التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 1

الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

ترجمة المؤلف إسماعيل بن إسحاق الجهضمي وتقديم عام

المقطع الأول يقدم ترجمة للمؤلف إسماعيل بن إسحاق الجهضمي، قاضي المالكية، مشيراً إلى مولده وسيرته ونشاطه العلمي وتلاميذه ومؤلفاته، ووفاته سنة 282 للهجرة.

شرح حديث فضل الصلاة على النبي

المقطع الثاني يشرح حديثاً نبويا يبين فضل الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يبين أن من يصلي عليه مرة يرد الله عليه عشر أمثالها، مع تأكيد صحة السند.

فضل الصلاة على النبي وتفاصيلها

المقطعان الثالث والرابع يتحدثان عن فضل الصلاة على النبي، حيث يبينان أن الصلاة على النبي لها فضل عظيم، ويصلي الله على المصلي عشر مرات، مع الإشارة إلى مواضع يستحب فيها الإكثار من الصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنقرأ إن شاء الله في هذه الرسالة التي هي بعنوان فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للإمام إسماعيل بن إسحاق الجهضمي قاضي المالكية، رحمه الله المتوفى سنة 282 للهجرة. ذكر فيها رحمه الله جملة من الأحاديث الواردة في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه الرسالة قد حققها العلامة الألباني رحمه الله. وقبل القراءة في أصل الرسالة، نذكر شيئا من ترجمة المؤلف رحمه الله، فهو إسماعيل بن إسحاق القاضي الإمام، شيخ الإسلام أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم البصري ثم البغدادي الحافظ، صاحب التصانيف وشيخ المالكية وعالمهم. ولد سنة 199 ومائة للهجرة، وسمع من جماعة كثيرة من الثقات، وشارك الإمام البخاري في كثير من شيوخه. بورك له في عمره حتى صار واحدا في عصره في علو الإسناد، فحمل الناس عنه الحديث الحسن ما لم يحمل عن كثير من أمثاله. وكان الناس يصيرون إليه فيقتبس منه كل فريق علما لا يشارك فيه الآخرون، فمن قوم يحملون الحديث، ومن قوم يحملون علم القرآن والقراءات والفقه، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. استوطن بغداد وولي قضاءها نحو أربعين سنة، وكان مسددا في قضائه. وكان في أكثر أوقاته بعد فراغه من الخصوم متشاغلا بالعلم، وكان عفيفا صلبا فهما. صنف المسند وكتبا عدة في علوم القرآن، وجمع حديث مالك ويحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب السختياني. وكان إماما في العربية حتى قال المبرد: هو أعلم بالتصريف مني. تفقها بأحمد بن المعدل، وأخذ علم الحديث وعلله عن علي بن المديني شيخ البخاري، الذي كان يلقب بحية الوادي لكثرة واسعة علمه بعلل الحديث ومعرفة خبايا وزوايا الأحاديث كعلم الحية بجحور الوادي. قال: روى عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل، وموسى بن هارون الحافظ، وأبو بكر بن النجاد، وأبو بكر الشافعي، ومحمد بن خلف القاضي المعروف بوكيع. وأكثر من الرواية عنه في كتاب أخبار القضاة. مات فجأة سنة 282 للهجرة، رحمه الله تعالى. قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم صل على سيدنا محمد وآله وسلم. قال: أخبرنا شيخ الإمام العالم الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، أيدّه الله، قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن هيبة الله بن عبد الصمد الكامل بالقاهرة في شهر ربيع الأول من سنة 591 وخمسمائة بقصر بني عبيد، قال: أنبأنا أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني في مصر، قال: أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله الحبال، قال: أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد التجيبي البزار المعروف بابن النحاس، قال: قرأت على أبي القاسم إسماعيل بن يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن البختري البغدادي المعروف بابن الجراب وأنا أسمع في شهر ربيع الآخر من سنة 339 وثلاثمائة، قال: أنبأنا إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد القاضي، قال: أنبأنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني أخي عن سليمان بن بلال بن عبد الله بن عمر عن ثابت البناني، قال: أنس بن مالك، قال: أبو طلحة. وهذا السند رجاله ثقات كما