، والإيمان باليوم الآخر والحساب فيه، والإيمان بالقدر خيره وشره. ينسب الشر إلى الله كنسبة مفعول، حيث يعتبر من مخلوقات الله ومقدوراته.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، قال رحمه الله تعالى: وأركانه ستة، أي أركان الإيمان ستة. وأركان الإيمان ستة، قال: أن تؤمن بالله، أن تؤمن بالله. الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. وهذه الأمور قد تقدمت معنا في أول الكتاب. تذكرون هذا أولًا مرت معنا أولًا في أول الكتاب. طيب، مرت فلا نكررها. مرت فلا نكرر قوله: «وَمَلَائِكَتِهِ» أن تؤمن بالله وملائكته. الملائكة هم خلق من خلق الله عز وجل، خلقهم الله عز وجل من نور، كما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وخلقت الملائكة من نور». والإيمان بالملائكة على قسمين: إيمان مجمل، وإيمان مفصل. فأما الإيمان المجمل فهو أن نؤمن بأن لله عز وجل ملائكة، وهم خلق من خلق الله عز وجل، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأن الله عز وجل جعلهم وظائف يقومون بها، فقاموا بها أتم قيام. هذا كإيمان مجمل. وأما الإيمان المفصل، أن نؤمن بمن سماهم الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم من الملائكة، إيمانًا مفصلًا، كجبريل وميكائيل ومالك خازن النار، وجاء في السنة إسرافيل ورضوان، إسرافيل النافخ في الصور، ورضوان خازن الجنة، وكذا منكر ونكير، الذان يسألان الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه. وهكذا من جاء كتاب وسنة أو ما جاء كتاب وسنة بتسميتهم مفصلًا، فنؤمن بأسمائهم مفصلة. وكذلك من الإيمان المفصل أن نؤمن بمن عرفت وظيفته من الملائكة، كجبريل عليه السلام بأنه رسول الله عز وجل إلى رسله بإنزال وحيه عليهم، وأنه أعظم الملائكة عليه السلام. وكذلك ميكائيل أنه الموكل بالقطر، أي بالمطر. وكذلك منكر ونكير يسألان الميت في قبره، وإسرافيل في النفخ في الصور. وهكذا من جاءت فيهم الوظائف المخصصة والمفصلة، فنؤمن بتلك الوظائف التي جعلها الله عز وجل لهم. وكذلك من الإيمان المفصل في الملائكة ما ذكر من أوصافهم، جاء إجمالًا ذكر الملائكة أنهم ذو أجنحة، كما قال الله عز وجل: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فمن الملائكة من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة. هذا إجمالًا وتفصيلًا، كما جاء في جبريل أنه له ستمائة جناح، وأن جناحه إذا فتحه أطبق ما بين السماء والأرض. ونحن ذلك من الصفات التي جاءت في ذكر الملائكة تفصيلًا، فهذا يجب على المؤمن أن يؤمن بها. إذا علم هذا التفصيل، وإن كان لا يعلم هذه التفصيلات، فيكتفى بالإيمان المجمل، كحال بعض العوام والجهال الذين لا يطلعون على العلم إلا على سطحياته، فيكتفى منهم بالإيمان المجمل. قوله: «وَكُتُبِهِ»، كذلك الإيمان بالكتب. والأولى والمراد بالكتب: الكتب، مفردها كتاب. والكتاب كما يقول العلماء رحمهم الله: أطلق الكتاب والمراد به المكتوب، الإيمان بالمكتوب، أي بما في الكتب. أو قل: الإيمان بالكتب أن المراد بها الكتب التي أنزلها الله عز وجل على رسله. إطلاق الكتب التي أنزلها الله عز وجل على رسله، فهذا هو المراد بقوله: «وَكُتُبِهِ»، أي أن تؤمن بالكتب التي أنزلها الله عز وجل على الرسل عليه الصلاة والسلام. وكذلك الإيمان في الكتب مجمل ومفصل. الإيمان المجمل أن تؤمن بأن الله عز وجل أوحى إلى رسله وأنزل عليهم كتبًا من عنده سبحانه وتعالى، تكلم بها ونزل بها جبريل من الله عز وجل إلى رسله. هذا إيمان مجمل يجب على كل