الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 40، ألقاها
يؤكد على ضرورة وجود دليل من الكتاب والسنة أو فعل الخلفاء الراشدين عند إصدار الفتوى، ويستشهد بقصة عمر بن عبد العزيز وابن شهاب الزهري في مسألة الاعتكاف.
ينقل تحذيرات العلماء مثل الحسن البصري وجابر بن زيد من الفتوى بغير علم، ويشير إلى خطورة عواقبها ويضرب أمثلة على الفتاوى الجائرة في العصر الحديث.
يشدد على أهمية اجتناب الأمور المشتبهة لئلا يقع الإنسان في الحرام ويخدش دينه، ويبين أن من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب الفتيا وما فيها من الشدة: قال أخبرنا إبراهيم بن موسى، وعمر بن زرارة، عن عبد العزيز بن محمد، عن أبي سهيل، وهو نافع بن مالك الأصبحي، وهو عم مالك بن أنس إمام دار الهجرة، قال: كان على امرأتي اعتكاف ثلاثة أيام في المسجد الحرام، فسألت عمر بن عبد العزيز، وعنده ابن شهاب، أي الزهري، قال: قلت عليها صيام؟ قال ابن شهاب: لا يكون اعتكاف إلا بصيام. فقال له عمر بن عبد العزيز: أعني النبي صلى الله عليه وسلم - يعني هذا الذي قلته - هل أخذته من النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا. قال: فعن عمر؟ قال: لا. قال: فعن عثمان؟ قال: لا. قال عمر: ما أرى عليها صياما. فخرجت، فوجدت طاوسا وعطاء بن أبي رباح، فسألتهما، فقال طاوس: كان ابن عباس لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها. قال: وقال عطاء: ذلك رأيي. هذا الأثر حسن، ففيه - كما سمعنا - أن أبا سهيل سأل عمر بن عبد العزيز، وعمر بن عبد العزيز الذي عده العلماء الخليفة الخامس بسبب علمه وعدله وفضله، وكان من أهل العلم والفضل، فسأله وعنده ابن شهاب الإمام الزهري، فقال ابن شهاب: لا يكون اعتكاف إلا بصيام - يعني أنه ألزمها بالصيام مع الاعتكاف - فقال له عمر بن عبد العزيز: أعني النبي صلى الله عليه وسلم - يعني قلت هذا، هذه الفتوى التي أفتيت بها، وأنه يلزمها الصيام - هل وجدت في ذلك حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ هل وجدت قولا لأبي بكر يقول بذلك؟ قال: لا. قال: فعن عمر؟ قال: لا. قال: فعن عثمان؟ قال: لا. قال ابن عبد العزيز: ما أرى عليها صياما. ثم خرج، فوجد طاووس بن كيسان وعطاء بن أبي رباح، فسألهما، فقال طاووس: كان ابن عباس لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها - يعني أن تلزم نفسها بالصيام، أو تنذر أن تعتكف وهي صائمة مثلا - فهنا يلزمها الصيام، أما من غير إلزام لنفسها، فلا يلزمها أن تعتكف وهي صائمة، بل يجوز أن تعتكف من غير صيام. فوافق عمر بن عبد العزيز فتواه لقول ابن عباس. وقال عطاء - أي بن أبي رباح -: ذلك رأيي - يعني كذلك أن تعتكف من غير صيام هو الصحيح - أنه لا يلزم في الاعتكاف الصيام إلا إذا كان في رمضان، فنعم؛ لأن صيام رمضان واجب، أما في غير رمضان، يجوز للإنسان أن يعتكف من غير أن يصوم. فالشاهد أن عمر لما أفتاها بهذه الفتوى، وألزمها بالصيام، سأله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أبي بكر، أو عن عمر، أو عن عثمان - يعني هل معك حجة في هذه الفتوى، هل عندك دليل وبرهان على هذا؟ فهذا فيه تربية وتعليم من هذا الإمام عمر بن عبد العزيز لهذا الإمام محمد بن مسلم الزهري: أنه إذا قال شيئا فإنه يحرص أن يكون معه في ذلك دليل وأثر من كتاب أو سنة، أو قول لسلف هذه الأمة من الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم. قال رحمه الله: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو عقيل، قال: حدثنا سعيد الجريري - وهو سعيد بن إياس أبو مسعود الجريري، ثقة إلا أنه اختلط - عن أبي نظرة، قال: لما قدم أبو سلمة البصرة، أتيته أنا والحسن - أي البصري - فقال للحسن: أنت الحسن، ما كان أحد بالبصرة أحب إلي لقاء منك؛ وذلك أنه بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تفتي برأيك، إلا أن تكون سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كتاب منزل. وهذا الأثر يتوقف صحته على معرفة حال رواية أبي عقيل عنه قبل الاختلاط أو بعده. وفيه أن أبا سلمة لما لقي الحسن أخبر بأنه كان يحب لقاءه؛ وذلك لما يسمع عنه من العلم والزهد والفضل والعبادة. وكذلك أيضا أنه بلغه أنه يفتي برأيه، فنصحه بأن لا يفتي برأيه إلا أن يكون معه - يعني - دليل من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو من كتاب الله جل وعلا. لكن سيأتي معنا في الأبواب التي ستأتي - إن شاء الله - ذكر شيء مما يتعلق بالرأي، ومتى يكون مذموما، ومتى يكون محمودا. بل في هذا الباب سيأتي بعض الآثار: أن العالم قد يفتي برأيه - يعني عن طريق الاجتهاد، لا عن رأي مجرد عن اتباع الدليل - إذا لم يجد في كتاب الله أو سنة رسوله ما يدل على هذه المسألة، يسئل عنها، فينظر في عمومات الأدلة، وما هو الأقرب إلى الحكم في هذه المسألة، فيجتهد في ذلك؛ لكن بعد بذل الجهد في النظر في الأدلة. قال: أخبرنا عصمة بن الفضل، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن يزيد بن أبي عبيدة، قال: حدثنا الضحاك، عن جابر بن زيد: أن ابن عمر لقيه في الطواف، فقال له: يا أبا الشعثاء، إنك من فقهاء أهل البصرة، فلا تفت إلا بقرآن ناطق، أو سنة ماضية؛ فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت. وهذا الأثر حسن. هذا الأثر - كما سمعنا - لقي ابن عمر جابر بن زيد المكنى بأبي الشعثاء، وهو من فقهاء أهل البصرة، فنصحه بهذه النصيحة الثمينة، فقال: لا تفت إلا بقرآن ناطق، أو سنة ماضية - لا تفت إلا بقرآن ناطق، أو سنة ماضية - يعني: عندك دليل من كتاب الله جل وعلا، أو عندك دليل من السنة من حديث النبي عليه الصلاة والسلام الصحيحة، فتفتي بما دل عليه الكتاب والسنة. قال: فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت - يعني: إن أفتيت بغير كتاب وسنة هلكت وأهلكت - أي: هلكت نفسك؛ لأنك تعرضها للإثم، وتعرضها للذنب، وأهلكت غيرك الذين تفتيهم بغير حجة ولا برهان، فيقعوا في الضلال، وفي الزيغ، وفي ارتكاب المحرمات؛ بسبب أنك أفتيتهم بغير دليل ولا برهان. وما أكثر أمثال هؤلاء في هذه الأزمان، بين الحين والآخر تسمع بأن فلانا ظهر، فلان في الساحة الداعي الفلاني، ربما إذا نظرت فيه وجدته ليس فيه سمات الاستقامة، فضلا عن سمات أهل العلم والفضل، حالق لحيته، لابس البنطال، ثم تسمع الفتاوى الجائرة والفتاوى الزائغة، إذا سئل عن الغناء أباح الغناء، سئل عن أمور النساء أباح الاختلاط وسفر النساء بلا محارم، وهكذا في باب الربا أجاز، وما من محرم إلا ويفتي بجوازه وبحله. أمثال هؤلاء كثر من دعاة الضلال، ودعاة - كما قال النبي عليه الصلاة والسلام - على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها، يفتون بلا حجة ولا برهان، لا دليل من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن بالشبهات والآراء والأهواء، فهلكوا وأهلكوا، هلكوا أنفسهم، وأهلكوا غيرهم بهذه الفتاوى الزائغة. وصدق النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». فهذه الوصية من ابن عمر رضي الله عنهما فيها نصيحة ثمينة غالية، بالحرص أن يحرص العالم والمفتي الذي هو مؤهل لذلك: أنه لا يفتي إلا بعلم وبحجة من كتاب الله، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: أخبرنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير - وحريث بن ظهير مجهول كما قال الحافظ رحمه الله في التقريب - عن عبد الله بن مسعود، قال: أتى علينا زمان، لسنا نقضي، ولسنا هنالك، وإن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله عز وجل، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله، ولم يقض به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليقض بما قضى به الصالحون. ولا يقول: إني أخاف، وإني أرى؛ فإن الحرام بين، والحلال بين، وبين ذلك أمور مشتبهة؛ فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. الأثر ضعيف، لكن معناه في الجملة صحيح. وذلك أن المفتي والقاضي إذا سئل فإنه يقضي ويفتي بما دل عليه الكتاب والسنة - بما دل عليه الكتاب والسنة - أن يكون عنده دليل وحجة وبرهان من كتاب الله جل وعلا على ما يقول، أو من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن لم يكن في الكتاب والسنة ما يدل على هذه المسألة، نظر في أقوال الصحابة رضوان الله عليهم: هل لهم في هذه المسألة قول ولهم فيها فتوى وكلام قضى به؟ فإن لم يكن اجتهد - إن كان من أهل الاجتهاد - ينظر ما الذي يناسب هذه القضية وهذه المسألة التي سئل عنها مما تدل عليه أدلة الكتاب والسنة، فيفتي بما يراه صوابا. وإن لم - يعني - يتبين له شيء من ذلك توقف، وأحال المسألة إلى غيره، ووقف حيث علم، يقول: الله أعلم، أو لا أدري. وقوله: «إن الحرام بين» - هذا كما ورد في حديث النعمان بن بشير، أو في صحيح الإمام مسلم - في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات» - أي: بين الحلال والحرام - فكأنه يقول: إذا اشتبه عليك الأمر، فالحلال بين وواضح، والحرام بين، وما كان فيه اشتباه فإنه يترك؛ فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. فإذا كان الأمر فيه شبه، فإن الأسلم للإنسان تركه والابتعاد عنه. وهكذا أيضا قوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» - كما ورد في حديث الحسن عن علي عند الترمذي - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة». فالأشياء التي فيها ريب، وفيها شك، وفيها اشتباه، فينبغي للإنسان أن يتركها ويجتنبها؛ فهذا أسلم له من الوقوع في هذه الأمور المشتبهة؛ فإن الوقوع فيها قد يوقعه في الحرام، والابتعاد عنها به يسلم عن الوقوع في الأمور المحرمة، وبذلك يأمن على نفسه، ويسلم دينه من الوقوع في شيء يخدش في دينه، وفي استقامته؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام». نقف إلى هنا في هذا الموضع. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.