التعليق على مقدمة سنن الدارمي 56

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 56، ألقاها

أهمية العمل بالعلم ونية الطالب

يؤكد على أهمية العمل بالعلم وأن نية الطالب يجب أن تكون خالصة لوجه الله تعالى. العلم حجة للشخص إما لصالحه أو ضده بناءً على كيفية استخدامه.

الإخلاص في طلب العلم وآدابه

يُنبّه على أهمية الإخلاص في طلب العلم وعدم التباهي به أمام الناس. المقصد الحقيقي لطلب العلم يجب أن يكون ابتغاء ما عند الله من الأجر والثواب.

صفات طالب العلم الناجح

يُناقش صفات طالب العلم مثل قيام الليل، وتجديد القلوب بالذكر والعلم، والتواضع. هذه الصفات مهمة في تحقيق النجاح الروحي والابتعاد عن الشهرة.

مراجعة النفس للإخلاص في طلب العلم

ينبغي على طالب العلم مراجعة قلبه في الإخلاص وإرادة ما عند الله. الإخلاص أمر عظيم يجب أن يحاسب العبد نفسه عليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب العمل بالعلم وحسن النية فيه. وهذا من أهم الأبواب، وهو باب العمل بالعلم، لأنه المقصود من الطلب، هو العمل، فطلب العلم وسيلة، والعمل هو الغاية والمقصود. فإن المقصود من طلب العلم هو العمل بهذا العلم، ليس مجرد أن تعلم فقط من غير أن تعمل. العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. فالإنسان يتعلم ليرفع الجهل عن نفسه، وليعمل بهذا العلم. والعلم إن لم يعمل به صاحبه كان حجة عليه يوم القيامة. قال نبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي مالك الأشعري عند مسلم وغيره: «والقرآن حجة لك أو عليك». وقال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي برزة الأسلمي مبينا أن العبد يسأل عن هذا العلم: «لا تجول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وذكر منها: وعن علمه ماذا عمل به؟». فهذا الذي ينبغي أن يهتم به طالب العلم، وأن يصلح نيته في طلب العلم، أن تكون لأجل العمل بهذا العلم والتقرب إلى الله جل وعلا بما يعلم. وكما سمعنا: العلم حجة لصاحبه، إما أن يكون حجة له، وإما أن يكون حجة عليه. إن عمل به فهو حجة له، وإن لم يعمل به كان حجة عليه. علمت أن هذا واجب، فلابد أن تفعله. علمت أن هذا محرم، فلابد أن تجتنبه. علمت بأن هذا مستحب، فيستحب لك أن تتقرب به إلى الله جل وعلا، وهكذا. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن المبارك، قال: أخبرنا بقية، قال: حدثنا صدقة من عبد الله أن المهاجر بن حبيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «إني لست كل كلام الحكيم أتقبل، ولكني أتقبل همه وهواه، فإن كان همه وهواه في طاعتي جعلت صمته حمدا لي ووقارا». وهذا الحديث ضعيف جدا، قطعه شيخ الألباني رحمه الله في ضعيف الجامع. قال: أخبرنا مخلد بن مالك، وهو ابن جابر، ثقة، قال: عن حجاج بن محمد، وهو المصيصي الأعور، كذلك ثقة، وقد ضعفه بسبب اختلاطه، قال: عن ليث بن سعد، وهو أبو الحارث الفهمي، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، وهو حدير بن كريب الحضرمي، ثقة، هو تابعي، قال: يرفع الحديث: «إن الله تعالى يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إن الله تعالى قال: أبث العلم في آخر الزمان حتى يعلمه الرجل والمرأة والعبد والحر والصغير والكبير، فإذا فعلت ذلك بهم أخذتهم بحق عليهم». وهذا الحديث مرسل، والمرسل من قسم الضعيف. قال: أخبرنا مخلد بن مالك، قال: حدثنا مخلد بن حسين، عن