شرح اللآلئ البهية 25

شرح اللآلئ البهية 25

الدرس في شرح اللآلئ البهية 25، الدرس الخامس والعشرون : فيه : ( وقال الإمام أحمد بن حنبل ... للذين أحسنوا الحسنى وزيادة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسألة خلق القرآن واللفظ والحكاية

يناقش المقطع مسألة خلق القرآن ويركز على قول الإمام أحمد بن حنبل 'القرآن كيف تصرف فهو غير مخلوق'. كما يشرح معنى أن الكلام ينسب لمن قاله ابتداء، ويعود إليه الوصف.

تحذير الإمام أحمد من الكلام والجدال

يذكر المقطع تحذير الإمام أحمد بن حنبل من الخوض في الكلام والجدال، ويبين أهمية الرجوع إلى أهل العلم في المسائل الدقيقة.

الرؤية والنزول يوم القيامة

يناقش المؤلف مسألة الرؤية والنزول، ويشرح رؤية المؤمنين لله تعالى يوم القيامة في الجنة، ويستدل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية.

ختام الدرس وتوجيهات للمستقبل

يتم ختام الدرس الحالي مع الإشارة إلى احتمالية استكماله في درس قادم، مع توجيه الشكر للمستمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى، بكتاب "الآلية والبهية في شرح الإلمامية لشيخ الإسلام ابن تيمية". قال: وقال الإمام أحمد بن محمد، رحمه الله تعالى: "القرآن كيف تصرف فهو غير مخلوق"، ولا نرى القول بالحكاية والعبارة، وغلط من قال بهما وجهله. فقال: من قال إن القرآن عبارة عن كلام الله، فقد غلط وجهل. قال: وقوله تعالى: ﴿تَكْلِيمًا﴾ يبطل الحكاية، يعني أنه تكلم حقيقيًا؛ لأن الكلام ليس نفسيًا، بل كلام حقيقي، بدليل تأكيده بهذا المصدر: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، فدل أنه كلام حقيقي بحرف وصوت يليق بجلال الله وعظمته. قال: ﴿مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ﴾، ومعنى "منه بدأ" أي الكلام، وإليه يعود أي الوصف. فالكلام ينسب إلى من قاله ابتداء، فأنت إذا قلت: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، هكذا قلت، هل تقول هذا قولك أو قول النبي عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: قول النبي عليه الصلاة والسلام. فالكلام ينسب إلى من قاله ابتداء، فلو تناقلته الألسن، وكذلك تعددت النقولات، فإن السلام يرجع إلى من قاله ابتداء: "منه بدأ وإليه يعود". هذا أحد التفسيرين لهذه الجملة. وقد جاء معناه في حديث "حديثة" عند ابن ماجة بإسناد حسن. ومعنى الثاني -وهو الذي جاء في حديث "حديثة"-: "منه بدأ وإليه يعود"، أي منه أنزل القرآن من الله سبحانه، وإليه يعود أي يرفعه في آخر الزمان حين لا يعمل به الناس، يرفعه الله سبحانه وتعالى إليه. عبارة الإمام أحمد هذه ذكرها الذهبي، رحمه الله، في "السير"، وكذلك ذكرها في "تاريخ بغداد" وفي "طبقات الشافعية" للسبكي. أي معنى هذه العبارة، وفيها قصة لطيفة ومفيدة، فلذلك نقرأها من كلام الذهبي، رحمه الله، في "السير". قال الذهبي، رحمه الله تعالى: قال الحاكم المعدل الأصم: سمعت محمد بن سحاق الصاغاني، سمعت فوران صاحب أحمد يقول: سألني الأكرم وأبو عبد الله المعيطي أن أطلب من أبي عبد الله خلوة -يعني أجلس معه لوحدي- فأسأله فيها عن أصحابنا الذين يفرقون بين اللفظ والمحكي. فسألته، فقال: "القرآن كيف تصرف في أقواله وأفعاله فغير مخلوق، وأما أفعالنا فمخلوقة". ومراده، رحمه الله، في قوله: أسأل عن بعض أصحابنا، يعني أن بعض من كان يتصل بطلبة الإمام أحمد، رحمه الله، دخل فيه مسألة اللفظ والحكاية، وهي جاءت من الجهمية ومن أفراق الجهمية. قال: فسألوا الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، بذلك. وانظر إلى أهمية الرجوع إلى أهل العلم في معرفة المسائل الدقيقة الخفية. قال: فأسأله فيها، قال: أطلب من أبي عبد الله خلوة فأسأله فيها عن أصحابنا الذين يفرقون بين اللفظ والمحكي. فسألته، فقال: "القرآن كيف تصرف في أقواله وأفعاله فغير مخلوق؛ لأنه يرجع إلى من قاله ابتداء". قال: فأما أفعالنا فمخلوقة. قلت: فاللفظية، فعدهم يا أبا عبد الله في جملة الجهمية؟ فقال: لا، الجهمية الذين قالوا القرآن مخلوق. وبهذا نعرف معنى كلمة إمام أحمد، رحمه الله: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع؛ لأنه بين شرين. أي مسألة اللفظ، صاحبها بين شرين: إن قال لفظي بالقرآن مخلوق، وأراد باللفظ نفس الكلام في القرآن، فوافق الجهمية. والله عز وجل قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فرق بين الأمر والخلق، فهو ليس بمخلوق. وإن أراد بذلك لفظي -أي فعل العبد- فوافق بذلك القدرية الذين لا يقولون بخلق أفعال العباد. فإذا معنى عبارة الإمام أحمد، رحمه الله، هنا تفسر بمعناها هنا، يعني أنه أحد رجلين: جهمي حقيقة تلبس بلباس السنة، وإما أنه جاهل لا يدري. وهذا الذي سيأتي، وإما أنه جاهل لا يدري، وافق الجهمية من حيث لا يشعر. قال: فقلت: فاللفظية تعدهم يا أبا عبد الله في جملة الجهمية؟ فقال: لا، الجهمية الذين يقولون قرآن مخلوق. قال: وبهذا قال. وسمعت فوران يقول: جاءني ابن شداد برقعة فيها مسائل، وفيها: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق. انظر إلى أهمية الرجوع إلى أهل العلم، خصوصًا في مثل هذه المسائل الدقيقة. جاء يسأل إمام أحمد عن رقعة -يعني كأنها فتوى أو كتابة كتب بها بعض أصحابه- قال: جاءني ابن شداد برقعة فيها مسائل، وفيها: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق. فضرب أحمد بن حنبل على هذه -يعني شطب عليها- وقال: "وكتب القرآن حيث تصرف غير مخلوق". يعني لا يحتاج أن يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. لماذا؟ لأن كلمة لفظي تحتمل على معنيين: تحتمل على القرآن الذي هو غير مخلوق، وتحتمل على فعل العبد الذي هو مخلوق. والقاعدة أن الألفاظ المجملة تحتمل على معنيين، يفصل في معناها، ويثبت المعنى الصحيح، وينفى المعنى الفاسد. قال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: من زعم أن أسماء الله مخلوقة أبغضه تكفيرًا. وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله يقول: من تعاطى الكلام لا يفلح. من تعاطى الكلام لم يخلو من أن يتجهم. وهذا هو الشاهد أن أكثر هذه العبارات دخلت على من دخلت عليه بسبب خوضه في كتب أهل الكلام، كتب أهل البدع. قال: وقال حمل: سمعت أبا عبد الله يقول: من أحب الكلام لم يفلح؛ لأنه يقول: أمرهم إلى حيرة. عليكم بالسنة والحديث، وإياكم والخوض في الجدال والمراء. أدركنا الناس وما يعرفون هذا الكلام. عاقبة الكلام لا تؤول إلى خير. ومعناه أن هؤلاء دخل عليهم الشر من هذا الباب. فهذه فائدة نستفيدها من سير العلماء: ما على إمام كيف أنهم مع علمهم وجلالتهم كانوا يستفيدون من علمائهم وأكابرهم. وهذا لا ينبغي لطالب العلم: بعض المسائل الدقيقة قد يراها بكتب بعض أهل العلم فيلتبس عليه، يظن أن المسألة خلافية، ولكن المسألة ليس فيها خلاف، ولكن من لم يعرف العقيدة من أهلها يلتبس عليه الأمر. قال: وهذا أيضًا باطل من وجوه. ليس هذا موضع ذكرها. فأين الحياة من الله ومن رسوله ومن أمة المسلمين وعامتهم؟ والاستدلال على تلك المسألتين العظيمتين -التي الكلام فيهما مزلة أقدام ومظلة أفهام- نسأل الله التوفيق والثبات للممات آمين. ومراد أن هاتين المسألتين عظيمتين: مسألة الإيمان ومسألة الكلام. ومع ذلك انظر أهل البدع بماذا استدلوا؟ استدلوا ببيتين شعريين مطعون فيهما. مطعون في هذين البيتين. فكيف بعد ذلك يعارض بهذا المطعون ما لو كان ليس بمطعون لا يتحمل معارضة دليل واحد من الكتاب والسنة؟ وليس هو دليلًا، بل أدلة إثبات العلو أكثر من ألف دليل كما ذكر ابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصواعق المرسلة". قال: وقد صرح الناظم، رحمه الله، بالذم على من رغب عن منهاج أهل السنة. ومعنى "رغب" زهد. قال: وبيّن العلة بذلك بقوله: وإذا استدل -أي على مسألة القرآن ومسألة الكلام- يقول هو قال الأخطل -يعني بقوله-: قد استوى. قال: إشارة إلى قول الأخطل المتقدم ذكره -يعني ليس قد استوى، وإنما: "إن الكلام لفي الفؤادي وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا"- قال: قال الموفق: سألت شيخنا في العربية -هذا الخشاب- عن هذا البيت، فقال: فتثبت دواوين الأخطل القديمة فلم أر هذا البيت فيها، وإنما وجدت: "إن البيان لفي الفؤاد"، فحرفوه إلى آخره. والله أعلم -يعني أن البيت حتى في نسبته إلى الأخطل شك-. قال تنبيه: قال الإمام أحمد وغيره: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، وكماله المقدس مكتضي لكلامه، وكماله من لوازم ذاته، فلا يكون إلا كاملًا. والمتكلم أكمل ممن لم يتكلم. انتهى بحروفه. يعني من معنى كلام الإمام أحمد، رحمه الله. فأولًا أن صفة الكلام صفة تتعلق بالمشيئة، وهو يتكلم متى شاء بما شاء، يتكلم متى شاء بما شاء سبحانه وتعالى، ولا نهاية لكلماته سبحانه. وهذا لكذلك أن الكلام صفة كمال. الكلام صفة كمال، ولهذا فإن المخلوق الذي لا يتكلم يعد ذلك نقصًا. والله عز وجل له كل كمال. الله عز وجل له كل كمال، وهو الكامل جل وعلا من كل وجوه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فأراد أن ينبه على هاتين المسألتين في مسألة الكلام: أن الذي لا يثبت لله عز وجل الكلام فقد شبهه بالجمادات والمعدومات. شبهه بالجمادات والمعدومات، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: فصل. ولما أنهى الناظم الكلام على مسألة القرآن والاستواء، شرع يتكلم على الرؤية والنزول. فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ حَقًّا رَبَّهُمْ﴾. قال: والمؤمنون -أي بربهم ورسله- إيمانًا لا يعتريه شك؛ لأن هذا هو معنى الإيمان كما مر معنا في أوائل الكتاب. ويرون حقًا ربهم -قال: أي يوم القيامة- يعني في الجنة. والرؤية التي أثبتتها الأئمة رؤية أهل الجنة للرب سبحانه وتعالى، كما سيأتي في قول الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. ورؤية في عرصات يوم القيامة، كما جاء في حديث أبي هريرة، وهكذا كذلك حديث أبي سعيد، وجماعة من الصحابة، سيأتي ذكرهم إن شاء الله. قال: يوم القيامة -يعني في الجنة- هذه أكمل الرؤية؛ لأنها ليست إلا لأهل الإيمان. ولهذا قال: يعني في الجنة. أما في عرصات يوم القيامة، فالرؤية ليست خاصة بالمؤمنين، فالرؤية للمؤمنين وللمنافقين وغيرهم من أهل الكتاب، كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: أي حقيقة لا مجازًا. وكذا كذلك للذين أحسنوا الحسنة والزيادة. جاء تفسيرها مرفوعًا وموقوفًا، والمرفوع -ولو كان فيه انقطاع- لكنه معناه صحيح، تؤيده عدد من الموقوفات: من أن الزيادة هي الرؤية للرب سبحانه وتعالى. قال: وأما الأحاديث النبوية فكثيرة جدًا. فأخرج مسلم والترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أبي الجنة، يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم". ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. والحديث معناه صحيح. والحديث معناه صحيح، ولو كان بعض أهل العلم تكلم في انقطاعه عن ذي، لكنه تؤيده آثار كثيرة. طيب، نقف عند هذا الحد. إن كان الوقت، نكمل إن شاء الله في درس قادم. والحمد لله رب العالمين. شكرًا لكم.