الدرس في التعليق على شرح القواعد الأربع للشيخ العصيمي 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الشيخ القاعدة الرابعة من كتاب "القواعد الأربع" لمحمد عبد الوهاب النجدي، مشيرًا إلى أن شرك أهل الزمان الحالي أغلظ من شرك الأولين. يُستدل على ذلك من القرآن الكريم.
يخلص المشركون الدعاء لله في الشدة ويعودون إلى الشرك في الرخاء، مع توضيح لتفاوت شرك المتأخرين عن الأولين في القبح والكفر. المتأخرون يدعون فجارا وفسقة.
الذين يدعون غير الله يعتقدون أنهم يتقربون إليهم خوفا من أذاهم، وهذا الفعل يعتبر شركا أكبر. الاعتقاد فيهم التسلط والتصرف يجعلهم يلجأون إلى غير الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علامة محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله في كتابه «القواعد الأربع»، القاعدة الرابعة: أن مشرك زماننا أغلظ شركا من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائما في الرخاء والشدة. والدليل قوله تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾. قال الشارح -وفقه الله-: «مقصود هذه القاعدة بيان غلظ شرك أهل زمان المصنف فمن بعدهم من المتأخرين، وأنهم أغلظ شركا من الأولين. ومنفعة تقرير غلظه تحقيق أنهم بتلك الحال التي هم عليها أولى بالتكفير والقتال من المشركين الأولين، وهو المصرح به عند المصنف في كتابه الآخر «كشف الشبهات». يعني إذا كان الذين بعث فيهم النبي عليه الصلاة والسلام، وهم يشركون في حال الرخاء ويخلصون في حال الشدة، ومع ذلك فقد كفرهم عليه الصلاة والسلام وقاتلهم، فكيف بحال هؤلاء المتأخرين الذين هم أعظم شركا من الأولين؛ إذ أنهم يشركون في حال الرخاء وكذلك في حال الشدة؟». قال: «وذكر المشركين تعيين للكفر الذي وصفوا به قبل في قول المصنف أولا: أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم كفروا بالشرك؛ لأن الكفر قد يكون بالشرك وقد يكون بغير الشرك، فليس كل كافر مشرك، لكن كل مشرك كافر. فقد يكون الكفر بغير الشرك، كمن مزق المصحف مثلا أو سب الله ورسوله، هذا وقع في الكفر، لكن ليس ما وقع فيه من الشرك. ومن عبد غير الله جل وعلا فقد وقع في الشرك والكفر». قالوا: «مجموع الأدلة الشرعية والواقع القدرية يدل على أن شرك المتأخرين أغلظ من شرك الأولين من عشرة وجوه. الوجه الأول: أن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، أما المتأخرون فيشركون في حال الرخاء والشدة. ذكر هذا الوجه المصنف هنا في «القواعد الأربع» وفي «كشف الشبهات» أيضا، وجعل دليله الآية المذكورة من سورة العنكبوت. فركوب البحر في الفلك -وهو السفينة- حال شدة لامتلاء قلوبهم بالخوف، وهم فيها مخلصون يدعون الله وحده. فإذا صاروا في البر وكانوا في رخاء لأمنهم مما تخوفوه من الضرر، فهم فيها مشركون يدعون مع الله غيره. هذا حال المشركين الأولين في حال الرخاء عند كونهم في بلدهم أو في حال البر وعدم وجود شيء من الخوف، يشركون في عبادة الله جل وعلا ويدعون غير الله ويتقربون إلى غير الله سبحانه وتعالى. وفي حال الشدة كركوبهم في البحر، حين أن يكونوا في السفينة في أوساط البحار، فتتراكم عليهم الأمواج ويرون الموت عيانا. ومن ركب البحر يعلم شدة ذلك الموقف، ففي تلك الحال لا يتوجهون إلا إلى الله وحده، ينسون آلهتهم كلها التي يعبدون ويشركون فيها مع الله، ويخلصون الدعاء لله جل وعلا وحده. فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين. ثم إذا حصلت لهم النجاة وصاروا في رخاء