الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 186، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل أهمية طلب المغفرة والعمل لطلب العلم، ويحذر من سوء الفهم في انتقاد العلماء الذين يعملون لاكتساب الرزق. يُبين أن العمل لطلب العلم ليس عيباً بل هو أمر حسن.
يُبرز هذا الفصل أهمية الدعاء الجامع الذي يشمل العديد من الأمور دون الحاجة إلى التفاصيل، مستشهداً بحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأمثلة من دعاء السلف الصالح. يُشير إلى أن هذه الأدعية تشمل خير الدنيا والآخرة.
ينصح هذا الفصل بعدم الإفراط في التفاصيل عند الدعاء، ويُشدد على أهمية الدعاء الجامع الشامل كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام، تجنباً للاعتداء في الدعاء. يُبين أن هذا النهج يتوافق مع هدي النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا جندل بن والق، وهو التغلبي، وهو صدوق يغلط ويصحف، كما قال الحافظ رحمه الله، قال: حدثني يحيى بن يعلى، وهو الأسلمي القطواني، ضعفه ابن معين وأبو حاتم، عن يونس بن خباب، وهو الأوسي، قال فيه الحافظ رحمه الله في التقريب: صدوق يخطئ، ورمي بالرفض، عن مجاهد، وهو ابن جبر، أبو الحجاج المخزومي، إمام في التفسير وفي العلم، عن ابن عمر، وهو عبد الله بن عمر، الصحابي الجليل، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله في المجلس مئة مرة: «رب اغفر لي وتب علي وارحمني، إنك أنت التواب الرحيم». والحديث بهذا السند الضعيف لضعف يحيى بن يعلى، لكنه حسن في الشواهد. وقد مر الحديث قبل عدة أحاديث بسند صحيح، ومر كذلك كلام عليه، واستحباب الاتيان بهذا الدعاء، وطلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل. قال رحمه الله: باب. قال حدثنا عبيد بن يعيش، وهو المحارمي، أبو محمد الكوفي العطار، وقيل المحامل، نسبة إلى بيع المحامل التي يحمل فيها الناس في السفر، والعطار أظهر، أنها نسبة إلى بيع العطر، وهو ثقة. وقد كان كثير من السلف لهم حرف وأعمال ينسبون إليها، تجد هذا يقال فيه العطار، وذاك البزاز، نسبة إلى بيع البز، الثياب، وذاك الحذاء، وذاك الزيات، وهكذا ينسبون إلى حرفهم التي يحترفون بها، وهذا أمر ليس فيه شيء، أن الإنسان يعمل ويحترف، ولو كان طالب علم، ولو كان عالما، وهذا ليس بعيب، وليس كذلك بشيء ذنبه صاحبه، إن احتاج إلى ما يسد به حاجته فيعمل ويطلب العلم، فهذا أمر حسن، خير له من أن يمد يده إلى الناس، وأن يذل نفسه. لكن ربما بعض من كان عنده فهم سقيم، ربما إذا رأى طالب علم يعمل أو عالم يحترف، قالوا: هذا مميع، وهذا ضائع، وهذا صاحب دنيا، إلى آخر ذلك من هذه التهم، ومن هذا الرمي بالباطل. لكن هذا كما سمعنا ما يأتي إلا من سوء فهم، أو من سوء مقصد، إما هوى وحسد، أو غير ذلك من أبواب الشيطان التي يدخل فيها. قال حدثنا يونس، وهو ابن بكير الشيباني، وهو صدوق يخطئ، قال: عن ابن إسحاق، وهو محمد بن إسحاق، عن يسار، عن نافع، وهو أبو عبد الله المدني، مولى بن عمر، وهو واثق، ثبت، فقيه، كما قال الحافظ رحمه الله، عن ابن عمر، قال: إني لأدعو في كل شيء من أمري، حتى أن يفسح الله في مشي دابتي، حتى أرى من ذلك ما يسرني. وهذا الأثر لا يصح، ففيه عنعنة ابن إسحاق رحمه الله، وكذلك أيضا معناه ليس بصحيح، لأن السنة دلت أن الداعي إذا دعا، فينبغي أن يختار من الدعاء أجمعه. فهذا كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في سنة نبي داود، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب جوامع الدعاء، ويدعو ما سوى ذلك. كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب جوامع الدعاء، ويدعو ما سوى ذلك، يعني يأتي بالأدعية