التعليق على مقدمة سنن الدارمي 24

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 24، ألقاها

التوسل بذات النبي ودرجة حديث عائشة

يناقش المقطع الأول حديث عائشة حول توسل الصحابة بذات النبي لإنزال المطر، ويبين ضعف الحديث ورده من قبل بعض العلماء. يخلص إلى أن التوسل بالذوات لا يجوز.

حكم التوسل وبدائل التوسل المشروع

يناقش المقطع الثاني صحة أثر حول التوسل بذات النبي ويخلص إلى أن التوسل بالإيمان والعمل الصالح وأسماء الله وصفاته ودعاء الرجل الصالح مشروع. يذكر أن الصحابة استسقوا بدعاء العباس بعد وفاة النبي.

ضعف أثر نزول الملائكة على قبر النبي

يتناول المقطع الثالث ضعف أثر يرويه كعب الأحبار عن نزول الملائكة على قبر النبي، ويشكك في صحته لاحتوائه على إسرائيليات وضعف سنده لوجود عبد الله بن صالح الضعيف.

حكم إتيان النبي بالأفعال وضرورة الدليل

يتناول المقطع الرابع حكم إتيان النبي بالأفعال مثل المشي معه، ويشير إلى ضرورة وجود دليل من الكتاب أو السنة لصحة مثل هذه الأفعال.

التفريغ النصي الكامل

رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب ما أكرم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بعد موته. قال: حدثنا أبو النعمان ومحمد بن الفضل المرقب، بعارم، ووثقه إلا أنه اختلط في آخر عمره، قال: حدثنا سعيد بن زيد، وهو أخو حماد بن زيد، وفيه ضعف، قال: حدثنا عمر بن مالك النكري، وعمر بن مالك النكري لم يوثقه غير ابن حبان، وهو مجهول، قال: حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله، قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا، يعني أصابهم القحط وقلة الأمطار، قال: فشكوا إلى عائشة، فقالت: انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوة إلى السماء، يعني فتحه حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطرنا مطرا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق. هذا الحديث ضعيف، سعيد بن زيد فيه ضعف، وعمر بن مالك النكري مجهول، وهو أيضا موقوف على عائشة رضي الله عنها. وهذا الحديث استدل به بعض من ذهب إلى جواز التوسل بالذوات، وقال بأن الصحابة هنا توسلوا بذات النبي عليه الصلاة والسلام حتى أمطروا. لكن الحديث أولا ضعيف، بل شيخ الإسلام رحمه الله ذهب إلى أن هذا الحديث مكذوب، فقد ذكر رحمه الله في كتابه الرد على البكري قال: وما روي عن عائشة من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر، فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده. ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة، بل كان باقيا كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد. قال: ولم تزل الحجرة كذلك، ثم بعد ذلك أدخلت الحجرة النبوية في المسجد، ثم بني حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل فيها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف. قالوا: أما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب، يعني أن هذا لم يقع في زمن عائشة، فيدل هذا على كذب هذا الأثر وعدم صحته، وإنما وجدت الكوة بعد وفاة عائشة رضي الله عنها، وإدخال الحجرة إلى ضمن مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. ثم لو صح، يعني لو قلنا بأن هذا الأثر صحيح، فليس فيه ما يدل على ما ذهبوا إليه، إذ أن الصحابة أو كذلك أيضا من كان في ذلك الوقت لم يتوسلوا بذات النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما فتحت هذه الفتحة من باب أن تنزل الرحمة، أن تنزل الرحمة من الله جل وعلا بوجود قبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن هناك توسل واستغاثة بذاته عليه الصلاة والسلام. وعلى كل، فهذا الأثر لا يصح، وقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة. والتوسل بالذوات لا يجوز، وإنما يشرع التوسل بالإيمان والعمل الصالح، والتوسل بأسماء الله جل وعلا وصفاته، وكذا التوسل بدعاء الرجل الصالح، هذه ثلاث أمور يشرع فيها التوسل إلى الله جل وعلا، أما بذوات المخلوقين فلا يشرع ذلك. والصحابة لما توسلوا بذات النبي صلى الله عليه وسلم، ولما مات عليه الصلاة والسلام ما استسقوا بذاته، وإنما استسقوا بدعاء العباس، استسقوا بدعاء العباس، وقالوا: اللهم إنا كنا نستسقي بدعاء رسولك، وإننا نستسقي بدعاء عم رسولك العباس، ثم قيل للعباس: أدعو، فدعا، ثم سقوا. فالمقصود أن التوسل بالذوات هذا لا يجوز، بل هو من التوسل الممنوع. قال: أخبرنا مروان بن محمد، وهو الدمشقي الطاطري، وثقه أبو حاتم كما في الميزان، قال: عن سعيد بن عبد العزيز، وسعيد بن عبد العزيز كان من أئمة أهل الشام، وانتهت إليه الإمامة بعد الإمام الأوزاعي رحمه الله، بل كان الإمام الأوزاعي إذا سئل وسعيد موجود يحيل السؤال إليه، قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا، ولم يقم، ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر معناه يوم الحرة، يعني يوم أن استبيحت المدينة، وكان ذلك في إمارة يزيد بن معاوية. فيذكر بأنه لم يسمع الأذان في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثا، يعني ثلاثة أيام، ولم يقم، يعني تقام فيه الصلاة، ثم ذكر عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني بصوت خفي أو منخفض كان يسمعه من قبر النبي صلى الله عليه وسلم. لكن السعيد بن عبد العزيز لم يدرك سعيد بن المسيب، ولم يذكر له رواية عن سعيد بن المسيب، فعلى هذا فالأثر فيه انقطاع، ولهذا ضعفه شيخ الإسلام رحمه الله في المشكاة. قال: وحدثنا عبد الله بن صالح، وكاتب الليث فيه ضعف، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني خالد، هو ابن يزيد، عن سعيد، هو ابن أبي هلال، عن نبيه بن وهب أن كعبا دخل على عائشة، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال كعب: ما من يوم يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، يضربون بأجنحتهم، ويصلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم، فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يزفونه. هذا الأثر فيه ضعف، عبد الله بن صالح كاتب الليث ضعيف. ثم ما ذكره كعب هو كعب الأحبار، أمر غيب يحتاج إلى معرف به عن طريق الوحي، إما في كتاب الله أو سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فمثل هذا لا يقال إلا بدليل من كتاب أو سنة. وكعب الأحبار معروف برواية الإسرائيليات، فمثل هذا لا يصح، هو يذكر أن ما من يوم يطلع إلا نزل سبعون ألف ملك من السماء حتى يحفوا بقبر النبي عليه الصلاة والسلام، يعني يلتفون حوله، قال: يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا أمسوا يعني دخل المساء عرجوا، وهبط مثلهم، عرجوا إلى السماء ثم نزل مثلهم، يعني نزل سبعون ألفا، فصنعوا مثل ذلك، أي كما صنع الذين قبلهم، يعني حفوا بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، وضربوا بأجنحتهم، وصلوا على النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يزال كذلك ينزل سبعون ويصعد سبعون، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يزفون أو يعني يمشون معه. ومثل هذا كما سمعنا لا يصح إلا بدليل من الكتاب أو السنة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على