رجعوا إلى الشرك. فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون. أما المتأخرون فعلى خلاف ذلك». قال: «ومثل هذا الوجه ذكره بعد المصنف جماعة منهم حفيداه سليمان بن عبد الله وعبد الرحمن بن حسن، وعبد الله أبا بطين وسليمان بن سحمان. والآية المذكورة تبين حال الأولين من المشركين بين الشدة والرخاء، أما حال المتأخرين في دوام شركهم بل اشتداده عند حلول المصائب واستحكام الكرب، فتبينه شواهد أحوالهم ومسطورات أقلامهم التي تخبر بصدق عن سبقهم الأولين في الشرك برب العالمين. وهذا معلوم عن هؤلاء القوم ممن وقعوا في الشرك، فإنهم يشركون في حال الرخاء فيتوجهون إلى غير الله جل وعلا من الأولياء والصالحين. وهكذا أيضا في حال الشدة إذا أصابتهم الشدائد والكرب والمصائب، تجدهم يتوجهون إلى غير الله، يتوجهون إلى هذه المعبودات التي اتخذوها من دون الله جل وعلا. فهذا يدعو الجيلاني، وهذا يدعو بن اسماعيل، وهذا يدعو المحضار، وهذا يدعو كذا وكذا من خلق الله جل وعلا، يستغيثون بهم ويطلبون منهم كشف ما أصابهم من كربة عند الشدائد». قال: «يعني أن الآية دليل على تحقيق حال الأولين أنهم كانوا يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة. وأما المتأخرون فإذا أردت أن تعرف حقيقة كونهم يشركون في الرخاء والشدة، فعليك أن تشاهد أحوالهم إن كنت من البلدان التي بليت بهذا -يعني بالشرك- أو وجود أمثال هؤلاء ممن يدعو غير الله جل وعلا ويلتجئ إلى غير الله سبحانه وتعالى، فستجد ذلك واضحا جليا. أو أن تقرأ في مصطورات ما كتبوه -يعني في كتبهم- فتجد شركهم في كل حال من الشدة والرخاء. وبهذا يكون قد فاقوا المشركين الأوائل». قال: «والوجه الثاني: أن الأولين كانوا يدعون مع الله خلقا مقربين من النبيين والملائكة والصالحين، أو يدعون أشجارا وأحجارا ليست عاصية. وهؤلاء المتأخرون يدعون مع الله الفساقة والفجار. ذكر هذا الوجه أيضا المصنف في «كشف الشبهات»، وبين تحقق وقوعه في عصره -يعني الذي من عصره محمد بن إسماعيل الصنعاني الإمام الصنعاني رحمه الله- في كتابه «تطهير الاعتقاد». قال: ومن شأن دعوتهم مع الشهود بفجورهم هو مخافة شرهم؛ لأنهم يعتقدون فيهم -مع ما هم عليه من حال مقبوحة- أن لهم تسلطا وتصرفا يوصلون به الأذى إليهم». قال: «هذا الوجه الثاني في بيان قبح شرك المتأخرين عن شرك الأولين. أن الأولين كانوا يدعون مع الله خلقا مقربين من الأنبياء والملائكة والصالحين، هؤلاء عباد صالحين يتقربون إلى الله جل وعلا بالطاعات والقربات، أهل خير وصلاح. أو يدعون أشجارا وأحجارا ليست بعاصية، جمادات لا يقع منها شيء من الذنوب والمعاصي. أما المتأخرون فيدعون أقواما هم من أهل الفسق والفجور، ربما الواحد منهم لا يصلي، تاركا للصلاة، أو يرتكب الفواحش من زنا ولواط، بل ربما يأتي البهائم، وهذا موجود مصطر في كتبهم، ويعدون ذلك من الكرامات من كرامات أوليائهم. فتجد على مثل هذه الحال المخزية ومع ذلك يتوجهون إليهم ويدعونهم ويستغيثون بهم. ولا شك أن هذا أعظم شركا وكفرا من الأولين». ثم ذكر وجه ذلك، يعني ما الذي جعلهم يدعونهم على هذا الحال من الفسق والفجور، قال: «أنهم يخافون منهم، يعتقدون أن هؤلاء الذين يدعون فيهم الولاية من الفسقة والفجار أن لهم قدرة واستطاعة لإيصال الشر بهم، فلذلك يتقربون إليهم خوفا من أذاهم ومن شرهم، فوقعوا في ذلك في مثل هذا النوع وهذا الوجه من الشرك والكفر، فصاروا بذلك أعظم شركا من الأولين». صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.