التعليقات على كتاب الأدب المفرد 280

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 280، ألقاها

تسمية المولود وتغيير الأسماء المكروهة

يتناول هذا الفصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن تغيير اسم حزن إلى سهل، وكراهة التسمي بأسماء تحمل معاني سيئة. كما يبين حق الأب في تسمية المولود ومشروعية سؤال الشخص عن اسمه.

التسمي باسم النبي والتكني بكنيته وتأصيل المسألة

يتناول هذا الفصل الأحاديث المتعلقة بالتسمي باسم النبي صلى الله عليه وسلم والتكني بكنيته، ويبين اختصاص كنية أبي القاسم بالنبي عليه الصلاة والسلام، كما يستعرض آراء العلماء في هذه المسألة.

ترجيح حكم التسمي والتكني باسم وكنية النبي

يرجح هذا الفصل جواز التسمي باسم النبي صلى الله عليه وسلم مع منع التكني بكنيته، استنادا إلى دلالة الأحاديث على خصوصية كنية النبي عليه الصلاة والسلام.

  • 10 جمادى الأولى 1433هـ - 01/04/2012مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب حزن، قال: حدثنا علي وهو المديني، قال: حدثنا عبد الرزاق، وهمام الصنعاني، قال: أخبرنا معمر، وهمام، عن الزهري، ومن محمد بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن جده، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: مسمك؟ قال: حزن، قال: أنت سهل، قال: لا أغير اسما سماني به أبي، قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعد. قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبره، قال: أخبرني عبد الحميد بن جبير بن شيبة، قال: جلست إلى سعيد بن المسيب، فحدثني أن جده حزنا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما اسمك؟ قال: اسمي حزن، قال: بل أنت سهل، قال: ما أنا بمغير اسما سماني به أبي، قال ابن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب حزن»، وأراد رحمه الله بهذا التبويب بيان ما جاء في تغيير من تسمى بهذا الاسم باسم حزن. وهذا الاسم مأخوذ من الحزونة، وهي الغلظة والشدة، يقال: أرض فيها حزونة، أي فيها شدة. وذكر فيه حديث حزن، الذي هو من طريق سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن جده، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما اسمك؟ قال: حزن، قال: أنت سهل، أي غير النبي عليه الصلاة والسلام اسمه إلى سهل، واختار النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاسم لأنه بضد معنى حزن، فالحزن فيه الغلظة والشدة والصعوبة، وسهل في معنى الليونة والسهولة. فقال: أنت سهل. وفي بعض الروايات: قال: لا، السهل يهان، يمتهن، أو يوطأ ويمتهن. قال: لا أغير اسما سماني به أبي، أي أبى أن يغير اسمه. قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعد. ففي هذا الحديث بيان كراهة التسمي بهذا الاسم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسمه، وقال: أنت سهل، لكنه لم يرد أن يغير اسمه، فلم يعزم عليه النبي عليه الصلاة والسلام على تغيير اسمه، فدل على كراهة هذا الاسم. وفي هذا الحديث مشروعية أن يسأل الأخ أخاه عن اسمه، يقول له: ما اسمك؟ إذا كان شخصا لا يعرفه فالتقى به، فلا بأس أن يسأله عن اسمه. وفي قوله: لا أغير اسما سماني به أبي، فيه دلالة على أن تسمية المولود من حق الأب، فالأب هو الذي يسمي ولده ويختار له الاسم الحسن، ولا بأس أن يكون في الأمر مشاورة بينه وبين زوجته، لكن الأصل أنه يرجع إلى الأب. وقوله: فما زالت الحزونة فينا بعد، فيه بيان أن الأسماء لها تأثير في المسمى، يعني يريد رحمه الله أن الشدة والغلظة كانت فينا بسبب التسمي بهذا الاسم. قال: فما زالت الحزونة فينا بعد، فالأسماء لها تأثير على من تسمى بها، ولذلك حث شرعنا على اختيار الاسم الحسن. وذكر الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث بالرواية الأخرى، والرواية الثانية ذكر فيها إرسال، لأنه من رواية سعيد بن المسيب، عن جده، دون أن يذكر أباه. وهذه الرواية لا تضر، لأن الرواية التي قبلها موصولة، والتي من طريق الزهري موصولة. قال: باب اسم النبي صلى الله عليه وسلم وكنيته. قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: ولد لرجل منا غلام، فسماه القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم، ولا ننعمك عينا. