الدرس في شرح القواعد الأربع 8، الدرس الثامن:من( والدليل قوله تعالى:وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ). ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
فسّر العلماء الآية الكريمة {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} بأن الفتنة هنا تعني الشرك، مستدلين بأقوال السلف الصالح. واستشهد المؤلف بروايات البخاري عن ابن عمر لتوضيح المعنى.
يجب قتال الكفار حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، حيث يحارب الكفار الإسلام بأي أسلوب، ويجب على المسلمين محاربتهم وعدم الاكتفاء بالدفاع فقط.
الجهاد في سبيل الله له شروطه وقوائده الشرعية، وينبغي ألا يخرج عنها، حيث ينتقد المتطرفون الذين يسيئون استخدام الجهاد ويقتلون الأبرياء من المسلمين.
يختم الدرس بالتأكيد على أهمية الفقه بدين الله، ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، كَانَ الْكَلَامُ فِيمَا مَضَى فِي ذِكْرِ الْقَاعِدَةِ الثَالِثَةِ الَّتِي نَوَهَ إلَيْهَا الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي رِسَالَتِهِ الْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ، وَهِيَ ذِكْرُهُ فِي أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أُرْسِلَ إلَى قَوْمٍ مُتَفَرِّقِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْمَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ النَّبِيَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الصَّالِحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ، وَذَكَرْنَا الْفَائِدَةَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، اسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. وَهَذِهِ الْآيَةُ عَلَى تَفْسِيرِ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْفِتْنَةَ هُنَا بِمَعْنَى الشِّرْكِ، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ حَتَّى لَا يَكُونَ شِرْكٌ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا التَّفْسِيرِ نُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَكَذَلِكَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَكَذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ، وَذَكَرَ كَذَلِكَ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَأْثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا وَغَيْرَهُمْ فَسَّرُوا الْفِتْنَةَ هُنَا بِمَعْنَى الشِّرْكِ، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ قَاتِلُوا الْكُفَّارَ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الشِّرْكِ. وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: إنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ قَدْ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ تَخْرُجْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيَّ دَمَ أَخِي، فَقَالُوا: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَحَتَّى كَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ. وَبَرَكَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا، فَبَادَرَنَا إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا تَقُولُ فِي الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ؟ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَوَ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ إنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً، وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ. مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ اسْتَفَدْنَا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا الشِّرْكُ، وَضَحَ ذَلِكَ فِي الْأَثَرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِيِ أَنَّنَا قَاتَلْنَا وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ، حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً، هَذِهِ الْفِتْنَةُ أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي دِينِ الشِّرْكِ فِي دِينِ الْكُفْرِ، فَهَذِهِ الْفِتْنَةُ الْعَظِيمَةُ. وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ وَكَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلَيْسَ الْبَابُ فِي ذِكْرِ أَحْكَامِ الْفِتَنِ وَمَا يُسَمَّى بِقِتَالِ الْفِتْنَةِ، الشَّاهِدُ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ اسْتَدَلَّ بِهَا الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي مَحَلِّهَا أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا أَمَرَنَا بِقِتَالِ الْكُفَّارِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فَالْمُسْلِمُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَ كُلَّ مَنْ كَفَرَ، مِنْ يَهُودِيَّةٍ، مِنْ نَصْرَانِيَّةٍ، مِنْ بُوذِيَّةٍ، مِنْ مَجُوسِيَّةٍ، حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، حَتَّى لَا يَبْقَى فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إلَّا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَالنَّاسُ يَنْطَوُونَ تَحْتَ لِوَائِهَا رَهْبَةً وَرَغْبَةً، الْكُلُّ يَنْضَمُّ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، مَنْ دَخَلَ بِهِ فَذَاكَ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَسَيُجَازَى عَلَى سُوءِ فِعْلِهِ. وَهَذَا الْحُكْمُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي نَرَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ وَخَاصَّةً مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يُؤَوِّلُهُ، وَمَنْ يُخْرِجُهُ عَنْ نِطَاقِهِ، أَمَّا رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا بِقِتَالِ أَهْلِ الْكُفْرِ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ سَيَكُونُ حَجَرَ عُثْرَةٍ فِي نَشْرِ الْإِسْلَامِ، إِمَّا أَنَّهُ يَمْنَعُ الْإِسْلَامَ مِنْ الْوُصُولِ إلَى بِلَادِهِ، فَكَمْ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ الَّتِي سَتُحْرَمُ مِنْ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَنَّ الْكَافِرَ سَيَصُدُّ دَعْوَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، كَمَا نَرَى يُحَارِبُونَ الْإِسْلَامَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ بِأَيِّ أُسْلُوبٍ كَانَ، فِي حَرْبٍ عَسْكَرِيٍّ أَوْ حَرْبٍ اقْتِصَادِيٍّ أَوْ حَرْبٍ سِيَاسِيٍّ أَوْ حَرْبٍ فِكْرِيٍّ، مُحَاوِلُ التَّنْصِيرِ، مُحَاوِلُ الِاسْتِشْرَاقِ، مُحَاوِلُ الْعَلْمَنَةِ، مُحَاوِلُ الرِّدَةِ، كَثِيرٌ مِنْ الْأَفْكَارِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي طَرَأَتْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَرَاءَهَا أَيْدِي كُفَّارٍ مِنْ صِهْيُونِيَّةٍ، مِنْ يَهُودِيَّةٍ، مِنْ عَلْمَانِيَّةٍ، تُجَرُّ النَّاسَ إلَى الْكُفْرِ. فَالْكَافِرُ كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، فَالْكَافِرُ يُوَدُّ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ كَافِرًا مِثْلَهُ، فَإِذَا هَذِهِ الْأَحْكَامُ فَالشُّعَرُ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُلْزِمُونَ أَنَّ الْكَافِرَ يُقَاتَلُ، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ إذَا كَانَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُمْ الْقُدْرَةُ وَعِنْدَهُمْ الْقُوَّةُ فِي الْذَّهَابِ وَالْجِهَادِ وَالنِّضَالِ وَالْقِتَالِ لِرَفْعِ كَلِمَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ لَدُنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَحَتَّى فِي سِيرَةِ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَعْصَارِ الْفَاضِلَةِ مِنْ بَنِي الْأُمَيَّةِ وَمِنْ بَعْدِ بَنِي الْعَبَّاسِ، كَانَتْ الْغَزَوَاتُ تِلْوَ الْغَزَوَاتِ، بَلَغُوا إلَى شَرْقِ آسِيَا وَإلَى أَدْغَالِ أَفْرِيقِيَا، حَتَّى بَلَغُوا إلَى أَشْرَافِ أُورُبَّا، دَخَلُوا إلَى الْأَنْدَلُسِ وَالْقُرْطُبَةِ وَأَشْبِيلِيَةِ، اكْتَسَحُوا الْقَارَاتِ، بَلْ كَادُوا أَنْ يَصِلُوا إلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَمَا وَقَفَ عِنْدَ آخِرِ مَطَايَا فِي أَفْرِيقِيَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ أَرْضًا بَعْدَ ذَلِكَ الْبَحْرِ لَخَلُوهَا، لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَرْضًا بَعْدَ ذَلِكَ الْبَحْرِ لَخَطَطُ لَهَا، لَكِنْ مَا كَانُوا يَعْلَمُونَ بِوُجُودِ تِلْكَ الْأَقَالِيمِ وَتِلْكَ الْقَارَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ الْآنَ. فَالشَّاهِدُ أَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ أَنْ يُغْزُوا وَأَنْ يُقَاتِلُوا، وَذَلِكَ بِشُرُوطِهِ وَقِيُودِهِ، لَكِنَّ لِلْأَسَفِ نَرَى مِنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُمْ أُصِيبُوا بِالْوَهْنِ، إِمَّا مِنْهُمْ مَنْ تَأَثَّرَ بِالتَّنْظِيمِ الْعَالَمِيِّ الْجَدِيدِ، أَوْ بَعْضُهُمْ أُصِيبَ بِالْهِزَيمَةِ الْفِكْرِيَّةِ، أَوْ بَعْضُهُمْ اجْتِهَادٌ مِنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ اجْتِهَادٌ خَاطِئٌ، أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْجِهَادَ الَّذِي مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ هُوَ جِهَادُ الدِّفَاعِ فَقَطْ، فَيُحَمِلُونَ كُلَّ آيَةٍ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ وَالْأَمْرُ بِالْقِتَالِ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ مُدَافَعَةٍ، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ نُقَاتِلُ مَنْ قَاتَلَنَا، نَبْقَى فِي دِيَارِنَا نَبْقَى فِي أَوْطَانِنَا، فَمَنْ بَدَأَنَا بِالْقِتَالِ قَاتَلْنَاهُ، نَحْنُ نُدَافِعُ، قَالُوا هَذَا الَّذِي يُسَمَّى بِقِتَالِ مُدَافَعَةٍ، أَمَّا قِتَالُ الطَّلَبِ فَلَا، وَهَذَا خَطَأٌ، الْمُسْلِمُ مَطَالَبٌ بِقِتَالِ مُدَافَعَةٍ بِشُرُطِهِ وَمَا صُورَتِهِ، وَمَطَالَبٌ أَيْضًا بِجِهَادِ الطَّلَبِ، أَنَّهُ يُطَالَبُ يَبْحَثُ عَنْ الْكُفَّارِ وَيُقَاتِلُهُمْ، وَذَلِكَ كَمَا قُلْنَا بِشُرُطِهِ. وَأَمْرُ الْجِهَادِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي أَصْبَحَتْ غَائِبَةً عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَالنَّاسُ فِيهَا عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَسَطٍ، قِسْمٌ أَلْغَى هَذَا الْبَابَ وَهَوَّلَ مِنْ شَأْنِهِ وَأَمْرِهِ، جَمَاعَةٌ لَرُبَّمَا يَرَوْنَ أَنَّ الْجِهَادَ عِبَارَةٌ عَنْ قَرْصَنَةٍ، وَأَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَنْ إرْهَابٍ، إرْهَابٍ فِكْرِيٍّ، وَأَنَّ النَّاسَ الْآنَ يَعِيشُونَ فِي حُرِيَةِ الْأَدْيَانِ، لَا أَحَدَ يُفْرِضُ رَأْيَهُ عَلَى الْآخَرِينَ، أَنْتَ مُسْلِمٌ اجْعَلْ هَذَا الدِّينَ بَيْنَ جَنْبَيْكَ، لَا تُلْزِمْ أَحَدًا بِهِ. وَمِنْ الْمُقَابِلِ مِنْ النَّاسِ مَنْ غَلَى فِي بَابِ الْجِهَادِ، فَخَاضَ لَا قَوْلُوا فَتْحَ بَابِ الْجِهَادِ، بَلْ كَسْرَ بَابِ الْجِهَادِ، وَأَصْبَحَ لَا يَتَقَيَّدُ لَا بِشُرُطِهِ وَلَا بِقُيُودِهِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى حُكْمِ الشَّرْعِ فِيمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ قِتَالٍ وَنِضَالٍ، أَهُوَ جِهَادٌ شَرْعِيٌّ أَمْ أَنَّهُ شَغْبٌ أَمْ أَنَّهُ فِتْنَةٌ؟ أَصْبَحَ مِنْ بَعْضِ الْغُلَاةِ مِنْ أَصْحَابِ الْجِهَادِ، عِنْدَمَا يَئِسَ أَنْ يَصِلَ عِنْدَ الصِّهْيُونِيِّينَ أَوْ يَئِسَ أَنْ يَصِلَ عِنْدَ الصَّلِيبِيِّينَ، أَصْبَحَ مَاذَا؟ يُقْضِي أَوْقَاتَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، عِنْدَهُ مُسْتَوْدَعٌ فِيهِ الْآلِيَاتِ وَفِيهِ الْمُتَفَجِّرَاتِ وَفِيهِ الْأَلْغَامِ، كَادَ الزَّمَانُ أَنْ يَأْكُلَهَا، فَخْشَعَ عَلَى فَنَائِهَا، فَأَصْبَحَ يُجَرِّبُهَا بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، يُفَجِّرُ هَذَا وَيَقْتُلُ ذَاكَ وَيَنسِفُ هَذَا. وَأَصْبَحَ النَّاسُ مَا ذَاقَ أَحَدٌ مِنْ وَيْلَاتِهِ إلَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ، أَمَّا الْكُفَّارُ فَهُمْ فِي سَلَامٍ، هُمْ فِي غِنًى عَنْهُ، اِسْأَلُوا عَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ فِي أَرْضِ الْجَزَائِرِ أَوْ فِي أَرْضِ الْكِنَانَةِ فِي أَرْضِ مِصْرَ أَوْ فِي أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، مَنْ الَّذِي اصْتَلَى مِنْ نَارِهِمْ؟ مَنْ الَّذِي تَعَذَّبَ مِنْ انْفِجَارَاتِهِمْ؟ مَنْ الَّذِي قُتِلَ عَلَى أَيْدِيهِمْ؟ غَالِبُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، مِنْ الصِّبْيَانِ، مِنْ النِّسَاءِ، مِنْ الْعَجَائِزِ، مِنْ الْأَبْرِيَاءِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالنَّصَارَى فَهُمْ مَاذَا؟ فِي عُزْلَةٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ حَتَّى الْكَافِرُ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْكُفَّارِ. فَلَيْسَ كُلُّ كَافِرٍ يُقَاتَلُ، وَلَيْسَ كُلُّ كَافِرٍ يُقْتَلُ، فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُعْصَمِينَ كَافِرٌ مُعْصَمٌ، كَانَ يَكُونُ ذِمِّيًّا أَوْ يَكُونُ مُعَاهَدًا، فَإِنَّ هَذَا لَا يُقْتَلُ، بَلْ لَهُ وَعِيدٌ شَدِيدٌ إذَا قَتَلَهُ مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فِي زِمَمِهِ أَوْ كَافِرًا فِي عَهْدِهِ، فَإِنَّهُ مَاذَا؟ يُصْلَى نَارًا إنْ لَمْ يَتُبْ اللَّهُ عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ لِشَيْخِنَا الْمَقْبُولِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فِي ذِمَّتِهِ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ. فَشَاهِدٌ أَنَّ هَؤُلَاءِ مَا عَرَفُوا مَعْنَى الْجِهَادِ وَمَا عَلِمُوا وَمَا تَعَلَّمُوا بِشُرُطِهِ وَقُيُودِهِ، لَكِنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ رَفْعَ السِّلَاحِ جِهَادٌ، فَرَفَعُوهُ وَلَا يُدْرُونَ مَتَى يُرْفَعُ وَعَلَى مَا يُرْفَعُ وَعَلَى مَنْ يُرْفَعُ، إنَّمَا يُرْفَعُ، وَهَذَا مِنْ الْجَهْلِ بِاَللَّهِ وَمِنْ الْجَهْلِ بِأَبْوَابِ الْجِهَادِ. وَهَكَذَا ابْتُلِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِهَذِهِ الْأَصْنَافِ، صِنْفٌ أَلْغَى الْجِهَادَ، وَصِنْفٌ شَوَّهَ الْجِهَادَ وَالدِّينَ، وَالْجِهَادُ بَرِيءٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ، فَالْجِهَادُ مَاضٍ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَكِنْ بِشُرُطِهِ، لَكِنْ بِقُيُودِهِ، لَكِنْ بِصُورِهِ، وَيَعْرِفُ هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا أُمَنَاءَ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، يَعْرِفُونَ مَتَى يُقَامُ الْجِهَادُ وَمَتَى لَا يُقَامُ. فَشَاهِدٌ إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ نَبِيَّنَا مَا كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الَّذِي يَعْبُدُ الْحَجَرَ وَبَيْنَ الَّذِي يَعْبُدُ غَيْرَهُ، بَلْ الْكُلُّ يُقَاتَلُ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا أَشْرَكَ بِاَللَّهِ جَلّ وَعَلَا، فَإِنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ مَاذَا؟ أُلْزِمُوا بِمُقَاتَلَتِهِ، وَقُلْنَا ذَلِكَ إنْ كَانُوا فِي مَاذَا؟ فِي زَمَنِ الْقُوَّةِ. وَمُرَّ عَلَيْنَا قَدِيمًا عِبَارَةُ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ إنْ كَانُوا فِي زَمَنِ الْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ أَخَذُوا بِآيَاتِ مَاذَا؟ حَتَّى يُوضِعُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، هَذَا مَتَى يُقَالُ؟ الْآيَةُ قَالُوا: إنْ كَانُوا فِي زَمَنِ الْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ هَكَذَا، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ فِي زَمَنِ الضَّعْفِ وَالذُّلِّ، فَإِنَّهُمْ مَاذَا؟ يَأْخُذُونَ بِآيَاتِ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، وَهَذَا أَيْضًا عَيْنُ الِاعْتِبَارِ وَعَيْنُ الْفِقْهِ بِدِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. فَهُوَ مَسَاءُ الْكَثِيرِ مُتَعَلِّقٌ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَتُتِمُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي دَرَسٍ قَادِمٍ، فَأَسْأَلُ مَوْلَايَ جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.