أحد أن يؤمن به، بأن الله عز وجل كتبًا أنزلها على رسله. وتفصيلًا أن نؤمن بتفصيل ما جاء مفصلًا في شرع، فمثلًا نؤمن بأن الله عز وجل أنزل على موسى التوراة، وأنزل على عيسى الإنجيل، وأنزل على داود الزبور، وهكذا صحف أنزلها الله عز وجل على إبراهيم، وغير ذلك مما جاء مفصلًا في شريعتنا. فهذه الكتب نؤمن بها، وأنها من عند الله عز وجل أنزلها الله عز وجل على رسله. وهذه الكتب كما سمعتم، الإيمان بها أن نؤمن بأنها منزلة من عند الله عز وجل. هذا كإيمان مجمل، أو كإيمان مفصل في هذه الكتب. ثم يكون الإيمان هذا المفصل بالنسبة للإيمان بالقرآن يكون مجملًا. كيف هذا؟ الإيمان بالقرآن الذي هو كتاب الله عز وجل الذي أنزله على رسوله، وخاتم رسله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الإيمان بالقرآن يكون إيمانًا مفصلًا، بمعنى أن نؤمن بأن الله عز وجل أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه حق ومنزل، ليس بمخلوق، ونؤمن بكل ما جاء في القرآن، وأن نؤمن بكل ما جاء في القرآن، فنؤمن ونصدق بإخباراته، ونمتثل أوامره ونواهيه. بخلاف الكتب الأخرى قبل القرآن، فإن الإيمان فيها أو الإيمان بها بأنها منزلة من عند الله عز وجل، أما امتثال ما فيها فهذا لا يجوز، بل نعتقد أن الكتب كلها المنزلة على الرسل السابقين كلها منسوخة بكتاب الله عز وجل القرآن الكريم، ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ مُصَدِقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، فهذه الآية فيها دلالة على أن القرآن مهيم على جميع الكتب السابقة والتي كانت قبل القرآن، فكل الكتب قبل القرآن منسوخة، فلا يجوز أن يتعبد الله عز وجل بكتاب منزل غير كتاب الله عز وجل. هذا أمر، وأمر آخر أن الكتب السابقة قد مستها الأيدي، التوراة وقع فيها تحريف، والإنجيل وقع فيها كذلك تحريف أشد، وما شابه ذلك. فالكتب المتقدمة وقع أو مستها الأيدي، بمعنى أن الناس قد كتبوا وزادوا ونقصوا من الكتب السابقة، بخلاف القرآن الكريم فإنه محفوظ بحفظ الله عز وجل له، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فالله عز وجل أنزل هذا الذكر الذي هو القرآن، وقال ربنا عز وجل: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فكما سمعتم يكون الإيمان بالقرآن، كما سمعتم إيمانًا مفصلًا بالإيمان والتصديق بإخباراته، وامتثال أوامره ونواهيه، بخلاف الكتب السابقة فإنها منسوخة. قوله: «وَرُسُلِهِ»، كذلك الرسل هم من بعثهم الله عز وجل إلى أممهم، من بعثهم الله عز وجل إلى أممهم بشريعة جديدة أو متجددة. والرسل مفرد رسول، والرسول هو رجل حر عاقل أرسل إليه ربنا عز وجل أو أنزل عليه ربنا عز وجل شريعة، وأمره بتبليغ تلك الشريعة. والإيمان بالرسل كذلك على قسمين: مجمل ومفصل. الإيمان المجمل هو أن نؤمن بأن لله عز وجل رسلًا، والرسل أخص من الأنبياء، وأنهم خيار أقوامهم وصالح أممهم، وأنهم مرسلون من الله رب العالمين بشرائع من عند الله عز وجل رب العالمين، فهم رسل مبلغون عن ربهم عز وجل. هذا كإيمان مجمل. وأما الإيمان المفصل، أن نؤمن بمن قد عرف اسمه منهم. أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذا لا يسع أحد أن يجهله، أن نسمه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن غيره، كالإيمان بموسى، وعيسى، وإبراهيم، وآدم، ونوح، وهود، ولوط، وغيرهم ممن جاء ذكرهم في كتاب الله عز وجل أو جاء في سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فنؤمن بأن أسماء هؤلاء كذلك هذا من الإيمان المفصل. ومن الإيمان المفصل أن يعلم أن هذا الرسول بعث إلى قوم كذا وكذا، فموسى بعث إلى بني إسرائيل، وكذا عيسى، وأن نوحًا عليه السلام كان أول من أرسل إلى أهل الأرض من المرسلين، وإبراهيم عليه السلام بأنه كان من المرسلين، بل هو أبو المرسلين وسيد الحنفاء في زمانه، بل على جميع الناس إلا على نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن العلماء يقولون: أفضل الأنبياء مطلقًا والرسل محمد، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم اختلف في نوح وعيسى أيهم أفضل. فهؤلاء الخمسة صلوات الله وسلامه عليهم هم أفضل الرسل مطلقًا: محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم عليه السلام، ثم موسى عليه السلام، ثم عيسى أو نوح عليهما السلام. وكذلك من الإيمان المفصل بالرسل أن نؤمن بما جاء في إخباراتهم في كتاب الله عز وجل مع أممهم وأقوامهم، وما دعوا به إلى الله عز وجل، وكيف كانت دعوتهم وتوكلهم واعتصامهم بالله عز وجل، وصبرهم في ذات الله عز وجل، إلى غير ذلك من المعاني التي جاء ذكرها في كتاب الله عز وجل تفصيلًا، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كذلك. قوله: «وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»، المراد به يوم القيامة، أي واجب على المسلم أن يؤمن بأن هناك يوم يقال له يوم القيامة، وأن الناس يخرجون من قبورهم إلى يوم القيامة للحساب. وقيل: سمي يوم القيامة اليوم الآخر لأنه آخر الأيام، لأنه بعد ذلك إما إلى جنة ونعيم، وإما إلى نار وجحيم والعياذ بالله. فالإيمان باليوم الآخر أن يؤمن الإنسان كما سمعتم بأن هناك يومًا يجمع الله عز وجل فيه الأولين والآخرين، ويحاسبهم، ويحصل في ذلك اليوم ما يحصل من الأمور العظام والشدائد الكبار في ذلك اليوم. فهذا كذلك من أركان الإيمان الذي يجب على كل مسلم أن يؤمن به، يوم يخرجون من الأجداث سراعًا كأنهم إلى نصب يفضون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون. يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلًا إلى آخر الآيات التي فيها دلالة على أن الله عز وجل يبعث الناس إلى يوم القيامة. وهذه أدلته كثيرة، وكما سمعتم هو ركن من أركان الإيمان. قوله رحمه الله: «وَتُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، القدر أن يؤمن الإنسان بالقدر بأن ما هو حاصل وموجود وما يحصل وما سيحصل هو بقضاء الله وقدره، هو بقضاء الله عز وجل وقدره، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما من شر في هذا الكون إلا بقدر الله عز وجل، علمه الله عز وجل وكتبه وشاءه وخلقه. فالإيمان بالقدر أن تؤمن بأن كل شيء هو بقدر الله عز وجل وقضائه، وأن ما هو في هذا الكون، ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، لأنه كله بقضاء الله وقدره، كله بقضاء الله عز وجل وقدره. وقوله: «تُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، أي أنه كله من الله، أي أن كله من الله، الخير والشر من الله عز وجل، فالله عز وجل هو الذي قدر الخير وهو الذي قدر الشر سبحانه وتعالى، فلا يخرج شيء عن مقدوره ولا عن قدر قضائه وقدره سبحانه وتعالى. والشر لا ينسب إلى الله عز وجل نسبة فعل، بمعنى لا يقال: إن من أفعال الله عز وجل الشر، لأن هذا ليس فيه أدب مع الله. ولكن يقال أيضًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك»، ولكن ينسب الشر إلى الله عز وجل نسبة مفعول، فيقال: إن من مخلوقات الله عز وجل الشر، ومن مقدورات الله عز وجل الشر. واضح هذا.