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما قالت الأنصار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحسنت الأنصار، تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم. هذا الباب بوابه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب اسم النبي صلى الله عليه وسلم وكنيته»، أي ما جاء من الأحاديث في جواز التسمي باسمه عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضا ما ورد فيما يتعلق بالتكني بكنيته عليه الصلاة والسلام. والكنية كما يقول أهل النحو: ما صدر بأب أو أم، فيقال: أبو فلان، أو أم فلان، هذا يسمى كنية. والكنية كانت العرب تستخدمها لأجل التكريم، يكرم الإنسان بالكنية. وذكر الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب أربعة أحاديث تتعلق بمسألة التسمي باسمه عليه الصلاة والسلام، والتكني بكنيته. فذكر في أول هذا الباب هذا الحديث، حديث جابر رضي الله تعالى عنه، قال: ولد لرجل منا غلام، فسماه القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم، ولا ننعمك عينا، يعني لا تقر عينك بهذه الكنية. فأتى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: ما قالت الأنصار؟ أي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بكلام الأنصار. فقال عليه الصلاة والسلام: أحسنت الأنصار، أي أثنى عليه الصلاة والسلام على ما قالوه، تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم. وجاء في رواية: فإنما بعثت قاسم أقسم بينكم. فدل هذا الحديث على اختصاص هذه الكنية بالنبي عليه الصلاة والسلام، ويدل عليه كذلك قوله: أحسنت الأنصار، فالنبي عليه الصلاة والسلام أثنى على الأنصار حين أنكروا عليه أن سمى ابنه بهذا الاسم، وكذلك أنهم قالوا له: لا نكنيك بهذه الكنية، فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على قولهم، فدل ذلك على أن التكني بهذه الكنية من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام. واختلف أهل العلم في هذه المسألة، وهي مسألة التكني بكنية أبي القاسم. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في هذه المسألة أربعة أقوال في كتابه «زاد المعاد». القول الأول: أنه لا يجوز التكني بكنيته عليه الصلاة والسلام مطلقا، سواء تسمى باسمه، أي باسم النبي عليه الصلاة والسلام، أم لم يتسمى باسمه. والقول الثاني: أن النهي مختص بالجمع بينهما، أي الجمع بين اسمه عليه الصلاة والسلام وكنيته، فإذا تسمى باسمه، فإنه لا يكنى بكنيته. قالوا: وإذا تسمى باسم آخر، فلا بأس أن يتكنى بأبي القاسم. والقول الثالث: قالوا بجواز الجمع بين الاسم والكنية، وقالوا: بأن النهي الوارد منسوخ، النهي الوارد عن التكني بكنية عليه الصلاة والسلام منسوخ. والقول الرابع: أن التكني بكنيته عليه الصلاة والسلام ينهى عنه في حال حياته، وأما بعد موته، فلا بأس بالتكني بكنيته عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا فطر، عن منذر، قال: سمعت من الحنفية يقول: كانت رخصة لعلي، قال: يا رسول الله، إن ولد لي بعدك، أسميه باسمك، وأكنيه بكنيتك، قال: نعم. والحديث الأول في الصحيحين، وهذا الحديث فيه أن عليا رضي الله تعالى عنه، قال للنبي عليه الصلاة والسلام: إن ولد لي بعدك مولود، أسميه باسمك، وأكنيه بكنيتك، أي استشار النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: نعم. وهذا الحديث استدل به من قال: بأن النهي منسوخ. قال: لأن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز لعلي أن يتكنى بكنيته، أن يكني ابنه بكنيته عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث، قال: حدثني ابن عجلان، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجمع بين اسمه وكنيته، وقال: أنا أبو القاسم، والله يعطي، وأنا أقسم. والحديث رواه كذلك الإمام الترمذي، وحسنه الشيخ الألباني. وهذا الحديث فيه النهي عن الجمع بين اسمه وكنيته، النهي عن الجمع بين اسمه عليه الصلاة والسلام وكنيته. قال: وحدثنا أبو عمر، قال: حدثنا شعبة، عن حميد، عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: دعوت هذا، يعني كان شخص آخر يكنى بأبي القاسم، فلما دعاه التفت النبي عليه الصلاة والسلام، وظن أنه يدعوه، فقال: إنما دعوت هذا. فقال عليه الصلاة والسلام: سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي. وهذا الحديث استدل به من قال: بجواز التكني بكنيته عليه الصلاة والسلام بعد موته، وأما في حياته، فلا يجوز. وأما بعد وفاته، فيجوز التكني بكنيته عليه الصلاة والسلام. والإمام ابن القيم رحمه الله رجح أن التسمي باسمه جائز، والتكني بكنيته يمنع منها مطلقا، لدلالة هذه الأحاديث على المنع من التكني بكنيته، وفيها كذلك معنى الخصوصية للنبي عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز التكني بكنيته عليه الصلاة والسلام مطلقا، والتكني بها في حال حياته أشد. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب. والله تعالى أعلم.

شاركنا على