هشام، عن الحسن، قال: «من طلب شيئا من هذا العلم فأراد به ما عند الله يدرك إن شاء الله، ومن أراد به الدنيا فذاك والله حظه منه». هذا الأثر عن إمام الحسن البصري رحمه الله هو أثر، إن شاء الله حسن. قال: «من طلب شيئا من هذا العلم فأراد به ما عند الله يدرك»، يعني: إذا أخلص في نيته في طلب العلم، فطلب العلم يريد ما عند الله، يعني: من الأجر والثواب والجزاء، يدرك إن شاء الله، يدرك يعني: تحصيل العلم، ويدرك الثواب والأجر الذي رتب على طلب العلم. «ومن أراد به الدنيا فذاك والله حظه منه»، يعني: إذا طلب العلم لا يريد منه إلا الدنيا، أراد منه الشهرة، أراد منه الرئاسة، أراد منه يعني: الرفعة، أراد منه مدح الناس وثناءهم له، أراد منه شيء من متاع الدنيا، فإذا كان هذا مقصده وهذا هو يعني مطلبه ونيته، قال: «فهذا هو حظه ونصيبه من هذا العلم»، بمعنى: أنه ليس له شيء في الآخرة، ليس له شيء في الآخرة. وهذا المعنى صحيح، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في مسلم: «أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، وذكر عليه الصلاة والسلام ثلاثة أعمال هي من أفضل الأعمال والقربات التي يتقرب بها إلى الله جل وعلا، وهي: العلم، وقراءة القرآن، والجهاد في سبيل الله، والصدقة. فيؤتى بالعالم، وفي رواية: القارئ، فيقول الله عز وجل له: «ماذا عملت بهذا العلم؟» فيقول: «يا رب، تعلمت العلم وعلمته الناس». فيقول الله عز وجل له: «كذبت، ولكن تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال قارئ، وقد قيل»، يعني: حصل لك ما أردت من هذه النية الفاسدة. فيؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار. وهكذا يفعل بالمجاهد والمتصدق بسبب عدم إخلاصهم في هذه الأعمال. قال: أخبرنا يعلى، قال: حدثنا محمد بن عون، عن إبراهيم بن عيسى، قال: قال ابن مسعود: «لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله، فإنه يدوم ويبقى، وينفد ما سواه». وهذا الأثر أيضا قد مر معنا في الأبواب التي مضت. هذه الجمل مرفوعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام من قوله: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليجادل به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فالنار، النار». هذا ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه من مقاصد الدنيا التي قد يقصدها طالب العلم، أن يقصد بطلب العلم مماراة السفهاء، يعني: أن يجادلهم ويناقشهم ويظهر يعني ما عندهم من علم وجدال، يجعل هذا العلم للمماراة والمجادلة. يجادل به السفهاء، يعني: الذين ليسوا هم من أهل العلم وأهل الفضل. قال: «وتجادلوا به العلماء كذلك»، يعني: يتباهى بهذا العلم عند أهل العلم، أنه من أهل العلم، وأنه عنده اطلاع وعنده معرفة وعنده كذا من أمور الشريعة، يتباهى بهذا العلم عند أهله، هذا أيضا من المقاصد الدنيئة والمقاصد السيئة التي يعني تخالف النية الصادقة التي ينبغي أن يكون عليها طالب العلم. أو كذلك يصرف وجوه الناس إليه، يعني: يظهر العلم ويطلب العلم حتى يقول فلان، يقول فلان الداعي الفلاني، أو الشيخ الفلاني، أو العالم الفلاني. قال: «وابتغوا بقولكم ما عند الله، فإنه يدوم ويبقى»، يعني: ابتغي بطلب العلم وبما تقول وتفعل ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب، لا تبالي بمدح الناس ولا بثنائهم ولا بذمهم. فمدحهم لا ينفعك، وذمهم لا يضرك إذا