الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 46، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد المقطع على أن العمر هو رأس المال الحقيقي للإنسان، مستشهداً بأحاديث نبوية وآيات قرآنية تحث على اغتنام الصحة والفراغ والشباب قبل الهرم والموت. ويحذر من التفريط في الوقت الذي سيُسأل عنه العبد يوم القيامة، مبيناً أن الندم يأتي متأخراً عند حلول الأجل.
يؤكد المقطع على قيمة الوقت في الإسلام مستشهداً بآيات قرآنية وأقوال السلف، محذراً من تفويته في غير طاعة. وينقل وصايا ابن مسعود والحسن البصري والإمام الشافعي بضرورة اغتنام العمر في العمل الصالح، وتجنب البطالة والكبر، لأن الوقت كالسيف إن لم يُقطع قطع صاحبه.
يحث المقطع على استغلال أوقات الشباب في طلب العلم وملازمة العلماء، محذراً من إضاعة العمر في اللهو والجوال. ويشير إلى وصية عمر بن الخطاب بالتعلم قبل تولي المسؤوليات أو الزواج، مبيناً أن الشباب فرصة ذهبية لصفاء الذهن وقلة الشواغل. ويختم بذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الحسد في اثنتين.
يختتم المتحدث الحديث بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم، ثم يشكر الحضور.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع آداب طالبي العلم في حياتهم العلمية، ضمن هذه الحلية النافعة المباركة: حلية طالبي العلم. وكم نشعر يا إخوان بحاجتنا الماسة إلى أن نعمل بما نقرأ، وأن نعمل بما نسمع، وأن في ذلك منهجًا ينبغي أن يسير عليه طالب العلم. فهذه خبرات، وهذه تجارب العلماء، وينبغي أن نستفيد من هذه التجارب وهذه الخبرات التي قدمها العلماء. ذكر رحمه الله تعالى من هذه الآداب قال: «المحافظة على رأس مالك»، جعل بين قوسين: «ساعات العمر». ساعات العمر.. العمر يا إخوان هو رأس المال، وهو أغلى ما يملكه الإنسان. إذا ذهب بعضه ذهب بعضنا، إذا ذهب بعضه ذهب بعضنا. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على استغلال الأعمار والانتفاع من الأوقات. كان عليه الصلاة والسلام يقول: «اغتنم خمسًا قبل خمس»، وذكر منها: «فراغك قبل شغلك»، وذكر منها: «شبابك قبل هرمك»، وذكر منها: «حياتك قبل موتك»؛ استغلالًا للأعمار. وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه مع نفاسة العمر وأهمية الوقت إلا أن الكثير من الناس يضيعه. ففي حديث ابن عباس عند البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». الصحة والفراغ.. الوقت أغلى ما عنيت بحفظه، وأراه أسهل ما عليك يضيع. أسهل ما يضيع على الإنسان منا هو الوقت، مع أنه من أغلى ما يملكه الإنسان. ولهذا سيسألنا ربنا عز وجل عن هذه الأوقات، كما في حديث أبي برزة ونحوه عن ابن مسعود: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، وذكر: «عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه». إذن سؤال يحتاج منا إلى جواب، والجواب لا بد أن يكون صوابًا، ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾، ﴿ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾. للأسف يا إخوان، الكثير من الناس لا يدرك التفريط في الوقت والعمر إلا إذا فات الأوان، إلا إذا فات الأوان. حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾. هنا يعلم أهمية العمر ونفاسة الوقت. قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. فات الأوان، الموت، فيقول: ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. ما يريد الكثير، ولو خمس دقائق: يا رب، يا رب، ولو عشر دقائق، يا رب، ربع ساعة، نصف ساعة، ساعة.. ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. ماذا تريد أن تفعل؟ يريد أن يستغل هذا الوقت: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. إذن يا إخوان، الوقت نفيس، والعمر ثمين، يجب أن نستغله، يجب أن نستغله. وابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «ما ندمت على شيء».. يقول: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي». ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، وماذا؟ لم يزد فيه عملي. الحسن البصري، سيد التابعين، رحمه الله تعالى، يقول: «أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم».. يقول: «أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أحرص منكم على الدينار والدرهم».. أحرص، أو ماذا؟ أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم ودنانيركم. فإذا يا إخوان، لا بد أن نعرف للوقت أهميته، وللعمر نفاسته. ربنا عز وجل يقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. والعصر يا إخوان هو الزمان الذي.. الذي تقع فيه حركات الإنسان وأفعال الإنسان، خيرها وشرها. قال ربنا عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾، ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ذكر فائدتين نفيستين استفادها من سورة العصر. الفائدة الأولى: «الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك». الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك. الفائدة الثانية: «نفسك، إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر». نفسك، إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر. وهذا يعتبر من الوصايا العظيمة التي ينبغي.. التي ينبغي أن تستفيد منها. قال رحمه الله تعالى: قال: «المحافظة على رأس مالك: ساعات عمرك». قال: «الوقت للتحصيل»؛ أي لتحصيل العلم. قال: «فكن حلف عمل، لا حلف بطالة وبطر». وقوله: «فكن حلف عمل»؛ الحلف يا إخوان أي المعاهدة على التعاضد والتعاون والاتفاق، وجمعه أحلاف. يعني: كن حريصًا على العمل، على العمل. قال: «فكن حلف عمل، لا حلف بطالة وبطر». والبطالة يعني مصدر بطل، والمقصود بها عدم توفر العمل للراغبين فيه القادرين عليه. يقال: فلان يعيش بطالة، يعني لا يجد عملًا وهو يرغب في العمل، وكذلك قادر عليه. والبطر يعني الكبر، ولا سيما عند حلول النعمة. ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾. وهكذا قوله: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. قال رحمه الله تعالى: يعني احذر البطالة والبطر، أي الكبر. قال: «وحلسة معمل، لا حلسة تلهن وسمر». ومعنى ذلك: أي ألزم حلسة معمل. والمقصود بالحلس هاهنا: أي المداومة على فعل الشيء، الحرص على أدائه والقيام به، لزوم العمل ومحبته. يقال: حلس، فألزم حلسة معمل؛ أي ألزم العمل ومحبة العمل. قال: «لا حلسة تلهن وسمر». وأتله يا إخوان قالوا: هو فساد الشيء وتلفُه، تبه، تبه، أن تكون همتك في أشياء فاسدة تافهة غير نافعة. وهكذا السمر. لكن ما أحلى السمر إذا كان على طلب العلم! وما أحلى السمر إذا كان على طاعة الله عز وجل! تصلي، تقوم الليل، وتستغفر وتدعو، ما أحلى وما أجمل ذلك! لكن السمر على القيل والقال، والسمر على الجوال، والسمر على اللعب، فذلك يضر أكثر مما ينفع. قال رحمه الله تعالى: قال: «فالحفظ على الوقت بالجد والاجتهاد، وملازمة الطلب»؛ أي ملازمة طلب العلم. قال: «ومثافنة الأشياخ». والمثافنة هنا: أي المجالسة للأشياخ في حلق العلم ومجالس المذاكرة والتحصيل. صبر نفسك عليها، لأن من أعظم ما فنيت فيه الأعمار واستغلت فيه الأوقات هو.. هو طلب العلم، هو طلب العلم. قال: «والاشتغال بالعلم قراءة وإقراء»؛ أي تقرأ أنت أو تقري غيرك: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». قال: «ومطالعة وتدبرًا وحفظًا وبحثًا، لا سيما في أوقات شرخ الشباب ومختبلي العمر ومعدني العافية». يقول: لا سيما، أي حاول أن تستغل أوقات شرخ الشباب. ومعنى شرخ الشباب: أي أوله وفتوته ونظارته. يقال: شرخ أو شرخي الشباب. ومختبلي العمر: أي بدايته وأوله. قال: «ومعدني العافية»؛ أي أصلها ومركزها، فمعدن الشيء هو أصله ومركزه. قال: «فاغتنم هذه الفرصة الغالية لتنال رتب العلم العالية». فإنها وقت جمعِ القلب واجتماعِ الفكر، لقلة الشواغل والصوارف عن التزامات الحياة والترأس؛ أي الرئاسة. قال: «ولخفة الظهر والعيال». كلام واضح يا إخوان، يعني الواحد ما دام أنه لا زال في بداية الشباب ليس عنده أسرة تشغله أو أولاد يطلبون منه الجهد، ليس هناك عنده أعمال ومشاغل ومسؤوليات لربما تزاحم فكره وعقله وقلبه. إذن هذه فرصة، هذه فرصة يجب أن تستغل، يجب أن تستغل. ولهذا عمر رضي الله عنه، كما ذكر ذلك الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب العلم من صحيحه، قال: «باب الاغتباط في العلم والحكمة». وقال عمر رضي الله عنه: «تعلموا قبل أن تسودوا، قبل أن تسودوا، قبل أن تسودوا». أي: تصبحوا سادة، تصبح قاضيًا، تصبح أميرًا مسؤولًا، فلربما تشغلك المسؤولية عن حضور مجالس العلم وحفظ العلم. وقيل: قبل أن تسودوا، أي قبل أن تتزوجوا، قبل أن تتزوجوا. وليس معنى هذا أن الزواج عائق أمام طلب العلم، لا، الزواج يا إخوان فيه بركة، فيه بركة، فيبارك لربما للمتزوج ما لا يبارك لغيره، لكن قبل الزواج عندك وقت طويل وذهنك سليم، ولربما كان يتقبل أكثر. قال أبو عبد الله، أي البخاري: «وبعد أن تسودوا وغد تعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كبار سن». ثم ذكر بسنده إلى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين»، وذكر الحديث. قال رحمه الله تعالى: قال: «وإياك».. طيب، نترك هذا تتمته إلى الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا