كتاب الأمور المنهي عنها 55

كتاب الأمور المنهي عنها 55

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 55، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

النهي عن الحلف بغير الله وبيان درجتي الشرك فيه

يبيّن المقطع تحريم الحلف بالمخلوقات كالنبي والكعبة والآباء، مبيناً أن من حلف بغير الله مع تعظيمه مساوياً أو أعظم من تعظيم الله فهو شرك أكبر مخرج من الملة، وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر من الكبائر. ويستدل بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الناهية عن الحلف بالآباء والطواغيت، وموجهاً من أراد الحلف أن يحلف بالله أو يصمت.

تعريف الطاغوت وأثره في بطلان الأيمان بغير الله

يشرح المقطع تعريف ابن القيم للطاغوت بأنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع، ثم يستعرض أحاديث نبوية تنهى عن الحلف بغير الله كالحلف بالأمانة أو قول "بريء من الإسلام"، مبيناً أن هذه الأيمان لا تنعقد وتضر بدين الحالف.

تحريم الحلف بالمخلوقات كالكعبة والأولاد وحكمه

يبيّن المقطع تحريم الحلف بغير الله كالكعبة، وحياة الأولاد، وشرف الأم، أو المشايخ، مستدلاً بحديث ابن عمر أن من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك. ويوضح أن هذا الحلف يُعد شركاً بالله، وأن الجهل يدفع الناس لتفضيل الحلف بالمخلوق على الحلف بالله، مما ينقلهم من الشرك الأصغر إلى الأكبر، ويؤكد أن المسلم إذا احتاج للحلف فليحلف بالله أو بصفاته سبحانه.

ختام المجلس وبشارة باستكمال باب الأيمان

يختتم المتحدث المجلس الحالي مشيراً إلى أن الحديث عن الأيمان واليمين الكاذبة سيُستكمل في مجلس لاحق، داعياً بالتوفيق والصلاة على النبي.

