الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 44، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يواصل المحاضر بيان آداب طالب العلم مركزاً على خلق الصدق كفرض عين وعنوان للوقار، مستشهداً بأقوال السلف كالأوزاعي ووكيع بن الجراح في تقديم تعلم الصدق على العلم. ويحذر من أن الكذب يمس نفس الطالب وعلمه بالأذى ويفقده ثقة الناس في دينهم.
يبيّن المقطع أن الكذّاب يسقطون في مستنقعات الذل بينما الصدق هو الجادة المستقيمة التي تنفع وترفع، موضحاً وجوب مطابقة النطق للإحساس الصادق باطناً وظاهراً. ويستدل بالحواس الخمس كمصادر للإدراك الصادق، ضارباً مثلاً بالمنافق الذي يدّعي المحبة وهو مبغض.
يؤكد المقطع أن الصدق ركن أساسي محذراً من التوسع في المعاريض الموصل للكذب، ومن طلب السمعة بالمنافسة والكذب في العلم. ويبين أن ذلك يؤدي لفقدان الثقة وذهاب العلم وقبول الناس، حتى لا يُصدق الصادق منهم، مختتماً بأن زخرف القول الباطل كسحر لا يفلح صاحبه.
يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه وسلم، ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر ثلاث مرات كخاتمة للجلسة العلمية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم التي تزيد الطالب جمالاً إلى جماله، وحسناً إلى ما عنده من الحسن، التحلي بهذه الآداب. ونحن مع فصل عظيم في آداب طالبي العلم في حياته العلمية. ما معنى "في حياته العلمية"؟ أي: أثناء طلبه للعلم، أثناء طلبه للعلم: إقامته في دور الحديث ومراكز أهل السنة، جلوسه في الحلقات، وملازمته للدروس، وتعامله مع الزملاء والإخوان، وغيرها من الأمور التي نحن الآن نعيشها. فما أحوجنا جميعاً إلى أن نجاهد أنفسنا على التحلي بمثل هذه الآداب والأخلاق. ولا يدعي أحد منا الكمال في هذا الجانب، الكمال في هذا الجانب، وإنما كلنا يحتاج إلى ماذا؟ أن يتزود من الأدب أكثر من تزوده من العلم. وآخر ما تكلمنا عنه أدب عظيم، ألا وهو التحلي بماذا؟ من يذكر؟ يا أبا حذيفة: الصدق. التحلي بالصدق. وذكر رحمه الله تعالى جملاً مفيدة ومعاني عظيمة حول الصدق، فقال: "صدق اللهجة عنوان الوقار، وشرف النفس، ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، ورسول المودة مع الخلق -أي مع الناس-، وسعادة الجماعة، وصيانة الديانة". قال: "ولهذا كان فرض عين، ولهذا كان فرض عين". قال: "فيا خيبة من فرط فيه، فيا خيبة من فرط فيه، ومن فعل فقد مس نفسه وعلمه بأذى". أي: من فرط في الصدق سيقع في الكذب، وعندها سيمس نفسه وعلمه بماذا؟ بالأذى. وذكر رحمه الله تعالى أثراً عن إمام أهل الشام، الإمام أبي عمر عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي، قال: "تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم". تخيل طالب علم كذاب، طالب علم كذاب، كيف سيأمنك الناس على الحلال والحرام، وعلى القرآن والسنة؟ كيف سيأمنك على الصلاة والصيام والزكاة والحج، وغيرها من الأحكام، وغيرها من الأحكام؟ سيقول: إذا كان يكذب في الحديث معنا، فلا نأمن أن يكون يكذب على الله عز وجل. فتعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم. وذكر أيضاً أثر الإمام وكيع بن الجراح رحمه الله تعالى، قال: "هذه الصنعة لا يرتفع فيها إلا... إلا صادق". جعلني الله وإياكم جميعاً من أهل الصدق. هذه الصنعة ليست تجارة، ولا نجارة، ولا زراعة، ولا غيرها. هذه الصنعة يعني: العلم والتعليم، دعوة إلى الله عز وجل. هذه لا يرتفع فيها إلا صادق. وأما أرباب الكذب فسرعان ما يتساقطون، وسرعان ما تراهم في مستنقعات، وهكذا أيضاً في البالوعات وغيرها، ومن ثم إلى مزبلة التاريخ كما يقال. لكن الصدق هو الذي ينفع، كما أنه هو الذي يرفع. وذكر رحمه الله تعالى ذكر أنواعاً من الكذب: كذب المتملق، وكذب المنافق، وكذب الغبي. ثم ذكر رحمه الله تعالى قائلاً: قال: "فلزم الجادة". الجادة: أي الصدق. هذه الجادة: الطريق السوي القويم الذي يجب أن نسير عليه وأن نلزمه هو الصدق. قال: "فلا تضغط على عكد اللسان، على عكد اللسان، وعقدة اللسان: أي أصله، أي أصل اللسان، العكد هي أصل الشيء". قال: "ولا تضم شفتيك، ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقاً إلا على حروف تعبر عن إحساسك الصادق في الباطن كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر كالذي تدركه الحواس الخمس". ما هي الحواس الخمس؟ ما هي الحواس الخمس يا خالد؟ الحواس الخمس التي أو التي يدرك بها الشخص الأشياء، ما هي؟ واحد... ما هي الحواس الخمس؟ نعم تفضل: العين واليد. طيب، يعني العين سنقول: البصر. وماذا؟ واللمس. طيب، واللمس يكون غالباً باليد، والبصر يكون بالعين. هاتان اثنتان. الذوق يكون بماذا؟ باللسان. رابع؟ نعم: السمع يكون بماذا؟ بالأذن. أحسنت. والخامس؟ لو طبخ إنسان أرز أو إندومي أو شيء، وأنت لا تراه، ستعلم، تقول: من الطباخ هذا؟ من الذي يطبخ؟ أنت ما رأيت شيئاً، لكن ماذا؟ كيف عرفت أن في إندومي يطبخ، أو لحم يشوى، أو مكرونة مع الصيد والدجاج تطبخ؟ تقوم من مكانك وتبحث بماذا؟ بماذا؟ بماذا علمت هذا الشيء؟ عن طريق حاسة... أو ما تسمع شيئاً؟ أنا أسمع شيئاً من هنا. طيب، أعيد السؤال: أنت في غرفة في السكن أعلى، وإذا برائحة تأتي إلى عندك، هذه الرائحة رائحة طعام من الأطعمة، أنت لم ترى شيئاً، تقوم من مكانه تقول: من هذا الذي يطبخ؟ كيف وصل إليك؟ عن طريق... لا بأس، عبر ونحن معك... عن طريق الأنف. طيب، الأنف ماذا يفعل؟ ماذا يفعل؟ الشم. نعم أحسنتم. عن طريق الشم. هذه الحواس الخمس. إذن يا إخوان، المقصود من هذا أن الإنسان لا يضغط على أصل لسانه، ولا يضم شفتيه، ولا يفتح فاه إلا على حروف تعبر عن إحساس، هذا الإحساس لا بد أن يكون صادقاً في الباطن كالحب والبغض، وهكذا صادقاً في الظاهر، قال: "كالذي تدركه الحواس الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس". قال: "فالصادق لا يقول: أحببتك، وهو مبغض، هو يبغضك، لكن لما يلقاك يقول: والله أنت أحب واحد عندي، أحسن واحد أنت". هذا كاذب يا إخوان، في ماذا؟ في إحساسه الباطن، إحساسه الباطن. قال: "فالصادق لا يقول: أحببتك وهو مبغض، ولا يقول: سمعت وهو لم يسمع، وهكذا لا يقول: رأيت وهو لم ير". قال: "واحذر، أنت حوم حولك الظنون، فتخونك العزيمة في صدق اللهجة، فتسجل... أو فتسجل في قائمة الكذابين". تبه من هذا الأمر. قال: "وطريق الضمانة لهذا، ما هو طريق السلامة من أن نصنف في قائمة الكذابين؟" قال: "وطريق الضمانة لهذا: إذا نازعتك نفسك بكلام غير صادق، أو غير صادق فيه، أن تقهرها بذكر منزلة الصدق وشرفه، ورديلة... ورديلة الكذب ودركه، وأن الكاذب عن قريب ينكشف". الكاذب يا إخوان يأتي يوم يفضح ويكشف أمره، لكن أهل الصدق ينفعهم صدقهم، وينجيهم صدقهم. قال: "واستعن بالله، ولا تعجز". قال: "ولا تفتح لنفسك سابلة المعاريض في غير ما حصره الشرع". سبق معنا الكلام حول المعاريض، وأن البعض قد يتوسع في المعاريض فيرمى بماذا؟ نعم، فيرمى بماذا يا أبا نظم؟ يتوسع في المعاريض فيرمى بالكذب. ولهذا قال هاهنا: "ولا تفتح لنفسك سابلة المعاريض". وسابلة المعاريض: السابلة هاهنا أي الطريق المسلوك. قال: "في غير ما حصره الشرع". قال: "فيطالب العلم احذر أن تمرق من الصدق إلى المعاريض، فالكذب يعني: توسع في باب المعاريض فيقع في الكذب". قال: "وأسوأ مرامي هذا المروق: الكذب في العلم، لداء منافسة الأقران، وطيران السمعة في الآفاق". هذا مهم جداً يا إخوان. يعني يقول: "وأسوأ مرامي هذا المروق"، يعني: الخروج من الصدق إلى المعاريض فيقع في الكذب، هو ماذا؟ الكذب في العلم، من أجل ماذا؟ من أجل داء منافسة الأقران، وطيران السمعة في الآفاق. فيقال فيه ما لربما... ماذا؟ لا يستحقه، لا يستحقه. قال رحمه الله تعالى: قال: "ومن تطلع إلى سمعة فوق منزلته، فليعلم أن في المرصاد رجالاً يحملون بصائر نافذة وأقلاماً ناقدة، فيزنون السمعة بالأثر، فتتم تعريتك عن ثلاثة معاني". يفضح يا إخوان، المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور. يتظاهر أنه متمكن في فن من الفنون، لا، يفتح درس... فيله الله فيه، فيفضح، ويتعرض لماذا؟ يتعرى من ثلاثة معاني. المعنى الأول: قال: "فقدوا الثقة في القلوب". المعنى الثاني: قال: "ذهاب علمك وانحسار القبول". الثالث: قال: "ألا تصدق ولو صدقت". قال: "وبالجملة، فمن يحترف زخرف القول فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى". قال: "والله أعلم". وبهذا ختم هذا الأدب من آداب طالب العلم في حياته العملية، ويأتي معنا تتمة هذه الآداب في دروس لاحقة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر