الدرس في التعليق على شرح القواعد الأربع للشيخ العصيمي 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل الفرق بين شرك المشركين الأولين والمتأخرين في فهمهم لدعوة الأنبياء ومعنى كلمة التوحيد، حيث كان الأولون يعترفون بملك الله ويعتبرون آلهتهم وسائط بينما ادعى المتأخرون الانتماء لأهل التوحيد مع مخالفتهم لمدلوله. يُظهر أن شرك المتأخرين أشد بسبب ادعائهم استقلال معبوداتهم في الملك والتصرف.
يتعمق هذا الفصل في تفاصيل شرك الأولين والمتأخرين، حيث كان شرك الأولين قليلًا في الربوبية والأسماء والصفات بينما أشرك المتأخرون في جميعها. يُبين أيضًا أن المتأخرين يزعمون أن دعاء الصالحين من حقهم.
ينتقد هذا الفصل عبادة الأموات والأضرحة والقبور ويصفها بالشرك، ويبين كيف يسميها الناس محبة للصالحين وهي في الحقيقة عبادة لغير الله.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشارح -وفقه الله- في ذكر الأوجه في غلظ شرك المتأخرين عن شرك المتقدمين: قال الوجه الثالث أن الأولين يعتقدون أن فعلهم موافق دعوة الأنبياء، يعتقدون أن ما هم عليه مخالف دعوة الأنبياء والرسل، فإنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. قال: أما المتأخرون فإنهم يدعون أن فعلهم موافق دعوة الأنبياء والرسل. ذكر معنى هذا الوجه عبداللطيف بن عبدالرحمن في رده على داود بن جرجيس، وذكره كذلك تلميذ سليمان بن سحمان. قال: فيمتنع الأولون مع القول «لا إله إلا الله»، الكفار الأولون أبوا أن يقولوا «لا إله إلا الله»، إنهم كانوا إذا قيل لهم «لا إله إلا الله» يستكبرون ويقولون: ﴿إِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾، يعني يقول: نترك الآلهة كلها وما نعبد إلا إلهًا واحدًا، هم يعلمون أن معنى هذه الكلمة ترك جميع الآلهة وإخلاص العبادة والألوهية لله سبحانه وتعالى وحده، فلهذا أبوا واستكبروا أن يقولوا «لا إله إلا الله». قال: ويزعم المتأخرون أنهم من أهلها، فلا يمتنعون عن قولها، المشركون المتأخرون يقولون: نحن من أهل «لا إله إلا الله»، فتجدهم يتلفظون بها بأسنانهم ويكررون ذلك، لكنهم خالفوا مدلولها ومقتضاها. قال: فجحد بها الأولون مبنى ومعنى، جحدوا بها مبنى -يعني لفظًا- فأبوا أن يتلفظوا بها، ومعنى -أي ما دلت عليه من إفراد العبادة لله جل وعلا وحده- واستمروا في عبادة غير الله، وقر بها المتأخرون مبنى وجحدوها معنى، أي لفظًا تلفظوا بها وقالوها بأسنانهم، لكن خالفوها معنى، هم يقولون «لا إله إلا الله»، ثم يعبدون غير الله ويلجأون إلى غير الله جل وعلا. قال: أفاده عبدالرحمن بن حسن بفتح المجيد بن القاسم في حاشية كتاب التوحيد. نعم، هذا الوجه الثالث: أن الأولين -أي المشركون الأولون- يعتقدون أنهم على خلاف دعوة الأنبياء والرسل، هم ليسوا على طريقتهم ولا على هديهم، ولذلك أبوا أن يقولوا «لا إله إلا الله»، والمتأخرون يقولون: نحن على هدي الأنبياء ومن أهل «لا إله إلا الله»، فيتشدقون بهذه الكلمة، لكنهم يخالفون ما دلت عليه معنى، وكذلك أيضًا عملًا وتطبيقًا. قال: والوجه الرابع: أن المشركين الأولين كانوا لا يشركون بالله في شيء من الملك والتصرف الكل العام، بل كانوا يقولون في تلبيتهم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك»، يعني لا يدعون أن له الملك الكامل والتصرف الخاص، بل يعترفون بأن الربوبية لله سبحانه وتعالى، إلا أنه مع الله شريك، شريك معه في الملك، وهو يملك هذا الشريك وما معه، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. قال: أما المتأخرون فجعلوا لمن يعظمونه ملكًا وتصرفًا، وكصَدُّوهُمْ على أن لهم تدبير العالم وما يجري فيه، ولهذا يعتقدون أن للكون أقطابًا وأوتادًا يتصرفون في هذا الكون، يتصرفون في هذا الكون، قالوا: هذا شرق لم تعرفه الجاهلية الأولى، ولهذا كانوا من هذه الحيثية ومن هذا الوجه أشد شركًا من الأولين، فالأولين لم يجعلوا ذلك فيمن عبدوهم أن له تصرف الكامل في الربوبية في الملك والخلق والتدبير، بخلاف أولئك المتأخرين فجعلوا ذلك لمن عبدوهم وتقربوا إليهم أنهم يملكون التصرف العام والكامل في الخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة وغير ذلك. قال: الوجه الخامس: ولهذا -يعني لا تعجب- إذا سمعت أحد دعاة الشرك في هذه الأزمان يأتي ويقول: بأن الولي يستطيع أن يخلق الطفل بلا أب، الولي يستطيع أن يخلق الطفل من أم بلا أب، هذا هل قاله أبو جهل أو أبو لهب؟ لا، أبو جهل وأبو لهب ما قال بذلك، هم يعترفون أن الخالق والمالك والمدبر هو الله، ما ادعوا في آلهتهم التي يعبدونها من دون الله جل وعلا أنها تخلق من دون الله جل وعلا، وهؤلاء يزعمون في أوليائهم أنهم يخلقون، وهذا لا شك أنه من شدة كفرهم. قال: الوجه الخامس: أن كثيرًا من المتأخرين قصدوا معبوداتهم من دون الله على جهة الاستقلال، وأما الأولون فقصدوا معبوداتهم لتقربهم إلى الله، فهي عندهم شفعاء ووسائط، بخلاف حال أكثر من تأخر وإن زعموا خلافه، يعني أن المتأخرين قصدوا من عبدوه من دون الله جل وعلا على جهة الاستقلال، تجده يدعو ويستغيث به ويذبح له وينذر له ويتقرب إليه بأنواع الطاعات والقربات، ولا يدعو الله عز وجل بما يدعو به هذا الإله الذي اتخذه إلهًا، ولا يتقرب إلى الله بما تقرب به إلى هذا المخلوق، بخلاف الأولين فإنهم يقصدون معبوداتهم لأنها واسطة فقط تقربهم إلى الله، أنها تقربهم إلى الله ويشفعون لهم عند الله جل وعلا. قال: والوجه السادس: أن عامة شرك الأولين في الألوهية وهو في غيرها قليل، يعني شركهم في الربوبية وفي الأسماء والصفات قليل، أما المتأخرون فشركهم كثير في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات جميعًا، بل جعل سليمان بن سحمان من الفروق بين الفريقين في كون مشركي أهل هذه الأزمان أسوأ حالًا من مشركي الجاهلية: أن الأولين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وإنما كان شركهم في الألوهية، وهذا يشهد لما ذكرنا، هذا والغالب والأكثر أن شرك الأولين كان في الألوهية بصرفهم العبادة لغير الله، وأما في الربوبية ففي الجملة هم مقرون بربوبية الله سبحانه وتعالى، بخلاف المتأخرين فهم أشركوا في الربوبية وأشركوا كذلك في الألوهية وفي باب الأسماء والصفات، فكما سمعنا جعلوا لأوليائهم واعتقدوا فيهم التصرف في الكون في الخلق والملك والإحياء والإماتة والرزق وإدخال الجنة وإخراج من النار إلى آخر ذلك. نعم، حتى إن أحدهم يزعم أنه يدخل من شاء الجنة ويدخل من شاء النار ويخرج من شاء من النار إلى آخر -يعني ذلك- من كفرهم، وكذلك أيضًا كذبهم وفجورهم، وهذا ما يفعله الدعاة المشركون الأولون. قال: والوجه السابع: أن المتأخرين يزعمون أن قصد الصالحين ودعاءهم والتوجه إليهم من حقهم، وأن تركه جفاء لهم وإزراء بهم، ولم يكن الأولون يذكرون هذا، المتأخرون يزعمون أن قصد الصالحين ودعاءهم والتوجه إليهم من حقهم، أي من حق الصالحين، هذا رجل صالح من حقه أننا نتقرب إليه وندعوه، أننا ندعوه ونتوجه إليه ونتقرب إليه لكونه من أهل الصلاح، هكذا يزعم المشركون المتأخرون، وأن عدم فعل ذلك -عدم التوجه إليهم ودعائهم والتقرب إليهم والاستغاثة بهم- هذا من إزراء بهم وعدم معرفة منزلتهم ومعرفة قدرهم، والمشركون الأولون ما فعلوا ذلك، ما فعلوا مثل ذلك أو يذكرون مثل ذلك: أن هذا من حقهم من حق هذه الأصنام وهذه المعبودات أنك تدعوها وتتوجه إليها وتتقرب إليها إلى آخر ذلك. قال: والوجه الثامن: أن المشركين الأولين كانوا مقرين بشركهم كما في تلبيتهم المذكورة آنفًا، ويسمون رغبتهم إلى معظميهم عبادة، أما المتأخرون فيزعمون أنهم بربهم لا يشركون، ويسمون رغبتهم إلى معظميهم محبة، وهم في زعمهم كاذبون، نعم، المشركون الأولون يقرون بشركهم أنهم يجعلون مع الله شريكًا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك»، إذن هم يقرون ويظهرون اتخاذهم الشريك مع الله جل وعلا، لكن المتأخرين يقولون: لا، نحن لسنا بمشركين، نحن نعبد الله عز وجل ونحب الأولياء والصالحين، يسمون عبادتهم للأولياء والصالحين محبة، هذا حب الأولياء والصالحين، فيدعونهم ويستغيثون بهم ويذبحون لهم ويذلون لهم إلى آخر ذلك من صرف أنواع العبادة لهؤلاء الأموات وأصحاب الأضرحة والقبور، فيسمون هذا محبة، يسمون عبادتهم لغير الله محبة الأولياء والصالحين، فلبسوا في هذه التسمية على حقيقة الأمر وهو الشرك وعبادة غير الله سبحانه وتعالى. طيب، بقي وجهان نقرأهم إن شاء الله في الدرس القادم، إلى هنا صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.