  • 13 جمادى الآخرة 1446هـ - 14/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي والكعبة والملائكة والسماء والآباء والحياة والروح والرأس ونعمة السلطاني وتربة فلان والأمانة، قال: وهي من أشدها نهيا». وهذا من الأمور المعلومة أنه لا يجوز أن يحلف بغير الله تبارك وتعالى، والحلف إذا حلف بهذا المخلوق فمعنى ذلك أنه يعظمه تعظيما زائدا، لربما وصل هذا التعظيم إلى أن يكون مساويا لتعظيمه لله عز وجل، أو أن يكون في بعض الأحيان أشد تعظيما من تعظيم الله عز وجل، وهنا يكون شركا أكبر يخرج صاحبه عن ملة الإسلام. وأما إذا حلف وهو يعظم ذلك المحلوف به لكن أقل ودون من تعظيمه لله عز وجل، فهذا شرك لكنه شرك أصغر، يعتبر من أشد الكبائر وأعظمها، لكنه لا يخرج صاحبه عن ملة الإسلام. ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم عمر يحلف بأبيه، فنهاه عن ذلك، وقال: «إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم أو أمهاتكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». قال رحمه الله تعالى: قال عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». قال: متفق عليه. وقال: وفي رواية في الصحيح: «فمن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت». والحلف ها هنا كما سبق بمعنى القسم، واليمين بمعنى القسم. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم». رواه مسلم. قال: الطواغي جمع طاغية، وهي الأصنام، ومنه الحديث: «هذا طاغية دوس»، أي صنمهم ومعبودهم، وهو ذو الخرصة. ورواية في غير مسلم: «بالطواغيت»، جمع طاغوت، وهو الشيطان والأصنام. والطاغوت، كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، أنه ما تجاوز به العبد حده، كما قال: ﴿إِذْ طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾، أي لما زاد عن حده. وابن القيم يقول في تعريف الطاغوت: هو ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فهذا يعتبر طاغوتا. وتفسير الطاغوت بالأصنام أو بالسحرة أو غير ذلك، هذا عده العلماء من باب التعريف بالمثال. وهنا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يحلف بغير الله عز وجل كائنا من كان، ولا سيما إذا كان هذا الشيء معظما كأصنام وأوثان وغيرها. قال: وعن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بالأمانة فليس منا». قال: حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح. والحلف بالأمانة حلف بغير الله عز وجل، وللأسف انتشر في كثير من البلاد، إذا تكلم أحدهم وأراد أن يعقد يمينا قال: «والأمانة، أمانة أن هذا كذا وكذا» ونحو ذلك. وكما هو معلوم أن اليمين لا تنعقد إلا إذا كانت باسم من أسماء الله عز وجل أو بصفة من صفاته، وليست الأمانة من صفات الله عز وجل، وإنما هي من أمره تبارك وتعالى، فلا يتوهم متوهم أن الشخص يوم أن يحلف بالأمانة يكون حالفا بصفة من صفات الله عز وجل، وإنما هو حلف بغير الله عز وجل. قال: وعنه - يعني بريدة - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف فقال: إني بريء من الإسلام» - آه، كذا يفعل بعض، يقول: «آه، آه، ماذا، ما أنا بمسلم إذا لم يكن كذا وكذا» ونحو ذلك - قال: «فإن كان كاذبا فهو كما قال، أي الإسلام براء منه، وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما». رواه أبو داود. وهذا يا إخوان من الأمور التي يعتدي فيها بعض الناس، والسلامة لا يعادلها شيء، فماذا ينتفع بمثل هذا إلا أن يعود الضرر عليه في دينه. قال: وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلا يقول: «لا والكعبة»، قال ابن عمر: «لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». رواه الترمذي وقال: حديث حسن. قال: وفسر بعض العلماء قوله: «كفر أو أشرك» على التغليظ، كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرياء شرك»، ومع هذا لا يجوز الحلف بها. وكم نسمع من يحلف بها: «والكعبة، وكعبة ربي، أو ديني ودين ربي»، هذا كله لا يجوز، فهو من قبيل الحلف بغير الله، والحلف بالمخلوق، وهو كما سبق يعتبر شركا بالله تبارك وتعالى. ومن هذا القبيل الحلف بما يكون عظيما في نفس صاحبه، كمن يحلف بحياة أولاده، يقولون: «حياة أولادي أني ما فعلت»، حلف بغير الله، يعتبر شركا. ويقول: «وشرف أمي أني ما فعلت كذا»، هذا حلف بمخلوق، وهو حلف بغير الله عز وجل، وكذلك أيضا يعتبر شركا بالله تبارك وتعالى. والبعض إذا أراد أن يؤكد اليمين، لربما ذهب يحلف بحياة أولاده، يقول: «والله ما فعلت كذا»، فيقول: «لا لا لا، احلف بحياة أولادك هؤلاء أنك ما فعلت»، فيرى بعضهم أن الحلف بالله أخف، وأن الحلف بهذه الأشياء أعظم وأكد وأشد. انظروا كيف يصنع الجهل بأهله وأصحابه، فهذا يا إخوان يجعل صاحبه ينتقل من الشرك الأصغر إلى أن يقع في الشرك الأكبر. ونظير هذا ما يفعله بعض أهل البدع من القبورية وأهل الخرافات ونحوهم، فإذا أرادوا أن يؤكد الشخص اليمين، قالوا: «احلف بالسيد الفلاني أو بالشيخ الفلاني»، يقول: «لا، سأحلف بالله»، يقولون: «لا لا لا، احلف بالسيد، احلف بالشيخ»، وهذا يدل على تعظيم زائد وأشد، لربما لدى هؤلاء لهؤلاء المخلوقين أعظم وأشد من تعظيمهم لله تبارك وتعالى. والأصل يا إخوان أن المسلم يحفظ يمينه، ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، لكن عند الحاجة لا بأس أن يحلف، وإذا حلف فليحلف بالله عز وجل أو بصفة من صفاته سبحانه وتعالى كعزته وقدرته وغيرها من الصفات، فيجوز ذلك. طيب، نكتفي بهذا، ويأتي معنا الكلام أيضا حول الأيمان، ومن ذلك اليمين الكاذبة وهكذا غيرها من الأبواب، يأتي الحديث عنه في مجلس لاحق. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم