الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 45، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد المقطع على أهمية أن يقول العالم وطالب العلم "لا أدري" عند عدم العلم، مستدلاً بآيات قرآنية تحذر من القول على الله بغير علم، ويضرب المثل بالإمام مالك الذي أجاب بـ "لا أدري" في اثنتين وثلاثين مسألة من ثمان وأربعين، مبيناً أن الاعتراف بالجهل نصف العلم وسبب للثقة والوقار.
يبرز المقطع مكانة قول "لا أدري" كدليل على الورع والعلم الحقيقي، مستشهداً بأقوال الإمام مالك وابن عباس وعلي بن أبي طالب وابن مسعود، وأن الإفتاء في كل ما يُسأل عنه علامة الجهل والجنون.
يحذر المقطع من الجرأة على الفتوى والقول على الله بغير علم، مستشهداً بأقوال السلف كعمر ومالك وسفيان بن عيينة وسحنون في تحري العلم والتورع عن الفتوى.
يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والحمد لله، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر وتوجيه الشكر لها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم التي تزيده جمالاً إلى جماله وحسناً إلى ما هو عليه من الحسن، آداب متنوعة وفوائد عظيمة لا يستغني عنها المنتهي، ويحتاجها المبتدي والمنتهي كذلك. ونحن مع آداب طالبي العلم في حياته العلمية، أي أثناء طلبه للعلم. قال رحمه الله تعالى: «جنة طالبي العلم: لا أدري». والجنة هي ما يحتمي بها. قال: «جنة العالم: لا أدري، ويهتك حجابه الاستنكاف منها». وقوله: «يقال: وعليه، قال: فإن كان نصف العلم: لا أدري، فنصف الجهل: يقال وأظن». وهذا يا إخوان من الأمور المهمة جداً، كما ذكر العلامة العثيمين رحمه الله، قال: «هذا صحيح»، وذكر أن هذا متمم لما قبله. إن الإنسان يجب عليه إذا لم يعلم أن يقول: لا أعلم، أن يقول: لا أعلم، ولا يضره ذلك، بل يزيده ثقة، وهكذا أيضاً يثق الناس بقوله. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]. وهكذا ربنا عز وجل عظم القول عليه بغير علم، قال: ﴿أَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169]. فلا يتجرأ العالم، العالم يا إخوان، فضلاً عن طالب علم، أن يقول بما ليس عنده به علم، بما ليس عنده به علم. فالآثار السلفية في هذا الباب كثيرة، التي فيها التحذير من ماذا؟ من الجرأة على الفتيا أو القول على الله بغير علم. قال الهيثم بن جميل رحمه الله تعالى: «سمعت مالكاً». ومن مالك يا إخوان؟ الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، الذي قيل عنه وعن مجلسه: «يأبى الجواب فلا يراجع هيبة، والسائلون نواكس الأذقان، ذهاب الوقار، وعز سلطان التقى، فهو المهيب وليس ذا سلطاني». قال: «سئل عن ثمان وأربعين مسألة، أحسب ثمانياً وأربعين مسألة، فأجاب في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري». كلما سئل قال: لا أدري، كلما سئل قال: لا أدري، اثنتين وثلاثين منها. إذن أجاب عن... أجاب عنكم... نعم، ما شاء الله قوي في الحساب يا بُنَي. قال: ستة عشر، نعم، ستة عشر مسألة أجاب عنها، واثنتين وثلاثين قال: لا أدري. وفي بعضها: أتسائل من مكان بعيد، وكلنا يعرف عناء السفر في القديم، يحمل أسئلة الناس معه، فجلس إلى الإمام مالك، وكلما سأله عن مسألة قال الإمام مالك: لا أدري، لا أدري، لا أدري. فتعجب الرجل، قال: يا إمام، ماذا أقول للناس؟ ناس ينتظرون الجواب. قال: اصعد على جبل عالٍ وقل لهم: مالك يقول لا يدري، مالك يقول لا يدري. لو كنت أنا أو أنت، قد بسبب قلة علمنا وقلة خوفنا وضعف إيماننا، سنقول: يقال وأظن فيها كذا، لكي لا يقول الناس: لا يدري. لكن هؤلاء العظماء يعلمون الأجيال الدروس العظيمة: أن من سئل عن شيء لا يعلمه يقول: لا أدري، لا أعلم، الله أعلم. وهذه رفعة، وهذه نجاح وسلامة، نجاح وسلامة. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «إذا ترك العالم: لا أدري، أصيبت مقاتله». أصيبت مقاتله، يعني أنه ماذا؟ لا بد أنه سيقع في شيء من الأخطاء، في شيء من الأخطاء. وهكذا جاء نحو هذا عن الإمام علي بن الحسين، وعن الإمام مالك، وغيرهم. وكان الإمام الشعبي، عامر بن شراحيل الشعبي، يقول: «لا أدري، آه من يكمل: نصف العلم: لا أدري». نصف العلم ونعمة. ما قال رحمه الله تعالى: «لا أدري نصف العلم». وكما قال الشيخ بكر ها هنا: «يقال وظن: هذه نصف الجهل، نصف الجهل». وجاء من طريق مسلم البطين عن عزرة التميمي، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «وأبردها على الكبد، وأبردها على الكبد، وأبردها على الكبد» ثلاث مرات يا إخوان، «أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم، فيقول: الله أعلم». وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: «من أفت الناس في كل ما يستفتونه، فهو مجنون، ما هو عاقل». هذا الذي يجيب عن أي سؤال يسأله الناس عليه، يسأله الناس عليه. ولهذا يا إخوان، اقرؤوا في مقدمة كتاب فتاوى اللجنة الدائمة، انظروا كيف هؤلاء الأعلام الجبال يجتمعون في إدارة الفتوى، هذا لا ينفرد الواحد منهم حتى يستشير إخوانه: ابن باز، وابن غديان، وابن فوزان، وهكذا غيرهم: الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، وغيرهم من كبار العلماء، من كبار العلماء. وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه نحو ذلك، جاء عن ابن عباس نحو ما جاء عن ابن مسعود. وجاء عن التابعي الجليل أبي حسين عثمان بن عاصم رحمه الله تعالى، ماذا قال أبو عثمان أو أبو حسين عثمان بن عاصم رحمه الله تعالى؟ قال: «إن أحدهم ليفتي في المسألة، إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر، على عمر بن الخطاب، قال: لجمع لها أهل بدر». لو وردت هذه المسألة التي يستسهلها بعضنا اليوم على عمر، المحدث الملهم، قال: لجمع لها أهل بدر. وهذا يا إخوان يدل على خطورة الجرأة على الفتوى والقول على الله بغير علم. قال مالك رحمه الله تعالى: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون» أي من العلماء، «أني... أني أهل لذلك، أني أهل لذلك». ومن هو يا إخوان الذي يستسهل هذا إلا من كان قليل العلم؟ الذي يستسهل الكلام في أي مسألة ويجيب على أي سؤال بغير علم، هذا يا إخوان يدل على قلة علمه. ولهذا جاء عن سفيان بن عيينة، وجاء كذلك عن سحنون المالكي: «أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً، أقلهم علماً». وكان سحنون المالكي، وسحنون يا إخوان من المحققين الكبار في مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، كان يقول: «أشقى الناس، أشقى الناس، من باع آخرته بدنيا غيره، من باع آخرته بدنيا غيره». وقال أيضاً رحمه الله تعالى: «فتنة الجواب بالصواب، فتنة الجواب بالصواب، أشد من فتنة المال، أشد من فتنة المال». وقال سفيان رحمه الله تعالى: «أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا، حتى لا يجدوا بداً من أن يفتوا». حاول الواحد أن ماذا؟ أن يبتعد ويحيل على غيره، إلا إذا لم يجد مجالاً وبداً لعدم وجود الغير مع وجود العلم عنده، فماذا؟ يفتي ويجيب في المسائل. وهكذا أيضاً كان يقول: «أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها، أسكتهم عنها، وأجهلهم بها أنطقهم فيها». إذن يا إخوان، لا يستسهلن الواحد منا أن يقول بشيء بغير علم، فإن كان لا يعلم فليقل: الله أعلم، فذلك يعتبر رفعة، وذلك يعتبر منقبة، وليس نقصاً، ليس نقصاً. وها هم أئمة سلفنا الصالح يتورعون أن يقولوا على الله بغير علم، وهكذا يهابون الفتيا والخوض في المسائل، خشية ماذا؟ أن يقع في الخطأ، وأن يكون نصيب أحدهم الزلل. لكن من علم فليقل، من علم فليقل. ليس معنى هذا يا إخوان أن الإنسان لا يدرس، وأن الإنسان لا يجيب. من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل، لكن ماذا؟ بعلم، ليس بشكوك وظنون. وهكذا أيضاً عدم التحري في المسائل. فهذا الأدب أدب عظيم يحتاجه طالب العلم في حياته العلمية. أسأل المولى عز وجل أن يرزقني وإياكم علماً نافعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر شكراً