التعليقات على كتاب الأدب المفرد 200

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 200، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التعوذ بالله من أهوال الدنيا والآخرة ومفهومه

شرح حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التعوذ بالله من الشرور، ومعنى التعوذ هو الالتجاء والاعتصام بالله. يشمل ذلك جميع الأهوال في الدنيا والآخرة.

تفصيل معاني الاستعاذة من شر المحيا والممات وعذاب القبر

النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله من شر المحيا والممات وعذاب القبر، وتشمل هذه الاستعاذة جميع الشرور في الحياة والموت وما يحدث بعده. كما تشمل سوء الخاتمة ونزع الروح عند الموت.

أهمية الاستعاذة من فتنة المسيح الدجال وحرص النبي على ذلك

المسيح الدجال من علامات الساعة الكبرى وفتنة عظيمة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من فتنته. يجب على المسلم الحرص على الدعاء والاستعاذة بالله من هذه الفتنة وغيرها من الشرور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا موسى، وهو ابن إسماعيل التبوذكي المنقري، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا محمد بن زياد، وهو القرشي، وهو ثقة عند النسائي وابن معين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعن عطاء بن أبي ميمونة، وهو أبو معاذ البصري، كذلك ثقة، عن أبي رافع، وهو نفيع الصائغ، وهو كذلك ثقة ثبت ومشهور بكنيته، عن أبي هريرة، وهو صحابي جليل، حافظ من حفاظ الصحابة، رضي الله تعالى عنه، وهو كذلك مشهور بكنيته ومختلف في اسمه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من شر المحيا والممات، وعذاب القبر، وشر المسيح الدجال. والحديث صحيح. وهذا الحديث ذكره رحمه الله في هذا الباب، باب من تعوذ بالله من الكسل، وليس في هذه الرواية ذكر الكسل، وإنما هي في الرواية التي قبلها. وكأنه ذكره رحمه الله تبعا للحديث الذي قبله. ففي هذا الحديث يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله من شر المحيا والممات، وعذاب القبر، وشر المسيح الدجال. والتعوذ هو الالتجاء والاعتصام، فعندما تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي: ألتجئ وأعتصم بالله جل وعلا من الشيطان الرجيم. وهكذا إذا استعذت بالله سبحانه وتعالى من أي شيء، فإنك تلجأ إلى الله وتعتصم به حتى يعصمك من شر ما استعذت به. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من شر المحيا والممات، أي: الحياة والموت، ويدخل في ذلك جميع الشرور، جميع شرور الحياة، وهكذا الموت. وهذا من جوامع كلم النبي عليه الصلاة والسلام. فشر المحيا أو شر الحياة يدخل فيه الاستعاذة من شر الشهوات، من شهوة المال، وهكذا شهوات النساء، وشهوة الدنيا، والنظر، والسمع، وهكذا جميع الجوارح، وهكذا جميع الشهوات التي تعرض للإنسان في حال حياته، فإنك تستعيذ بالله سبحانه وتعالى منها، أي: أن يعيذك الله سبحانه وتعالى من الوقوع فيها. وهكذا أيضا الشبهات التي تعرض على الإنسان في حال الحياة، فأنت كذلك تستعيذ بالله سبحانه وتعالى منها، من البدع والمحدثات بجميع صورها وأنواعها، وهكذا كذلك من الفتن التي قد يقع فيها الإنسان، فأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من شرها. وكذا أيضا من شر الموت تستعيذ بالله جل وعلا من شر الموت، فإن الموت مصيبة، وكذلك أيضا قد يكون شرا عظيما على الإنسان، كأن يدركه الموت وهو في معصية وفي ذنب، أو يأتيه غفلة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن موت الغفلة أخذة أسف. وهكذا كذلك أيضا ما يكون في الموت من نزع الروح وشدة ذلك، وهكذا أيضا ما يكون عند الموت من بشارة العبد إما بالعذاب وإما بالرحمة. وهكذا كذلك ما يكون بعد الموت مما يتعلق بأمور الآخرة، فإنك تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من الشر الذي يتعلق بالموت. وهكذا كذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من عذاب القبر، فإذا أدخل العبد في قبره، فإن هذا القبر إما أن يكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، والعبد يعذب أو ينعم في قبره على حسب أعماله، كما دلت على ذلك أدلة الكتاب والسنة الكثيرة التي تدل على إثبات عذاب القبر، كما قال الله جل وعلا: ﴿ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب ﴾. فاستدل بها العلماء على إثبات عذاب القبر، فالله عز وجل أخبر أن هؤلاء الكفار معرضون على النار غدوا وعشيا، في صباحهم ومسائهم، ثم قال: ﴿ ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب ﴾، ومعنى ذلك أن هذا العذاب هو قبل قيام الساعة، وذلك في حال البرزخ. وكذا الأحاديث الكثيرة التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام في إثبات عذاب القبر، وأن الإنسان يعذب في قبره. ومن هذا الحديث، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من عذاب القبر، حتى يعيذك الله سبحانه وتعالى من عذاب القبر. وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافا لأهل البدع من المعتزلة وغيرهم، الذين أنكروا عذاب القبر. وهكذا أيضا كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله جل وعلا من شر المسيح الدجال. والمسيح الدجال أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بخروجه في آخر الزمان، وهو من علامات الساعة الكبرى. وما جعل الله سبحانه وتعالى في يده من خوارق العادات التي جعلها الله جل وعلا فتنة للعباد، وهو من أعظم الفتن، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. ومر الكلام على ذلك في الحديث الذي قبل هذا، مما يغني عن الإعادة. فينبغي على المسلم أن يحرص على مثل هذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام، ويستعيذ بالله جل وعلا من شر هذه الأمور التي كان يستعيذ منها النبي عليه الصلاة والسلام. تقول: «أعوذ بالله من شر المحيا والممات، ومن عذاب القبر، ومن شر المسيح الدجال». وإلى هنا، والله تعالى أعلم.