كنت ترضي الله جل وعلا. اجعل غايتك ومقصدك هو رضى الله جل وعلا. وإذا أرضيت الله جل وعلا رضي الله عنك وأرضى عنك الناس. نعم، وإذا أسخط الله سخط الله عليك وأسخط عليك الناس. ما ينفعك مدح الناس إذا كان الله جل وعلا قد غضب عليك، وما ينفعك ثناء الناس إن كان الله جل وعلا قد غضب عليك. إذا اجعل غايتك هي رضى الله سبحانه وتعالى، وتبتغي بما تقول ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب، هذا الذي يدوم ويبقى لك، وتجد أجره وثوابه عند الله جل وعلا. «وينفد ما سواه»، يعني: مما كان لأجل الدنيا، مما كان لأجل الدنيا يذهب ولا يبقى، ولا تنتفع به من شهرة أو رئاسة أو رفع أو مدح أو ثناء إلى آخره، كل هذا لا ينفعك يوم القيامة، إنما ينفعك الإخلاص والصدق. نسأل الله جل وعلا أن يعيننا وإياكم على تحقيق الإخلاص لله جل وعلا في الأقوال والأعمال. قالوا بهذا الإسناد: «كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتغفلون على أهل الأرض». كونوا ينابيع العلم، يعني: حملة للعلم، حملة للعلم، تبثونه وتنشرونه كينابيع الماء التي يخرج منها الماء وينتفع منها الناس. وهكذا كونوا في نفع الناس في نشر العلم وبثه، وكذلك حمله وحفظه. مصابيح الهدى، يعني: مصابيح للناس تهدون الناس بما هداكم الله جل وعلا من هذا العلم، تضيئون لهم الطريق وتنيرون لهم السبيل بما أناركم الله جل وعلا من هذا العلم، لأن العلم نور، نور لصاحبه ونور للخلق. ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم العالم بالقمر، وفضل العالم على الكواكب كفضل القمر على سائر الكواكب، لماذا؟ لأن القمر يضيء، يضيء فينتفع الناس من ضوئه، بخلاف بقية الكواكب، فإنها إن أضاءت فعلى نفسها، لا تضيء لغيرها. كحال العابد، العابد فضله على نفسه، وأجره لنفسه، لكن العالم أجره يتعدى إلى جميع الخلق، إلى كثير من الناس، حاله كحال القمر إذا أضاء انتفع الناس من ضوئه ونوره. وهكذا صاحب العلم، فأهل العلم يعتبرون مصابيح يستضيء الناس بعلمهم ونورهم. قال: «أحلاس البيوت»، معنى أحلاس البيوت: الأحلاس هو ما يبسط تحت حر الثياب، ما يبسط تحت حر الثياب، فيبقى يعني ملاصقا أو لازال ملقى تحتها. والمقصود من ذلك لزوم البيت عند الفتن وعند المحن، وهكذا أيضا لزوم السكوت والصمت. أحلاس البيوت، يعني: لازمين للسكوت والصمت إلا من خير، إلا من خير. وهكذا أيضا لزوم البيوت والابتعاد من الفتن وعدم المشاركة فيها. قال: «سرج الليل»، سرج الليل، يعني: في قيام الليل، ففي الليل إذا نام الناس فطالب العلم وصاحب العلم ينبغي أن يقوم في الليل يناجي ربه جل وعلا ويصلي بين يدي الله سبحانه وتعالى. وهذا ما مقصوده بسرج الليل. وهذا أيضا من الأمور التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم، أن يجعل له نصيبا من الليل ما يتيسر، ما يتيسر من قيام الليل، ولو أن يوتر، هذا أقل شيء، أن يحرص على أن يوتر في الليل قبل الفجر. وإن استطاع أن يصلي قبل ذلك ما يتيسر، ولو ركعتين ويوتر، هذا خير كبير. فقيام الليل يعين طالب العلم على تحصيل العلم، على الجد والاجتهاد والإخلاص في الأقوال والأعمال، وهو أيضا كما نعلم من صفات أهل الإيمان ومن صفات الأنبياء ومن صفات حملة العلم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث علي رضي الله تعالى عنه: «يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر». يا أهل القرآن، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم حملة القرآن: «أوتروا»، فهم أولى من ينبغي أن يحرص على الوتر، وإن كان الوتر مستحب لجميع المسلمين، لكنه يتأكد على طالب العلم. قال: «جدد القلوب»، جدد القلوب، مراده الله أعلم، أن يعني يجددون القلوب بموعظة والذكر والكلمة الطيبة، بما يبث من العلم ويسمع من العلم، فتحيا هذه القلوب وتنتفع. «خلقان الثياب»، يعني: متواضعين في لباسهم، يلبسون ما يتيسر من الثياب، ولو كانت ثيابا خلقة، يعني: بالية قديمة. وليس هذا على يعني أن الإنسان يترك الثياب الطيبة إذا كان عنده، ويلبس الثياب الخلقة لا. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الله جميل يحب الجمال». لما سئل: إن الرجل يحب أن يكون نعله حسنا وثوبه حسنا، قال: «إن الله جميل يحب الجمال». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». فيلبس الثياب الحسنة، وكذلك أيضا إن لبس الثياب التي هي دون ذلك، التي هي دون ذلك من باب التقشف، فهذا أمر حسن. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن البذاذة من الإيمان». إن البذاذة من الإيمان. فهكذا يكون طالب العلم، يعني: أموره على التيسير، وما يتحصل له تيسر له لباس طيب لبسه، إن لم يتيسر لبس الحاصل من الثياب التي عنده. قال: «تعرفون في أهل السماء وتغفلون على أهل الأرض»، يعني: أن طالب العلم يحرص على عدم الظهور، لا يجعل من نيته ومقصده من الطلب الشهرة والرئاسة والرفعة حتى يشتهر عند الناس ويشار إليه بالبنان، لكن يريد يجعل همه ما عند الله جل وعلا، أن يذكر في السماء، يذكره الله جل وعلا في الملأ الأعلى، ويعرف بالاستقامة والصلاح والسداد والخير والعبادة والطاعة فيما بينه وبين الله جل وعلا، ولو لم يعرف بين الناس بذلك. والمسلم يحرص على إخفاء العمل قدر استطاعته، وهذا أدعى إلى الإخلاص، أدعى إلى الإخلاص. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المجاهر بالقرآن كالمجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة». ولا شك أن الإسرار بالصدقة أفضل، الإسرار به أفضل. ولهذا كان من أجر السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه». وهذا كناية عن غاية الإخلاص في إخفائه للصدقة. فالمقصود أن طالب العلم والعالم ينبغي أن يكون على هذا الوصف، أن يكون معروفا عند أهل السماء، يخفي أمره على أهل الأرض، فلا يظهر نفسه ولا يسعى إلى ذلك، ما يسعى إلى ذلك حب الظهور، يقسم الظهور. لكن إذا أخلص وأراد ما عند الله جل وعلا، وحصل له شيء من الرفع أو الشهرة التي لم يقصدها ولم يطلبها، فذلك من فضل الله جل وعلا، لكن لا يجعل ذلك همه ولا ذلك مقصده، ولا يسعى إلى ذلك أبدا. فالمخلص في طلب العلم لا يسعى إلى الشهرة، لا يسعى إلى الشهرة. ولهذا قال من السلف: «ما أخلص عبد قط إلا أحب الشهرة». ما أخلص عبد أحب الشهرة. وقد يبتلى الإنسان، قد يبتلى طالب العلم بذلك، أن يقع في قلبه شيء من ذلك، لكن ينبغي أن يجاهد نفسه قدر الاستطاعة، أن يجدها في قلبه، ينبغي أن يجاهد نفسه على الإخلاص، وعلى إرادة ما عند الله جل وعلا. وهذا أمر شديد يحتاج إلى مجاهدة، كما قال سفيان الثوري رحمه الله وغيره: «ما جاهدت نفسي على شيء أشد علي من الإخلاص». فالإخلاص أمر عزيز وعظيم، ينبغي أن يحاسب العبد نفسه، وطالب العلم يراجع قلبه بين الحين والآخر في الإخلاص في الطلب، وإرادة ما عند الله جل وعلا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على