الجامعة التي تجمع الأمور الكثيرة، ولا يذكر التفاصيل، لا يذكر التفاصيل التي يحتاج إليها، لكن يأتي بكلمات عامة شاملة تشمل ما يريده ويقصده. ولهذا قالت: ويدعو ما سوى ذلك. ومن ذلك أيضا ما روي عن أحد السلف والصحابة رضي الله تعالى عنهم، حين سمع ابنه وهو يدعو ويقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فأنكر عليه، قال: إن هذا من الاعتداء في الدعاء، فإنك إذا سألت الجنة، فإنك تسأل الجنة وما فيها، وإذا استعذت من النار، فإنك تستعيذ من النار وما فيها، فلا يحتاج أن تدخل في التفاصيل. وكأنك تعلم الله سبحانه وتعالى، فهذا ما يحتاج إليه. وهكذا أيضا كذلك ربما يوجد في هذا الشيء الذي تسأل منه أو تستعيذ منه ما لا تعلمه، فإنك إذا أتيت بكلمة جامعة شملت ذلك، إذا قلت: اللهم إني أسألك الجنة، فإنك تعطى، إذا استجيب لك ما في الجنة مما علمت ومما لم تعلم، وهكذا إذا استعذت من النار، فإنك تستعيذ من النار وما فيها من عذاب مما علمت ومما لم تعلم. ولهذا إذا أراد الإنسان يدعو مثلا بشيء مما هو من أمور الدنيا، فيأتي بدعاء جامع، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل، مثلا ما جاء في حديث أنس في الصحيح، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أكثر دعائه: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». هذا دعاء جامع لخير الدنيا والآخرة. اللهم آتنا في الدنيا حسنة، الدنيا تشمل المسكن والماكل والمشرب، وهكذا أيضا المنكح وسائر أمور الدنيا، والمركب وغير ذلك، كلمة يسيرة تشمل معاني كثيرة، فتجمع لك خير الدنيا. آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، في الآخرة تشمل جميع أمور الآخرة، من القبر، وهكذا أيضا من الموقف والحساب والصراط والميزان والجنة، وإلى آخر ذلك من خير الآخرة. فكان هذا الدعاء دعاء جامعا يشمل لك خير الدنيا والآخرة. وهكذا أيضا مثله ما جاء في صحيح مسلم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». كلمات يسيرة تحمل معاني كثيرة، وشملت أمور كثيرة مما يحتاج له المسلم في الدنيا وفي الآخرة. ومن ذلك ما يتعلق بأمر الدنيا: أصلح لي دنياي التي فيها معاشي، يدخل فيها جميع أمور الدنيا، مأكل ومشرب ومسكن ومركب، إلى آخر ذلك، كلمة جامعة شاملة. هذا كان النبي عليه الصلاة والسلام من هديه أنه يختار الجوامع من الدعاء، ويدعو ما سوى ذلك. فإذا أراد الإنسان أن يدعو بأمر من أمور الدنيا أو أمور الآخرة، فإنه يستحب له أن يأتي بالأدعية الجامعة كهذه الأدعية التي كان يدعو بها النبي عليه الصلاة والسلام، ومثل ما علم النبي عليه الصلاة والسلام عائشة أن تقول: «اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل». هذا أيضا دعاء جامع شامل لخير الدنيا والآخرة. فمثل ذلك يدعو الإنسان إذا أراد شيئا من خير الدنيا أو من خير الآخرة، فإنه يأتي بالأدعية الجامعة التي كان يدعو بها النبي عليه الصلاة والسلام، ويدع التفاصيل، لأن هذا يعتبر من الاعتداء. وهذا كما قلنا، سواء دعا في أمر الدنيا أو في أمور الآخرة، أو في الدعاء على الأعداء. بعض الأئمة الذين ربما يدعو في الصلاة، فتجده يقول: اللهم عليك بأولئك الكفار، اللهم أسقط طائراتهم، ودمر دباباتهم، وهكذا يأتي بتفاصيل، وكأنه يعلم الله سبحانه وتعالى، هذا من الاعتداء في الدعاء، يكفي أن تدعو الله سبحانه وتعالى أن ينتقم منهم، والله عز وجل هو أعلم وأخبر، ما يحتاج ماذا أن تذكر مثل هذه التفاصيل، كأنك تعلم الله سبحانه وتعالى. فلهذا كان هذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فمن دعا يأتي بالدعاء الجامع الشامل، ويدع التفاصيل، كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.