التعليقات على كتاب الأدب المفرد 232

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 232، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل وأهمية الدعاء في الإسلام

يبرز فضل الدعاء وأهميته في الإسلام من خلال استجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء بين الصلاتين، وتحري جابر بن عبد الله لتلك الساعة للدعاء. الدعاء يعتبر من العبادات التي يجب أن يتحرى المسلم فيها الأوقات المستجاب فيها الدعاء.

دعاء الاستخارة واسم الله الأعظم

يفسر المقطع دعاء الاستخارة ويشرح اسم الله الأعظم "يا حي يا قيوم" ودلالته على كمال الله وغناه وقدرته. كما يبين أهمية الدعاء بهذا الاسم العظيم في الشدائد وفي الصباح والمساء.

أثر الإخلاص في الدعاء بأسماء الله الحسنى

يؤكد على أن دعاء الله بأسمائه الحسنى بصدق وإخلاص يعتبر من أسباب إجابة الدعاء. التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته مع الإخلاص يزيد من فرص الاستجابة، وقد حث النبي على الدعاء باسم الله الحي القيوم.

  • 24 جمادى الآخرة 1432هـ - 27/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا إبراهيم المنذر، وهو الأسدي الحزامي، أبو إسحاق المدني. قال: حدثنا سفيان بن حمزة، وهو من فروة الأسلمي، أبو طلحة المدني، صدوق. قال: حدثني كثير بن زيد، وهو الأسلمي، أبو محمد المدني، صدوق يخطئ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، ثقة من كبار التابعين. قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد، مسجد الفتح، يوم الإثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، فاستجيب له بين الصلاتين من يوم الأربعاء. قال جابر: ولم ينزل بي أمر مهم غامض إلا توخيت تلك الساعة، فدعوت الله فيه بين الصلاتين يوم الأربعاء في تلك الساعة، إلا عرفت الإجابة. وهذا الحديث صحيح، قد حسنه العلامة الألباني رحمه الله، أو حسنه؛ لأن، كما مر معنا، سفيان بن حمزة صدوق، وهكذا كثير بن زيد، فالحديث حسن. وفي هذا الحديث دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو ويتحرى الدعاء بين الصلاتين؛ فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم، كما في هذا الحديث، يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء، فاستجيب له بين الصلاتين من يوم الأربعاء. فقال جابر: لم ينزل بي أمر مهم غامض إلا توخيت تلك الساعة، فدعوت الله فيه بين الصلاتين يوم الأربعاء، وتحريه ليوم الأربعاء أراد أن يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ أنه دعا يوم الأربعاء واستجيب له، فأراد أن يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام في ذلك. وفيه كذلك أيضا أنه ينبغي على المسلم أن يهتم بأمر الدعاء، وأن لا يترك الدعاء؛ إنه بحاجة عظيمة إلى أن يدعو الله سبحانه وتعالى في وقت الرخاء، وهكذا في وقت الشدة. والإنسان فقير إلى الله سبحانه وتعالى، فلذلك دائما يكون العبد متصلا بربه، يدعو في صلاته وبعد الصلاة وقبل الصلاة، وبين الأذان والإقامة، وفي ثلث الليل الآخر، وغير ذلك من الأوقات التي يرجى فيها إجابة الدعاء؛ فينبغي أن يتحراها، وأن يحرص على الدعاء في مثل هذه الأوقات. وليس في هذا الحديث ذكر صلاة الاستخارة، وإنما فقط فيه ذكر الدعاء، وأنه يدعو إذا نزل به أمر مهم يحتاج فيه إلى إعانة، فإنه يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء. وصلاة الاستخارة، كما مر معنا، هي عبارة عن دعاء، يصلي ركعتين ثم يدعو بالدعاء الذي علمه النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه، وهو كذلك تعليم لسائر أمته. قال: وحدثنا علي بن خالد، قال: حدثني حفص بن أخي أنس، عن أنس، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا رجل، فقال: يا بديع السماوات، يا حي يا قيوم، إني أسألك... فقال: أتدرون بما دعا؟ والذي نفسي بيده، دعا الله باسمه الذي إذا دعى به أجاب. وهذا الحديث صحيح، وصححه شيخ الألباني رحمه الله. وجاء في سنن أبي داود أن الرجل قال: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتدرون بما دعا؟ والذي نفسي بيده، دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب». فهذا الدعاء أثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك حث عليه ورغب فيه. فقوله: يا بديع السماوات، معنى بديع السماوات، أي مبدعها وخالقها الذي أوجدها وخلقها من غير مثال سابق. والسماوات من أعظم المخلوقات التي خلقها الله سبحانه وتعالى. فقال: يا بديع السماوات، يا حي يا قيوم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: دعا الله باسمه الأعظم، وهو قوله: يا حي يا قيوم. وهذا الاسم كثيرا ما يأتي في القرآن مقرونا: الحي القيوم، كما قال الله عز وجل: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ في سورة البقرة، وفي سورة آل عمران؛ وذلك لما اجتمع فيه من المعاني العظيمة. فالحي الذي له الحياة الكاملة، الحياة التي لم تسبق بزوال، ولا يلحقها فناء. واتصافه جل وعلا بصفة الحياة يستلزم إثبات كثير من الصفات، أو جميع الصفات التي تدل على كمال المتصف بها. ولذلك كان في إثبات صفة الحياة إثبات لكل ما يضاد نفي كمال الحياة. وهذا كذلك القيوم؛ فهو جل وعلا القائم بنفسه الذي لا يحتاج إلى أحد من خلقه؛ وذلك لكماله، لكمال غناه. وهو كذلك المقيم لغيره من المخلوقات؛ وذلك لكمال قدرته، وكمال عزته. فكان هذا الاسم مما يدل على اتصاف الله سبحانه وتعالى بصفات الكمال. وهو كذلك متضمن، أو مستلزم، لإثبات كل الصفات التي يتصف بها الحي الكامل في حياته، وكذلك القيوم الكامل في قيومته. فلذلك وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه اسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب؛ يعني من دعا الله سبحانه وتعالى بهذا الاسم: يا حي يا قيوم، فإن الله سبحانه وتعالى يجيبه. وهكذا كذلك يعطيه ما سأل. وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على الدعاء بمثل هذا الاسم، كما جاء في الصحيحة: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر - أي نزل به أمر - قال: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث». يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث. وهكذا كذلك صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه حث على التزام هذا الدعاء في الصباح والمساء؛ أن يقوله المسلم في صباحه ومسائه: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله. حث النبي عليه الصلاة والسلام على قول هذا الدعاء في الصباح والمساء. وثبت عند الإمام الترمذي، من حديث بريدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو: «اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى». وهذا الحديث صحيح. وليس فيه ذكر اسم الحي القيوم. ولذلك قال بعض أهل العلم، جمعا بين هذه الأحاديث: أن كل اسم سأل العبد به ربه سبحانه وتعالى بصدق وإخلاص، دون التفات إلى غيره، فإنه يكون بذلك قد سأل الله باسمه الأعظم. إذا سأل العبد ربه جل وعلا، فذكر اسم الله عز وجل بصدق وإخلاص، فإنه يكون قد دعا الله جل وعلا باسمه الأعظم؛ وذلك لأنه في هذا الحديث دعا هذا الرجل بقول: يا حي يا قيوم. وذاك الآخر ذكر اسم الله جل وعلا: الله، الأحد، الصمد. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: دعا الله باسمه الأعظم. فكما قلنا: جمع بعض أهل العلم بين هذه الأحاديث بأنه إذا دعا الله عز وجل بأي اسم من أسمائه بصدق وإخلاص، دون التفات إلى غيره، فإنه يكون بذلك قد دعا الله عز وجل باسمه الأعظم. ويكون ذلك من أسباب إجابة الدعاء؛ أن تدعو الله جل وعلا، وتتوسل إليه بأسمائه وصفاته، مع الصدق والإخلاص، فيكون ذلك سببا في إجابة الدعاء. إلى هنا والله تعالى أعلم.