بين العلامة الألباني رحمه الله بنسبة ثبوت هذه الرسالة إلى مصنفها رحمه الله. ثم ذكر أول حديث في هذه الرسالة، قال: أنس بن مالك، قال: أبو طلحة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم يوما يعرفون البشرى في وجهه، يعني علامات الفرح والسرور، فقالوا: إنا لنعرف الآن في وجهك البشرى يا رسول الله، قال: أجل، أتاني الآن آت من ربي فأخبرني أنه لن يصلي علي أحد من أمتي إلا ردها الله عليه عشر أمثالها. وهذا الحديث حديث صحيح بمجموع طرقه، فله طرق عديدة ذكر منها المصنف رحمه الله شيئا كثيرا. وأصل الحديث في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما في قوله عليه الصلاة والسلام: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». قال: وحدثنا سليمان بن حرب، قال: أنبأنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن سليمان مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يوما والبشر يوري في وجهه، قالوا: يا رسول الله إنا لنرى في وجهك بشرا لم نكن نراه، قال: أجل، إنه أتاني ملك فقال: يا محمد إن ربك يقول أما يرضيك ألا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا ولا سلم عليك إلا سلمت عليه عشرا. وهذا أيضا الحديث صحيح بما قبله وبما بعده من الأحاديث التي ستأتي. فهذا الحديث فيه فضيلة عظيمة وبشارة كبيرة في فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، أنه من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة واحدة ولو كان ذلك بأدنى صيغ الصلاة لو قال اللهم صل على محمد يكون بهذا قد صلى على النبي عليه الصلاة والسلام، فإن الله عز وجل يصلي بها عشرا على هذا المصلي. أنت تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، الله عز وجل يصلي عليك عشر مرات، يصلي عليك عشر مرات إلا ردها الله عليه عشر أمثالها، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها، والله عز وجل يضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. فهذا فيه فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أن من صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا. وصلاة الله على عبده ثناؤه عليه، أنت تقول اللهم صل على محمد أي أثن عليه في الملأ الأعلى، أثن عليه في الملأ الأعلى كما قال أبو العالية الرياحي رحمه الله وذكره البخاري في صحيحه تعليقا في معنى الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. ومن أهل العلم من قال: إن الصلاة بمعنى الرحمة، اللهم صل على محمد أي ارحم محمدا. فالله عز وجل يصلي عليك عشرا أي يرحمك عشرا، لكن هذا القول مرجوح. وذلك أن الله عز وجل فرق بين الصلاة والرحمة كما في قوله عز وجل: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فدل على أن الصلاة غير الرحمة، على أن الصلاة غير الرحمة وهو الصحيح. والإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب بدائع الفوائد ذهب إلى أن الصلاة بمعنى الحنو والعطف، الحنو والعطف الذي يشتمل على الثناء والتأييد والنصر، وهذا معنى أعم، معنى أعم من معنى الثناء. أنت تصلي على النبي عليه الصلاة والسلام اللهم صل على محمد أي احن عليه واعطف وأثن عليه وأيده وانصر سنته ونحو ذلك من المعاني الكثيرة، وهذا أعم أعم من معنى الثناء فقط. فإذا صليت على النبي عليه الصلاة والسلام صلاة واحدة صلى الله عليك بها عشرا، فإذا صليت عليه عشرا صلى الله عليك بها مئة، هذا أجر عظيم ينبغي أن لا يتكاسل المسلم أو يتقاعس عن الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا أيضا السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم صل على محمد، اللهم صل وسلم على نبينا محمد، إذا صليت عليه صلى الله عليك عشرا، وإذا سلمت عليه سلم الله كذلك عليك عشرا، فهذه فضيلة عظيمة ينبغي للمسلم أن يحرص على الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة في المواضع التي ينبغي أن يكثر منها عند ذكره عليه الصلاة والسلام، وهكذا في يوم الجمعة وليلة الجمعة كما سيأتي في الأحاديث، وهكذا بعد الأذان، وكذلك أيضا في الصلاة في التشهد الصلاة الإبراهيمية وغير ذلك من المواضع الكثيرة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.