التعليقات على كتاب الأدب المفرد 264

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 264، ألقاها

وصف النبي وخلقه

يصف المقطع النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان أبيض مليح الوجه ومعتدل القامة، ويشرح معنى الهدي والسمت الصالح والاقتصاد كجزء من النبوة.

الاستشهاد بالشعر الحسن في الإسلام

يشرح المقطع جواز الاستشهاد بالشعر الحسن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين معنى الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد كصفات للأنبياء.

حكم التمني وشرحه

يشرح المقطع حكم التمني في الإسلام، ويبين أنه نوعان: مكروه إذا كان يتمنى ما فضل الله به غيره، وحسن إذا كان يتمنى خيراً مع العمل الصالح.

تتمة الكلام عن التمني وحديثه

يشرح المقطع حديثا ضعيفا عن النبي صلى الله عليه وسلم يتعلق بالأمنيات، ويبين أهمية التفكير في الأمنيات لضمان توافقها مع الشرع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا خالد بن عبد الله، عن الجرير، عن أبي الطفيل، قال: قلت له: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولا أعلم على ظهر الأرض رجلا حيا رأى النبي صلى الله عليه وسلم غيري. قال: وكان أبيض مليح الوجه. وعن يزيد بن هارون، عن الجرير، قال: كنت أنا وأبو الطفيل نطوف بالبيت، قال أبو الطفيل: ما بقي أحد رأى النبي صلى الله عليه وسلم غيري. قلت: ورأيته؟ قال: نعم. قلت: كيف كان؟ قال: كان أبيض مليحا مقصدا. وهذا الأثر صحيح، صححه الألباني رحمه الله. والحديث أصله في صحيح الإمام مسلم، قال: عن الجرير، عن أبي الطفيل، قال: قلت له -يعني الجرير-: سأل أبو الطفيل: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولا أعلم على ظهر الأرض رجلا حيا رأى النبي صلى الله عليه وسلم غيري -يعني في هذا الوقت-؛ لأن أبا الطفيل آخر من مات من الصحابة، كما قال الإمام مسلم رحمه الله: أبو الطفيل مات سنة مئة للهجرة، وكان آخر من مات من الصحابة، واسمه عامر بن واثلة. قال: وكان أبيض مليح الوجه -يعني النبي عليه الصلاة والسلام- كان أبيض مليح الوجه، يعني جميل الوجه عليه الصلاة والسلام. وفي الرواية الأخرى، قال: كنت أنا وأبو الطفيل نطوف بالبيت، قال أبو الطفيل: ما بقي أحد رأى النبي صلى الله عليه وسلم غيري. وهذا يخبر به رضي الله تعالى عنه من باب التحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى عليه؛ إذ كرمه برؤية النبي صلى الله عليه وسلم وصحبته. قلت: ورأيته؟ قال: نعم. قلت: كيف كان؟ قال: كان أبيض مليحا مقصدا. ومعنى مقصدا: أي ليس بالطويل ولا القصير، ولا الجسيم، معتدل في الطول، وكذلك أيضا في حالة الجسم، فكان هذا خلق النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا فروة، قال: حدثنا عبيدة بن حميد، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة". قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا قابوس، أن أباه حدثه، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من سبعين جزءا من النبوة". وهذا الحديث كما نرى ساقه الإمام البخاري رحمه الله من طريقين: من طريق الأول شيخ فروة، عن عبيدة بن حميد، عن قابوس. والطريقة الثانية عن شيخ أحمد بن يونس، عن زهير، عن قابوس. وقابوس ضعيف، لكن الحديث في الشواهد، فهو حسن بمجموع طرقه. وقد جاء الحديث عند الإمام الترمذي من حديث عبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنه، فيتقوى به. وفي هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة؛ يعني أن هذه الصفات من صفات وشمائل الأنبياء، أنها من أخلاق وصفات الأنبياء: الهدي الصالح، والسمت الصالح؛ يعني أن يكون الإنسان ذا خلق حسن، وصفات حميدة، وأخلاق فاضلة، في هيئته، وفي كلامه، وحركاته؛ فإن ذلك من صفات الأنبياء. وليس المراد أن من تصف بذلك صار نبيا؛ النبوة هي أهبة من الله، فضل، إنعام منه سبحانه وتعالى، واصطفاء من الله جل وعلا لمن شاء من خلقه، ولا تكون بالاكتساب. لكن المراد أن هذه من أخلاق وصفات الأنبياء. ومن ذلك الاقتصاد: الاقتصاد في الأمور، والتوسط فيها، هو كذلك أيضا من صفات الأنبياء؛ أن يكون الإنسان وسط في سائر الأمور، لا إفراط ولا تفريط. وكذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، فالاقتصاد كذلك من سمات الأنبياء: الاقتصاد في المأكل، وفي المشرب، وفي الملبس، وفي المركب، وفي المشي، وفي سائر الأمور. وقصد في مشيك، قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. فالاقتصاد في هذه الأمور كذلك من سمات الأنبياء. والشاهد منه وقوله: "الهدي الصالح، والسمت الصالح"؛ أنه إذا كان الإنسان على هدي صالح، وسمت صالح، فإن ذلك من صفات الأنبياء؛ إذا كان على خلق حسن، وسيرة حسنة، وصفات حميدة، وطيبة؛ فإنه على هدي، وكذلك على صفة من صفات الأنبياء. وكذلك ينبغي أن يكون المسلم أن يحرص أن يكون ذا هدي حسن، وسمت صالح. قال: باب ويأتيك بالأخبار من لم تزود. قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن عكرمة، قال: سألت عائشة رضي الله عنها: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل شعرا قط؟ فقالت: أحيانا إذا دخل بيته يقول: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود". وهذا الأثر الصحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال: وحدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: إنها كلمة نبي: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود". وهذا الأثر صحيح، الشيخ الألباني رحمه الله لغيره؛ يعني بمجموع الطرق. في الحديث الأول سئلت عائشة رضي الله عنها: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل شعرا؟ يعني يتمثل ببيت من الشعر؟ فقالت: أحيانا إذا دخل بيته يقول: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود". وهذا الشعر هو لطرفة بن العبد، في معلقته المشهورة، وهو عجز بيت، وصدره: "ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود". فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستشهد بهذا البيت. وفي هذا جواز الاستشهاد بالشعر إذا كان يحمل معنى حسنا؛ إذا كان يحمل معنى طيبا، فلا بأس أن يستشهد بالشعر؛ فالشعر منه ما هو حسن، ومنه ما هو قبيح، فما كان قبيحا فإنه يترك ويجتنب، وما كان حسنا فلا بأس بالاستشهاد به، وكذلك بحفظ شيء منه، لكن من غير إكثار حتى يشغله عما هو أهم من ذكر الله سبحانه وتعالى. ففي هذا جواز الاستشهاد كما قلنا بالشعر الجيد والحسن. وهذه الكلمة كما قال ابن عباس: إنها كلمة نبي؛ ومراده بأنها كلمة نبي: يعني من معين ومنبع الأنبياء، وتوافق كلام الأنبياء؛ لما فيها من حكمة ومعنى حسن: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود"؛ يعني يأتيك بالأخبار من لم تزوده لذلك، ومن لم تهيئه لهذا الأمر؛ فتأتي لك الأخبار وتتيسر لك من غير أن تهيئ لها أحدا. وكون النبي صلى الله عليه وسلم يستشهد بهذا الشعر ليس معناه أنه شاعر؛ فالله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. فكونه يحفظ بيتا أو بيتين أو يستشهد ببيت من الشعر لا يعتبر بذلك شاعرا كما هو معروف عند أهل الأدب وعند العرب؛ بأن من يحفظ بيتا أو بيتين فليس بشاعر، فلا تنافي ذلك ما تدل عليه الآية من نفي أن يكون عليه الصلاة والسلام شاعرا. قال: باب ما يكره من التمني. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى؛ فإنه لا يدري ما يعطى". هذا الباب بوابه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: باب ما يكره من التمني. والتمني هو إرادة الإنسان شيئا في المستقبل؛ إرادة الإنسان شيئا مما يتعلق في المستقبل. فهل التمني جائز على الإطلاق؟ أو أن منه ما يكره؟ ترجم رحمه الله بهذه الترجمة بقوله: باب ما يكره من التمني؛ يعني أن من التمني ما هو مكروه. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ نهى الله سبحانه وتعالى أن يتمنى الإنسان ما قد فضل الله به عليه غيره؛ أن يتمنى مثلا أن تكون له دار فلان، أو أن يكون له مركب فلان، أو أن يكون له زوجة فلان، أو نحو ذلك من مثل هذا التمني؛ فإن هذا لا يجوز، بل هو من الحسد الذي نهى عنه الشرع. فيكون في مثل هذا الموضع مكروه. لكن يتمنى شيء مما فيه خير؛ كأن يرى إنسان فتح الله عليه في المال، وهو ينفقه في وجوه الخير، وفي وجوه البر والطاعات، فيتمنى أن يكون له مثل ما عنده، فيفعل مثله؛ هذا أمر حسن. أو شخص فتح الله عليه في باب العلم، فيعلم الناس، ويفقه الناس، فيتمنى أن يكون مثله؛ أن يكون مثله حتى يفعل مثل ما فعل؛ فهذا أمر حسن. أو ما كان لمعنى ذلك من أمور الخير التي يتمناها المسلم، ويحرص أن يكون من أهلها؛ فإن ذلك أمر حسن. لكن لا بد أن يقترن بالتمني العمل؛ لا بد أن يقترن به العمل؛ فلا يكفي أن يتمنى شيئا وهو عاجز، كسلان؛ يتمنى أن يكون مثل أهل الصلاح، وهو لا يعمل بعملهم؛ لا يعمل بعملهم؛ يتمنى أن يكون من أهل الجنة، وهو مضيع للفرائض والواجبات؛ فلا بد أن يعمل حتى يظهر صدق ما يتمنى وما يطلب. كما قال الحسن البصري رحمه الله: "ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب، وصدقه العمل". فلا بد أن يظهر أثر ذلك في الأعمال، وإلا كان في غرور. فالتمني منه ما هو مكروه، ومنه ما هو حسن. وهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى؛ فإنه لا يدري ما يعطى"؛ أي ما يكتبه الله سبحانه وتعالى له، ويعطيه الله عز وجل. فهذا الحديث لا يصح؛ عمر بن أبي سلمة ضعيف. قال الذهبي في الضعفاء: ضعفه ابن معين، وقال النسائي: ليس بالقوي. فالحديث لا يصح. لكن معناه صحيح؛ معناه صحيح؛ أنه ينبغي للإنسان إذا تمنى أن ينظر فيما يتمنى؛ أن ينظر فيما يتمنى حتى يكون ما يتمناه صحيحا، وكذلك أيضا لا يخالف الشرع، وله مقصد صحيح؛ فإذا كان كذلك فلا بأس.

شاركنا على