الدرس في آداب الطعام والشراب 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع آداب الطعام عند التزاحم، حيث يُنهى عن التزاحم ويُستحب الأكل على دفعات. كما يُقدم الطعام على الصلاة إذا كان حاضرًا ومُهيأ للأكل.
الصلاة بحضرة الطعام تكون جائزة إذا لم يكن هناك انشغال بالنفس للطعام. أما إذا كان الشخص يتوق للطعام ويتأثر خشوعه به، فيجب عليه تناول الطعام أولا.
يتناول المقطع مسألة الاحتساب عند تناول الطعام، حيث يؤجر المسلم على طعامه إذا نوى به طاعة الله. الاحتساب يكون بتعمد الطاعة في الأكل والنية الصالحة لطاعة الله.
سيتم الانتقال إلى باب آداب الشرب بعد الانتهاء من الباب الحالي، حيث سيتم التطرق إلى الآداب الخاصة بالشرب بإذن الله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمواصلاً إخواني في الله في المسائل العامة المتعلقة بآداب الطعام، من هذه المسائل إخواني في الله مسألة التزاحم. التزاحم عند تناول الطعام قد يقع هذا، وهذه المسألة متصورة في بعض الحالات، مثل أن يكون المكان المعد لتناول الطعام ضيق، أو أن الآنية المعدة للأكل قليلة، فيحصل ازدحام. فهنا أمر عليه الصلاة والسلام بأن لا نحدث تزاحمًا على الطعام، وغُبِطَ ذلك في الصحيح، صحيح مسلم، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، أنه أعد طعاماً يوم الخندق، فلما أراد الناس أن يدخلوا إلى تناول الطعام، قال عليه الصلاة والسلام: «لا أدخلوا ولا تتضاغطوا، أدخلوا ولا تتضاغطوا». فنَهاهم عن التضاغط أو الازدحام، فهذا ليس من الهيئة المرضية في شريعتنا بأن نحدث تزاحمًا. وهذه هيئة قد نجدها أحياناً في بعض الأماكن التي تكون فيها كثافة للآكلين، مثل المعسكرات أو في المصانع أو ما شابه ذلك، حيث تجد صحنًا واحدًا فوقه الأيدي من فوق ومن تحت لعدم وجود مكان مهيأ للجلوس، ويقع التضاغط والتزاحم، وهذا منهي عنه. قالوا من أصحابه: «أدخلوا ولا تتضاغطوا»، أي ولا تتزاحموا. طيب، ما الحل؟ ما الحل إذا حصل تزاحم عند الطعام؟ الحل ثبت كذلك في السنة، وذلك بأن يكون أكل الناس على دفعات، أكل الناس يكون على دفعات، دفعة بعد دفعة. وأثبت هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث أبي طلحة رضي الله تعالى عنه، أنه عندما أعد طعامًا فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم به، قال عليه الصلاة والسلام: «ائذنوا بعشرة»، أمر بإدخال والاستئذان لهذا العدد. فلما دخلوا وأكلوا حتى شبعوا، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ائذنوا لعشرة»، أي الفوج الثاني، وهكذا. وقال الراوي: وكان القوم ما بين السبعين والثمانين. إذن، كم دفعة؟ إذن على شكل سبع دفعات أو ثمان دفعات، عشرة ثم عشرة ثم عشرة. الانتظار سهل، وكل ذلك منه عليه الصلاة والسلام أن لا يكون تزاحم. تخيل إذا كان هذا العدد الكبير أُذن له أن يتدافع الجميع للأكل، فما ظنك بالأكل؟ ما سيأكل أحد، سيستحيل ازدحامًا عظيمًا وتقع الفوضى. فهذا الحمد لله موجود، نذكر في بعض الأعراس تدخل وتجد الناس قيامًا، ما لكم؟ قالوا: ما في عندنا نفس، ما هناك مكان. ينتظر الجميع، هذا طيب، هذا أدب. ننتظر إلى أن ينتهي فوج ويدخل فوج آخر، والإنسان لا يتضجر يتدمر من هذا، هذا أمر وجه شرعي. وكما قلنا، وهذا يتأتى هذه الصورة إذا ضاق المكان أو قلت الآنية، فهذه السنة قررها لنا وسنها لنا نبينا عليه الصلاة والسلام. أولاً، عدم التزاحم، وإن حصل التزاحم يكون بماذا؟ بإدخال الناس على دفعات. كذلك من مسائل الطعام العامة مسألة قريبة من مسألة التزاحم، ما مر معنا هي مسألة التزاحم بين الناس، لكن المسألة بين يدي الآن هي مسألة تزاحم الطعام مع الصلاة. وهذا كذلك مسألة قد تقع أحيانًا، يتوافق الطعام مع وقت الصلاة، الطعام مع وقت الصلاة يكون في آن واحد، إما هذا على حساب هذا أو هذا على حساب هذا، فما العمل؟ جاءت السنة في بيان الحل لهذه القضية، كما جاء من حديث عائشة، قالت: قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان». قال: «لا صلاة بحضرة الطعام»، فإذا قرب الطعام أثناء وقت الصلاة، فحينها ابدأ بالعشاء وكل ما قرب لك من طعام. ويؤيد هذا المعنى كذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء». إذا وضع أمامك الطعام وأقيمت الصلاة العشاء، فهنا الحل تبدأ بتناول طعامك، هذا عند التزاحم إما هذا وإما هذا. أما أن لا تزاحم فلا إشكال، لكن يشكل هنا أمر هذه القضية الآن التي جاءت في السنة، إذا تزاحم الطعام مع الصلاة، فالطعام مقدم. الطعام مقدم لأن الإنسان مطالب إخواني في الله في صلاته ليس فقط أن يأتي ببدنه، وإنما عليه أن يستحضر قلبه. يستحضر قلبه، ولهذا راعى الشرع هذه الخصلة، فخذ من طعامك ما يكفيك، ولو أن الصلاة ذهبت عليه، نصليها فيما بعد. لكن قلنا هذه مسألة تشكل، مع ما جاءها في الصحيح أيضًا من حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرب له طعام، فلما حانت وقت الصلاة، قام فصلى وترك الطعام. قام، ومر معنا الآن على أن النبي أقر أنك تترك الصلاة وتُبقي على طعامك، لكن في هذا الحديث، لا النبي صلى الله عليه وسلم ترك الطعام وقام للصلاة، فما الحل؟ قال العلماء: الأمر لا إشكال فيه، وأن الأمر كله يعود إلى مسألة واحدة، وهو العبرة بانشغال النفس. انتهينا، العبرة بانشغال النفس. فمن قُدّم له الطعام مع وقت الصلاة، فانظر في نفسك، إن كانت نفسك تتوق للطعام، بحيث لو أنك ذهبت إلى الصلاة، فنفسك لا زالت تحدثك بالطعام، فلا تذهب للصلاة وأنت على هذه الصورة من انشغال النفس، خذ من طعامك ما يكفي، ولو أن صلاة ذهبت عليه. أو كان العكس، أو قرب الطعام مع وقت الصلاة وأنت للطعام ما تبالي به، ولا تفكر فيه، ولا يؤثر في خشوعك ولا خضوعك بين يدي ربك، هنا الصلاة مقدمة، قم وصلي، قم وصلي. هذا هو الحل إخواني في الله، وهذا يزيح كثيرًا من إشكاليات، فبعض الناس وهي قضية بين الإفراط والتفريط، بين موسع وبين منكر، بين مؤيد وبين معارض، ليس الأمر في ذلك. وكل شخص أدرى بنفسه. أحيانًا تكون أنت على سفر، أو تكون أنت على جوع، انتهيت من عمل، فما يأتي طعامك إلا مع وقت صلاة العصر، أو قل مع صلاة الظهر، أو قل مع صلاة العشاء، يقرب الطعام الصلاة، فكيف أفعل؟ وأنت تواق للأكل، على رسلك، كل، «لا صلاة بحضرة الطعام»، كل يا عبد الله. أما إن قُدّم الطعام وأنت ما تبالي به، أنت جاد في مجلس، في مجلس، قُرب لك طعام وقُيمت الصلاة، فأردت أن تنهض، قيل: أخي، أخي، «لا صلاة بحضرة الطعام»، قيل: أخي، أنا نفسي ما تتوق للطعام، لا، ما لنفس عادي، أخره، لو صليت ما أفكر فيه، أخره واجعله على جنب، سنصلي جمعًا ونأتي. أما من كان منشغلًا لا يبقى، فهذا ليس فيه إشكال إخواني في الله، فالعبرة لأن النبي قام وترك الطعام وصلّى، فهذا العبرة إخواني في الله تعود إلى انشغال نفسي، هذه العبرة. مسألة قريبة من هذه المسألة، وهي المسألة العامة ما تتعلق بين الصلاة مع الطعام، من أكل طعامًا ثم أراد أن يصلي، فليصلي، لكن لابد أن يكون هذا الطعام إخواني في الله ليس فيه رائحة تؤذي عباد الله في المسجد، سواء أذية للملائكة، ملائكة الرحمن، أو أذية للمصلين، لا تؤذي هؤلاء ولا هؤلاء. وقد جاءت السنة المطهرة في بيان ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «من أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزلنا»، وفي رواية: «فليعتزل مسجدنا»، اعتزل المسجد من أكل ثومًا أو بصلاً. والعبرة في ذلك الرائحة، وألحق العلماء كل ما له رائحة تنبعث منه تؤذي من بجواره من المصلين، وكذلك يتسع الحكم إلى الملائكة، فإنه لا يجوز أن يصلي، وبعض العلماء ذهب إلى كراهته، ومنهم من صرح بالتحريم، لا يجوز. متى تصلي؟ تصلي إذا ذهبت الرائحة، أو أنك تفعل ما يذهب العبرة بالرائحة، إما أنك تترك مدة حتى تذهب هذه الرائحة، أو أنك تتناول شيئًا. والناس توسعوا في هذا الباب، وهذا مسألة خاصة سيعلمها بعض الأشخاص فيما هي الأشياء التي تذهب رائحة البصل والثوم. فإذا استطعت أن تذهب الرائحة، فلا بأس أن تصلي مع الناس جماعة. أما ما كان غير المسجد، هل يلتحق الحكم؟ هذه مسألة خلافية، صورتها: أن أناسًا أكلوا في مطعم، أكلوا في مطعم، ومن ضمن الأكل قُرب البصل، فأكل بعض الناس بصلاً وبعضهم لم يأكل، أو قل كل أكل، أو بعض أكل وبعضهم يأكل، فسيصلون، ليس في المسجد، لا في بعض الفنادق والمطاعم، ولله جعلوا أماكن مثل مصليات يصلي فيها من أحب، أو في مكانك تفرش السجاد وتصلي. هنا هل يصلون جماعة؟ منهم من أكل بصلاً ومنهم من لم يأكل البصل، الذي أكل البصل ما يدخل في الصلاة؟ سُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن هذه المسألة، قال: لا يصلون جماعة، قال: لأن العبرة في النهي في المساجد خاصة. وهي مسألة خلافية، وأسأل الله أن نطيل العمر ونكلمنا حول آداب المساجد، نتطرق لهذه المسألة، لكن ذكرناها لأن لها تعلق بالطعام. فالأصل أن من أكل ثومًا أو بصلاً فلا يقربن مسجدنا، كما قال عليه الصلاة والسلام، إلا إذا احتاج أخ أو شخص، كما صرح لذلك سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، من احتاج إلى أن يأكل ثومًا أو بصلاً، قال: لجوع أو لعلاج مرض، مرضًا، فقال: علاجك بأكل البصل أو بأكل الثوم، وهذا مجرب، لكن سيمتنع عن الصلاة أو تظهر رائحة في صلاته، يعتزل المسجد ويصلي في بيته، هذه رخصة، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك. فهذا ليست حيلة، فإن كانت حيلة لسقوط الصلاة، فهذا مكروه، هذا مكروه. مسألة أخيرة إخواني في الله نختم بها المقام ونختم بها المطاف من المسائل العامة في مسألة الطعام، مسألة عظيمة إخواني في الله ينبغي أن يوليها كل مسلم اهتمامًا، ألا وهي مسألة الاحتساب عند تناول الطعام. التناول الطعام والأكل أمر فطري، لا غناء للإنسان عن طعامه، وأن أكله لكي يعيش، لكي يعيش، فما ظنك يا عبد الله أن هذه الهيئة الضرورية تؤجر عليها؟ هو أمر لا بد منه، ولن فكاك عن أي إنسان عن تناول الطعام، ومع ذلك اعلم أنك تؤجر عليه. وقال العلماء: إن الأجر الذي يناله المسلم من وراء طعامه يعود إلى أمرين اثنين، يعود إلى عمل ظاهر وإلى عمل باطن. العمل الظاهر هو ما يعود إلى الهيئة، إلى هيئتك عند الأكل، وما سمعتموه في هذه السلسلة من آداب الطعام، جلها تتعلق بهذا العمل الظاهر، أن تتأدب بآداب الطعام، هو طعام مقرب، لكن هيئتك عند التناول تتحصل على أجر عظيم، البسملة، الحمد لله، تأكل بيمينك، تأكل مما يليك، تفعل وتفعل وتفعل. وقد مرت هذه المسائل معنا كثيرة في هيئتك في جلوسك في ذكرك في قولك في حديثك إلى آخر، تؤجر، تؤجر، تؤجر، لربما تقوم من الطعام وقد غفر لك، غفر لك ذنبك، سبحان الله، فضل عظيم. هذا أمر يعود إلى العمل الظاهر. وقد يؤجر على طعام بعمل باطني، قال علماء: وهو عمل المقاصد والنيات والإرادات، أنك عندما تتناول هذا الطعام تنوي به طاعة الله سبحانه وتعالى. وهذا أمر قد يغفل عنه الناس، أكثر الناس، لربما يأكلون الطعام وهم يلتمسون رفع حاجة الجوع أو ينوون الشبع، فاجعل هذه النية صالحة، تنوي بهذا الطعام أن الله يُطيل عمرك لكي تطيع الله، تنوي بهذا الطعام أنك تتقوى على عبادة الله، تنوي بهذا الطعام أنك تكون نشيطًا في الدعوة إلى الله، نشيطًا في طلب العلم، أنك تنوي بهذا الطعام أنك تتقوى لمنفعة الناس. وتحدث نفسك في كل وجبة على أنك تريد بهذا الطعام أجرًا، وكما قال بعض الصحابة: إني والله لأحتسب في نومتي وقومتي، يعني حتى في النوم وفي القيام، يلوذ الأجر، ويعطيك الله أجرًا على قدر نيتك. وهكذا في طعامك، تأكل الأكل، تأكل الفطور، تأكل الغداء، تأكل العشاء، وتجعل هذا الطعام معينًا لك على طاعة الله، فتؤجر أجرًا فوق أجر العمل الظاهر. فتخيل يا عبد الله إذا كان هذا من رحمة الله أن يعطيك الأجور الكثير على وجبة طعام، فما ظنك إن كانت النيات والإرادات في سائر الأعمال والأفعال والأحوال؟ فهذه من رحمة الله الواسعة. وبهذا المقام وبهذه المسألة إخواني في الله انتهينا من ذكر مسائل الطعام، ما كانت إجمالية تفصيلية، وما كان مسائل عامة. وإن شاء الله ننتقل بعد ذلك الباب إلى باب آداب الشرب، لأن الشرب وإن كانت نعم المسائل الكثيرة التي خضنا فيها في باب الطعام تمشي وتجري إلى أحكام الشرب، إلا أن الشرب أيضًا تميز بآداب خاصة به، سنعرج عليها بإذن الله في هذا المبحث القادم. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.