الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 88، ألقاها
السنة النبوية تلعب دورًا حاسمًا في توضيح وتفصيل الأحكام المجملة في القرآن الكريم. النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بوحي من الله، مما يجعل السنة الصحيحة مصدرًا ملزمًا مثل القرآن.
السنة النبوية لا تعارض القرآن بل هي موافقة ومبينة له، ولها أربعة مراتب مع القرآن. يجب أخذ السنة الصحيحة مع القرآن دون معارضة بعقل أو رأي.
يجب حسن الظن عند رواية حديث رسول الله وتأويله بما يوافق الشريعة. جاء ذلك في أثر عن علي رضي الله عنه، الذي يوصي بحمل الحديث على أحسن الظنون.
أهل العلم قد يزهدون في علمه بسبب مخالطتهم له، مما يحرمهم خيرا كثيرا. هذا الأثر جاء عن جمع من السلف مثل الحسن البصري وعورة بن عبد الله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب السنة قاضية على كتاب الله. ومعنى ذلك أن السنة تبين ما أجمل في كتاب الله جل وعلا، وتبين تفاصيل الأحكام المجملة، كوجوب الصلاة، ووجوب الزكاة، ووجوب الحج، وغير ذلك من الفرائض والواجبات؛ فالتي وردت في كتاب الله جل وعلا مجملة، وبينتها السنة. قال رحمه الله: أخبرنا أسد بن موسى، قال: حدثنا معاوية، قال: حدثنا الحسن بن جابر، عن المقدام بن معدي كرب الكندي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم أشياء يوم خيبر، الحمار وغيره -أي الحمار الأهلي- ثم قال: «ليوشك الرجل متكئا على أريكته، يحدث بحديث، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله هو مثل ما حرم الله». وهذا الحديث صحيح، وإن كان بهذا السند فيه شيء من الضعف، لكنه صحيح بمجموع الطرق، وقد رواه أحمد، أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والطحاوي، وغيرهم. وفيه خير النبي عليه الصلاة والسلام بالتحذير من العرض عن سنته، وأن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في سنته من تحليل أو تحريم، فهو ككتاب الله جل وعلا؛ فكما يجب الأخذ بكتاب الله جل وعلا، كذلك يجب الأخذ بما في سنة النبي عليه الصلاة والسلام الصحيحة؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بوحي، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ﴾، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ﴾. فما أحله الله عز وجل حللناه، وما حرمه الله حرمناه، وهكذا أيضا ما أحله النبي صلى الله عليه وسلم أحللناه، وما حرمه حرمناه. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن عيينة، عن أبي إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: «السنة قاضية على القرآن، وليس القرآن بقاض على السنة». وهذا الأثر حسن، ومعناه كما ذكرنا قبل، بأن السنة تبين المجمل من القرآن، وتخصص عمومه. قال رحمه الله: ومثل ذلك مثلا أمر الله عز وجل بالصلاة، قالوا: أقيموا الصلاة، ولم يأت تفاصيل بيان كيفية قيام الصلاة، فجاءت السنة مبينة لذلك. وهكذا أيضا أمر الله جل وعلا بإيجاب الزكاة، ولم يأت تفاصيل ذلك: ما هي المقادير الواجبة؟ وما هي الشروط الواجبة لأداء الزكاة؟ فجاء بيانها في السنة. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن حسان، قال: «كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن». وهذا الأثر ضعيف؛ محمد بن كثير الصنعاني ضعيف، وهو حسان بن عطية، وإن كان ثقة، لكنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مرسل. قال: أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن مكحول، قال: «السنة سنتان: سنة الأخذ بها فريضة، وتركها كفر، وسنة الأخذ بها فضيلة، وتركها إلى غير حرج». وهذا الأثر ضعيف بهذا السند؛ محمد بن كثير الصنعاني ضعيف. وقد أخرجه الآجري من طريق عيسى بن يونس، عن الأوزاعي به. ومعنى هذا الأثر: السنة سنتان؛ سنة الأخذ بها فريضة، وتركها كفر، يعني الفرائض الواجبات، كوجوب الزكاة، ووجوب الصلاة، ووجوب الحج؛ فبيانها وكيفياتها جاءت في السنة، بيان هذه الفرائض جاء بيانها في السنة، فالأخذ بها واجب وفريضة، وتركها كفر. وسنة الأخذ بها فضيلة، وهو ما كان من الأمور المستحبات ونوافل الطاعات، فهذه إذا تركها الإنسان فليس عليه حرج، وإن فعلها فله أجر في ذلك. وقد أخرج هذا الأثر ابن بطة في كتابه الإبانة الكبرى. قال: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، أنه حدث يوما بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: في كتاب الله ما يخالف هذا. قال: ألا ترى أني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعرض فيه بكتاب الله؟ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بكتاب الله منك. وهذا الأثر صحيح. فأنكر سعيد بن جبير رحمه الله على هذا الرجل الذي أراد أن يعارض سنة النبي عليه الصلاة والسلام بكتاب الله، وأظهر أن في السنة ما يخالف سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فبين له سعيد بن جبير رحمه الله خطأ قوله، وأن السنة لا تعارض كتاب الله جل وعلا، بل هي مبينة لكتاب الله، وموافقة لكتاب الله جل وعلا. والسنة مع القرآن كما ذكر أهل العلم على أربعة مراتب: المرتبة الأولى أن تكون موافقة لكتاب الله جل وعلا، فمثلا جاء في كتاب الله تحريم الخمر، وجاءت السنة بتحريم الخمر. والقسم الثاني: السنة المبينة لما أجمل في كتاب الله، كوجوب الصلاة والزكاة والحج لآخره، فجاءت السنة مبينة لتفاصيل هذه الأحكام. والقسم الثالث من أقسام السنة مع القرآن: السنة المخصصة لعموم ما في كتاب الله جل وعلا. والنوع الرابع: السنة الزائدة على ما في كتاب الله، كتحريم النبي عليه الصلاة والسلام لبعض المحرمات التي لم ترد في القرآن، مثل تحريم كل ذي ناب من السبع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم الحمر الأهلية، وغير ذلك. وعلى كل، فلا يجوز للمسلم أن يعارض سنة النبي عليه الصلاة والسلام بعقله ورأيه. قال رحمه الله: باب تأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أخبرنا نعيم بن حمد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، أنه قال: «إذا حدثتم بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظنوا به الذي هو أهيأ، والذي هو أهدى، والذي هو أتقى». وهذا الأثر منقطع؛ عون بن عبد الله، فهو من عم ابن مسعود، لم يسمع من عم أبيه، وهو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فهو منقطع. لكن صح عن علي رضي الله عنه ما سيأتي في الأثر الذي بعده. قال رحمه الله: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: «إذا حدثتم بشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظنوا به الذي هو أهدى، والذي هو أتقى، والذي هو أهيأ». وهذا الأثر صحيح. ومعنى قوله رضي الله عنه: «فظنوا به الذي هو أهدى»، يعني أهدى الظنون وأحسنها، «والذي هو أتقى»، يعني لله جل وعلا، «والذي هو أهيأ»، يعني أحسن هيئة. وجاء في رواية عند ابن ماجه: «أهنأ» بالنون والهمزة، ومعناه: أوفق وأليق. والمقصود من ذلك هو تعظيم سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضا تأويل وتفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم بما هو موافق للشريعة، وأن تحمل على أحسن الظنون، ولا ترد بالأهواء، وكذلك أيضا بما تشتهيه النفوس. قال رحمه الله: أخبرنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا صالح بن عمر، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: «كان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». والحديث صحيح، وهذا حديث متواتر. قال رحمه الله: فكان ابن عباس إذا حدث، قال: «إذا سمعتموني أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تجدوه في كتاب الله أو حسنا عند الناس، فاعلموا أني قد كذبت عليه». وهذه الزيادة منقطعة. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله بن عمران، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن عكرمة، قال: «إن أزهد الناس في عالم أهله». وهذا الأثر صحيح. نعم، وقد جاء في المدخل في السنن الكبرى للبيهقي أن سليمان الأحول لقي عكرمة ومعه ابن له، فقال: أيحفظ هذا من حديثك؟ فقال: إنه يقال: «إن أزهد الناس في عالم أهله». وقد جاء هذا الأثر عن جمع من السلف، كالحسن البصري، وعورة بن عبد الله، وعورة بن الزبير، وغيرهم: «إن أزهد الناس في عالم أهله»، يعني أن العالم يزهد فيه أهله في أخذ العلم منه، كأقاربه وأبنائه وإخوانه ونحوهم؛ وذلك لمخالطتهم له وحياتهم معه، فلا يكون له تلك القيمة والمنزلة التي تكون له عند غيرهم، فيزهدون في علمه ويحرمون خيرا كثيرا. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.