الدرس في شرح القواعد الأربع 6، الدرس السادس:من( مسائل متعلقة بالقاعدة الثانية ). ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل شبهة يطرحها بعض الجهلة وأهل الأهواء والبدع في عبادة غير الله، ويشرح تأثير أفكار الجاهلية عليهم.
يرد هذا الفصل على شبهة اتخاذ الوسائط للوصول إلى الله واستخدامها في الدعاء، ويبين أنها من أفكار الجاهلية.
يشرح هذا الفصل استغناء الله عن الوسائط لعلمه الشامل بكل شيء، ويبين الفرق بين حاجة الحاكم والله إلى الوسائط.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، كَانَ الْكَلَامُ فِي الدَّرْسِ الْمَاضِي عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ، وَفِيهَا مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعْتَقَدِ الْكُفَّارِ فِي تَعَبُّدِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَأَنَّهُمْ إنَّمَا صَرَفُوا الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ لِغَيْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا لِقَصْدِ الْقُرْبَةِ وَالشَّفَاعَةِ. وَمَرَّ مَعَنَا فِي الدَّرْسِ الْمَاضِي مَا يَتَعَلَّقُ بِمَفْهُومِ الشَّفَاعَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَأَنَّ الشَّفَاعَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ: الشَّفَاعَةُ الْمُثْبَتَةُ وَشَفَاعَةٌ مَنْفِيَّةٌ، أَوْ قُلْ شَفَاعَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَشَفَاعَةٌ شِرْكِيَّةٌ، أَوْ قُلْ شَفَاعَةٌ صَحِيحَةٌ وَشَفَاعَةٌ بَاطِلَةٌ. وَهَذَا كَمَا قُلْنَا مُسَمَّيَاتٌ لِقِسْمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ الصَّحِيحَةَ التَّفْصِيلُ فِيهَا. فَمَا كَانَ مِنْ الشَّفَاعَةِ الَّتِي بِإِذْنِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا وَرِضَاهُ فَهِيَ الَّتِي تَعْمَلُ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ الْمُثْبَتَةُ. وَهُنَا مَسْأَلَةٌ وَهِيَ تَتِمَّةٌ لِلْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ. قَدْ عَلِمْنَا وَأَشَرْنَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنَّ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ فِي تَدَيُّنِهِمْ وَفِي تَوَجُّهِهِمْ لِأَوْثَانِهِمْ، لِلْأَسَفِ قَدْ دَرَجَ عَلَيْهِ الْكَثِيرُ مِنْ الْجُهَلَاءِ وَمِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَمِمَّنْ تَأَثَّرَ بِأَفْكَارِ الْجَاهِلِيَّةِ. حَيْثُ أَنَّهُمْ نَرَاهُمْ قَدْ صَرَفُوا الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ لِغَيْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، كَمْ مِنْ رَجُلٍ لَرُبَّمَا يَذْهَبُ عِنْدَ الْقُبُورِ وَعِنْدَ الْأَضْرِحَةِ، ثُمَّ يُصَرِّفُ لَهَا الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ الْكَثِيرَةِ، فَذَاكَ يُصَلِّي عِنْدَهَا أَوْ لَهَا، وَآخَرُ يَنْحَنِي وَيَرْكَعُ لَهَا، وَآخَرُ يَطُوفُ حَوْلَهَا، وَذَاكَ يَهْتِفُ بِاسْمِهَا وَيَسْتَغِيثُ بِأَهْلِهَا، وَذَاكَ يَأْتِي بِالْقَرَابِينِ وَيَذْبَحُ الْأَنْعَامَ وَالْهَدْيَ عِنْدَهَا، وَآخَرُ شَدَّ الرِّحَالَ مِنْ أَقْصَى الدِّيَارِ لِأَجْلِهَا. كُلُّ ذَلِكَ مِنْ مَظَاهِرِ الْعُبُودِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، يُظَاهِرُونَ حَالَ مَنْ كَانَ مِنْ الْمَاضِينَ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُمْ كَمَا قُلْنَا أَرَادُوا هَذَا الطَّلَبَ، أَرَادُوا الْقُرْبَةَ وَالشَّفَاعَةَ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ابْتُلُوا بِهَذِهِ الْبَلِيَّةِ وَتَشَبَّهُوا بِأَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَهُمْ شُبَهٌ فِي هَذَا الْبَابِ. وَنَأْتِي بِشُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى نَفْهَمَ فَلْسَفَةَ أُولَئِكَ الْقَوْمِ مِمَّنْ انْحَرَفُوا عَنْ الْفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ وَعَنْ الْمِلَّةِ الْقَوِيمَةِ. شُبْهَةُ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّمَا نَحْنُ نَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّنَا نَتَوَجَّهُ إلَى الْأَضْرِحَةِ وَنَأْتِي إلَى الْقُبَابِ وَنَخْضَعُ عِنْدَ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ الْأَمْوَاتِ، إنَّمَا مُرَادُنَا مِنْ ذَلِكَ أَنْ نَصِلَ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. هُمْ يَقُولُونَ هَذَا مُرَادُنَا أَنْ نَصِلَ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: نَحْنُ نَعْرِفُ مِنْ أَنْفُسِنَا مَنْ نَحْنُ، نَحْنُ عِنْدَنَا مِنْ التَّقْصِيرِ وَعِنْدَنَا مِنْ التَّفْرِيطِ فِي جَنْبِ اللَّهِ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ، مَا قُمْنَا بِالْعُبُودِيَّةِ الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ جَلّ وَعَلَا، قَصَّرْنَا فِي الطَّاعَاتِ، فَرَّطْنَا فِي الْوَاجِبَاتِ، إنْ غَمَسْنَا فِي الْمُوبِقَاتِ أَهْلَكْنَا أَنْفُسَنَا بِالْمُنْكِرَاتِ. عِنْدَ مَنْ الْبَلَاءُ؟ مَا نَحْنُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ أَنْفُسِنَا، فَنَحْنُ بِهَذَا الْمُسْتَوَى مِنْ التَّدَنِّي لَا يُؤَهِّلُنَا أَنْ نَصِلَ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، فَنَحْنُ نَشْعُرُ نَشْعُرُ فِي قَرَارَةِ أَنْفُسِنَا أَنَّنَا إنْ تَصَدَّقْنَا وَإنْ بَذَلْنَا أَمْوَالَنَا فَإِنَّهَا مَرْدُودَةٌ عَلَى وُجُوهِنَا، وَنَعْلَمُ بِأَنَّنَا مَهْمَا تَعَبَّدْنَا اللَّهَ بِعِبَادَاتٍ فَإِنَّهَا مَرْدُودَةٌ، وَأَنَّنَا مَهْمَا دَعَوْنَا اللَّهَ جَلّ وَعَلَا فِي لَيْلِنَا وَنَهَارِنَا وَرَفَعْنَا أَكُفَّنَا إلَى السَّمَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَسْتَجِيبَ لِدَعَائِنَا لِعِظَمِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ. قَالُوا: فَمَا الْحِيلَةُ لِلْوُصُولِ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا إلَّا عَنْ طَرِيقِ الْأَوْلِيَاءِ؟ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ هُمْ رِجَالُ اللَّهِ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَهُمْ الْبَابُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، إنْ قُطِعَتْ السُّبُلُ عَنْ اللَّهِ فَنَأْتِي لَهُمْ، نَأْتِي عِنْدَهُمْ وَنَدْعُو لَهُمْ وَنَسْأَلُ وَنَسْ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ هَؤُلَاءِ يَشْفَعُونَ لَنَا عِنْدَ اللَّهِ جَلّ وَعَلا. فَمَا نَحْنُ فِيهِ مِمَّا تَرَوْنَ إلَّا مِنْ هَذَا الْبَابِ، قَدْ يَأْئِسَ أَنْفُسُنَا مِنْ الْوُصُولِ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، فَأَرَدْنَا هَذَا الْمَسْلَكَ، نَأْتِي عِنْدَ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، نَلْتَمِسُ مِنْهُمْ الْخَيْرَ عَلَّ وَعَسَى أَنْ هَؤُلَاءِ يَشْفَعُونَ لَنَا عِنْدَ اللَّهِ. يَأْتِي الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ، فُلَانٌ وَفُلَانٌ عَبْدُكَ مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، اِلَيْهِمَا يَا رَبِّ، اِرْحَمْهُمَا، اِغْفِرْ لَهُمَا، وَهَكَذَا يَأْتِي هَؤُلَاءِ الْأَمْوَاتُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ فَيَشْفَعُونَ لَنَا عِنْدَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَهَذَا الْمَسْأَلَةُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ لَيْسَ مُحْضَ خَيَالٍ أَوْ مُحْضِ الْتِفَاتٍ، بَلْ هَذَا يَدَنْدِنُونَ بِهِ، وَمَنْ جَالَسَ هَؤُلَاءِ الْمُتَعَبِّدِينَ مِمَّنْ يَرْكَعُ عِنْدَ الْقُبُورِ يَسْمَعُ هَذِهِ الدَّنْدَنَةَ، يَدَنْدِنُ عَلَى هَذَا السُّلُوكِ، أَنَّنَا مَا نَحْنُ فِيهِ إلَّا مِنْ هَذَا الْبَابِ، نَأْتِي هَؤُلَاءِ حَتَّى نَصِلَ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. الْجَوَابُ عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَعَلَى هَذِهِ الْفِرْيَةِ، وَهِيَ كَمَا يَقُولُونَ مُنْتَشِرَةٌ وَخَاصَّةً عِنْدَ أَتْبَاعِهِمْ مِنْ الْعَوَامِ وَالْجُهَّالِ وَأَشْبَاهِ الْعَوَامِ، يَدَنْدِنُونَ بِهَا، وَكَذَا تَسْمَعُونَ فِي مُحَاضَرَاتِهِمْ، وَإِذَا أَرَادَ الدَّعَاةُ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ أَنْ يُدَغْدِغُوا عَوَاطِفَ أَتْبَاعِهِمْ حَرَّكُوا هَذَا الْمُؤَشِّرَ وَضَرَبُوا عَلَى هَذَا الْوَترِ، وَأَرَوْا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ بِأَنْفُسِنَا أَنْ نَصِلَ إلَى اللَّهِ، لَابُدَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ الْوَسَاطَةِ. الْجَوَابُ عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةِ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا التَّفْكِيرَ هُوَ بِنَفْسِهِ هُوَ تَفْكِيرُ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، مَا كَانَ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ فِي زَمَنِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. كَانَ هَذَا النَّمْطُ هُوَ بِنَفْسِهِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ، الْكَافِرُ الْجَاهِلِيُّ الْكَافِرُ الْجَاهِلِيُّ قُلْنَا مِنْ قَبْلُ: إنَّهُ يَقِرُّ بِوُجُودِ اللَّهِ وَبِوُجُودِ الرَّبِّ جَلّ وَعَلَا، بَلْ قُلْنَا: إنَّ مِنْ مُعْتَقَدَاتِهِ مِنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالْحِسَابِ وَبِالْبَعْثِ، بَعْضُ هَؤُلَاءِ. فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ جَاهِلِيَّةٍ مِنْ سَفْكٍ لِلدِّمَاءِ وَمُعَاقَرَةٍ لِلْخُمُورِ وَفِعْلِ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ، أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تُؤَهِّلُهُمْ أَنْهُمْ يَتَوَجَّهُونَ إلَى اللَّهِ مُبَاشَرَةً. هَذَا الْكَافِرُ الْجَاهِلِيُّ، وَلِهَذَا قُلْنَا: كَانُوا عَمَّا يَبْحَثُونَ، كَانُوا يَبْحَثُونَ عَنْ أَرْوَاحٍ طَاهِرَةٍ - انْظُرْ - أَرْوَاحٍ طَاهِرَةٍ أَوْ يَظُنُّونَهَا أَنَّهَا طَاهِرَةٌ مِنْ مَلَائِكَةٍ مِنْ أَنْبِيَاءَ مِنْ صَالِحِينَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ، يَبْحَثُونَ عَنْ هَؤُلَاءِ لِمَاذَا؟ لِهَذَا السَّبَبِ. رَأَوْا أَنَّهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمَا تَلَطَّخَتْ بِهِ أَيْدِيهِمْ مِنْ الْآثَامِ وَالْأَوْزَارِ لَا تَخُولُهُمْ أَنْ يَدْعُوا اللَّهَ مُبَاشَرَةً، اسْتَحْيَوْا مِنْ اللَّهِ وَاسْتَحْيَوْا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَبَحَثُوا عَنْ أَرْوَاحٍ طَاهِرَةٍ، جَسَدُوْهَا عَلَى صُوَرٍ وَأَشْكَالٍ تَمَاثِيلَ وَأَصْنَامًا يَتَوَجَّهُونَ إلَيْهَا لِمَاذَا؟ كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿وَمَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وَهَذِهِ نَفْسُ التَّفْكِيرِ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْقُبُورِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ، اللَهُمَّ إلَّا أَنَّ أُولَئِكَ اتَّخَذُوا أَصْنَامًا وَأَوْثَانًا، وَأَمَّا فِي هَذَا الزَّمَانِ اتَّخَذُوا تَوَابِيتَ وَقُبَابًا، وَأَمَّا الْفَلْسَفَةُ وَاحِدَةٌ. مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلُ الْعَرَبِيُّ فِي أَيَّامِ شِرْكِهِ هُوَ بِنَفْسِ التَّفْكِيرِ الَّذِي عَلَيْهِ هَذَا الضَّالُّ الَّذِي الْتَجَأَ إلَى الْقُبُورِ وَالْتَجَأَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ، الْكُلُّ اعْتَرَفَ أَنَّهُ بِإِمْكَانِهِ بِنَفْسِهِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِلَ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، فَاحْتَاجَ إلَى وَاسِطَةٍ تَصِلُهُ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَالْكُلُّ يَقُولُ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فَهَذِهِ إخْوَانِي نَفْسُ الْعَقِيدَةِ الَّتِي عَلَيْهَا أَهْلُ الشِّرْكِ، وَهَذَا يَنْدِلُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ مَا عَرَفُوا مَا هُوَ الشِّرْكُ وَمَا صُوَرُ الشِّرْكِ. وَمَرَّ مَعَنَا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الصُّوَرِ الَّتِي تَحْمِي عَبْدًا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الِانْحِرَافِ: أَنْ يَعْرِفَ الشَّرَّ وَيَعْرِفَ مَوَاطِنَ الشَّرِّ حَتَّى لَا يَقَعَ فِيهِ، فَهَؤُلَاءِ جَهِلُوا الشَّرَّ وَجَهِلُوا الشِّرْكَ وَجَهِلُوا صُوَرَهُ، فَوَقَعُوا فِيهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ. وَلِهَذَا قَدْ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِنْ اتَّخَذَ وَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا فِي جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ فَإِنَّهُ مُشْرِكٌ كَافِرٌ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَا صَنَعَانِي فِي تَطْهِيرِ الِاعْتِقَادِ، وَكَذَا الشَّوْكَانِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَغَيْرُهُمْ. أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مِنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَاسِطَةً فِي جَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ فَإِنَّ هَذَا مُشْرِكٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي أَوْ الرَّدُّ الثَّانِي عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، جَلّ فِي عُلَاهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي طَلَبَ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَدْعُوهُ مُبَاشَرَةً. فَرَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ عِبَادَهُ بِأَنْ يَتَّخِذُوا وَاسِطَةً، بَلْ الرَّبُّ جَلّ فِي عُلَاهُ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَلِجَئُوا إلَيْهِ مُبَاشَرَةً. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، انْظُرْ إلَى التَّرْهِيبِ فِي دَعْوَتِهِ، وَانْظُرْ إلَى التَّرْهِيبِ مِنْ تَرْكِ الدَّعْوَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. الرَّبُّ يَغْضَبُ جَلّ فِي عُلَاهُ إذَا تَرَكَ النَّاسُ دَعْوَتَهُ؛ لِأَنَّ الدَّعَاءَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ تُعْتَبَرُ مِنْ أَجَلِّ الْعِبَادَاتِ وَمِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ دِلَالَةٍ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ مُفْتَقِرٌ إلَى رَبِّهِ، الدَّعَاءُ وَسِيلَةٌ، فِيهَا يَظْهَرُ أَنَّ الْعَبْدَ مُحْتَاجٌ وَأَنَّهُ فَقِيرٌ وَلَجَأَ إلَى رَبِّهِ جَلّ وَعَلَا، فَيَلِحُّ، وَلِهَذَا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدَّعَاءِ. تَلِحُّ فِي الدَّعَاءِ، تُكْثِرُ مِنْ الدَّعَاءِ، وَعَلَى هَذَا كَانَ أَهْلُ الصَّلَاحِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، كَانُوا يُكْثِرُونَ مِنْ دَعَائِهِمْ لِلَّهِ جَلّ وَعَلَا فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ؛ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ بِالدَّعَاءِ. إِذَنْ فَمَا فِي دَاعٍ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِأَنْ تَأْتِيَ إلَى الْوَسَائِطِ، تَذْهَبُ إلَى الْقُبَابِ، تَذْهَبُ إلَى الْقُبُورِ، تَذْهَبُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ، إلَى السُّدَنَةِ، إلَى الْأَضْرِحَةِ، هَذَا لَيْسَ لَهُ دَاعٍ؛ فَرَبُّكَ لَمْ يَأْمُرْكَ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَمَرَ رَبُّنَا بِأَنْ تَأْتِيَ إلَيْهِ. فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَ بِأَنَّ مَنْ أَتَاهُ لَنْ يَرُدَّهُ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى اللَّهِ مُبَاشَرَةً؛ فَالرَّبُّ فِي غِنًى جَلّ فِي عُلَاهُ عَنْ الْوَسَائِطِ. الرَّدُّ الثَّالِثُ فِي الرَّدِّ عَلَى هَذِهِ الْفِرْيَةِ: أَنَّ هَذَا فِيهِ تَمْثِيلُ الْخَالِقِ بِخَلْقِهِ، تَمْثِيلُ الْخَالِقِ بِخَلْقِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. قَالَ جَلّ فِي عُلَاهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، هَؤُلَاءِ شَبَّهُوا اللَّهَ بِمَاذَا؟ بِحَالِ الْأُمَرَاءِ. يَقُولُونَ عِنْدَمَا ذَكَرُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ: فَنَحْنُ نَحْتَاجُ إلَى أَوْلِيَاءِ لِكَيْ يَصِلُوا إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، قَالُوا: إنَّ حَالَنَا كَحَالِ الْأَمِيرِ، كَحَالِ الْأَمِيرِ. قَالَ: الْوَاحِدُ مِنَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ إلَى أَمِيرٍ أَوْ إلَى وَزِيرٍ أَوْ إلَى حَاكِمٍ وَإلَى وَالٍ، قَالَ: الْوَاحِدُ مِنَّا بِنَفْسِهِ وَبِشَحْمِهِ وَلَحْمِهِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِلَ إلَى الْأَمِيرِ، وَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ فَلَا رُبَّمَا لَا يُبَالِي بِهِ، مَنْ أَنْتَ؟ تَقُولُ: أَنَا مُوَاطِنٌ فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ، مَا يُبَالِي بِكَ، مَا يَعْرِفُكَ أَنْتَ نَكِرَةٌ عِنْدَهُ، فَمَا يُعْطِيكَ قَدْرَكَ وَلَا يَرْعَاكَ حَقَّكَ، هَذَا إنْ دَخَلْتَ إلَيْهِ. لَكِنْ مَاذَا تَكُونُ لَكَ الْمَقْدِرَةُ بِالْوَاسِطَةِ؟ إذَا كَانَ عِنْدَكَ وَاسِطَةٌ مِنْ بَعْضِ الْقُوَّاتِ مِنْ التُّجَّارِ مِنْ أَهْلِ الْوَجَاهَةِ، مَعَكَ وَسِيطٌ يُدْخِلُكَ عَلَى هَذَا الْأَمِيرِ، فَحِينَ تَسْتَفِيدُ مِنْ الْأَمِيرِ وَلَمْ يَنْفَعْكَ بِمَاذَا؟ بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ الَّتِي بِهَا دَخَلْتَ عَلَى ذَاكَ الْأَمِيرِ، يُعْطِيكَ الَّذِي تُرِيدُ، يُعْطِيكَ الَّذِي تُرِيدُ. قَالَ: وَهَكَذَا حَالُنَا مَعَ أَهْلِ الْقُبُورِ مَعَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا كَحَالِ النَّاسِ مَعَ الْوَسَائِطِ مَعَ الْأُمَرَاءِ، قَالَ: فَهَؤُلَاءِ الْوَسَائِطُ يُعْتَبَرُونَ كَالْحُجَّابِ الَّذِينَ يَقِفُونَ عِنْدَ بَابِ الْمَلِكِ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْوَسَائِطُ، وَهَؤُلَاءِ نَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ نَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِالْقَرَابِينِ، نَأْتِي عِنْدَهُ وَاحِدٌ وَجِيهٌ مِنْ وُجَهَائِهِمْ، نُعْطِيهِ مَا نُعْطِيهِ مِنْ الْكَلَامِ الْمُعَسَّلِ أَوْ الْهَدَايَا. فَإِذَا فَرِحَ مِنَّا هَذَا الْوَسِيطُ بِطَرِيقِهِ وَعَنْ طَرِيقِهِ يُوصِلُنَا إلَى الْأَمِيرِ، فَحِينَهَا نَصِلُ إلَى الَّذِي نُرِيدُ، قَالَ: وَهَكَذَا حَالُنَا مَعَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَمْوَاتَ وَالْأَوْلِيَاءَ إذَا عَرَفُوهُمْ وَعَرَفُوا مَدَى صِدْقِنَا وَحِرْصِنَا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ سَيَشْفَعُونَ لَنَا عِنْدَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي رَدِّهِمْ عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةِ: إنَّ هَذَا فِيهِ تَمْثِيلُ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ، وَقَدْ قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فَلَا يُمَثَّلُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِحَالِ الْمَخْلُوقِينَ، هَذَا قَدْ يَقَعُ نَعَمْ. الْوَسَاطَةُ قَدْ تَقَعُ فِي عَالَمِ النَّاسِ وَفِي دُنْيَا النَّاسِ، لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا هَذَا لَا يَجُوزُ، وَقَدْ بَيَّنَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ فَاسِدٌ، هَذَا الْقِيَاسُ فَاسِدٌ. وَبَيَّنَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَسَادَ هَذَا الْقِيَاسِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ: أَنَّ تَشْبِيهَ الرَّبِّ جَلّ وَعَلَا مَعَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَوْلِيَاءِ كَحَالِ الْأَمِيرِ مَعَ الْوَسَائِطِ مِنْ السُّدَنَةِ وَالْحُجَّابِ، قَالَ: إنَّ هَذَا بَاطِلٌ مِنْ أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ، فَبَيَّنَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَ الْبُطْلَانِ. قَالَ: إنَّ الْأَمِيرَ يَحْتَاجُ إلَى الْوَسَاطَةِ مَعَ رَعِيَّتِهِ لِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: قَالَ: إنَّ الْأَمِيرَ يَحْتَاجُ لِهَؤُلَاءِ الْوَسَائِطِ وَلِلْحُجَّابِ لِكَيْ يُعْلِمُوهُ بِأَخْبَارِ رَعِيَّتِهِ، الْوَالِي الْوَالِي مَهْمَا كَانَ وَلَوْ كَانَ حَاكِمَ الْبِلَادِ وَتَسَلَّطَ عَلَى رِقَابِ الْعِبَادِ فَهُوَ بَشَرٌ، وَالْبَشَرُ لَهُمْ عِلْمٌ مُحَدَّدٌ. لَا يُمْكِنُ الْأَمِيرَ أَوْ الْحَاكِمَ أَنْ يَعْلَمَ بِمُجْرِيَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ فِي بَلَدَتِهِ أَوْ تَقَعُ فِي قَرْيَتِهِ وَتَقَعُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي وَلَايَتِهِ، مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُدَارِكَ ذَلِكَ، فَيَسْتَعِينُ بِالْحُجَّابِ وَيَسْتَعِينُ بِالْوُزَرَاءِ وَيَسْتَعِينُ بِهَؤُلَاءِ الْوَسَائِطِ الَّذِينَ عِنْدَهُ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِمَا يَجْرِي فِي رَعِيَّتِهِ. وَمِنْ هَذَا الَّذِي يَحْتَاجُ وَمَنْ ذَا الَّذِي لَا يَحْتَاجُ؟ قَالَ الشَّيْخُ الْإِسْلَامُ: هَذَا الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَمِيرُ مَعَ رَعِيَّتِهِ، قَالَ: لَكِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى ذَلِكَ، اللَّهُ جَلّ وَعَلَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى الْوَسَائِطِ وَالْحُجَّابِ لِكَيْ يُخْبِرُوهُ بِأَخْبَارِ مَنْ يَحْتَاجُ وَمَنْ لَا يَحْتَاجُ. فَرَبُّنَا جَلّ وَعَلَا قَدْ وَسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَ