الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 218، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع الأول يتناول شرح حديث أبي أمامة الباهلي حول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ويوضح مفهوم الاختلاط في رواية الحديث والفرق بينه وبين التغير. يبرز أهمية فهم هذه المفاهيم في سياق رواية الحديث النبوي.
الدعاء المذكور في الحديث هو دعاء جامع يشمل سؤال الله كل خير والاستعاذة من كل شر، ويتناول بالتفصيل معاني هذا الدعاء وأهميته في حياة المسلم. يشمل ذلك سؤال الله من كل الخير عاجله وآجله والاستعاذة من كل الشر.
الدعاء الجامع يشمل سؤال الله من كل الخير والاستعاذة من كل الشر، مع التركيز على سؤال الله الجنة وما يقرب إليها والاستعاذة من النار وما يقرب إليها. كما يشمل سؤال الله من خير ما سأله النبي صلى الله عليه وسلم والاستعاذة مما استعاذ منه.
يبرز هذا الجزء أهمية التعوذ من الشر كله بكلمات قليلة تحمل معاني كثيرة وعظيمة، مشيرًا إلى شمولية هذه الكلمات في التعوذ من جميع أنواع الشر. يوضح قيمة هذا الدعاء في حماية المسلم من كل أشكال الشر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا محمد بن أبي بكر، وهو المقدمي، أبو عبد الله الثقفي، ثقة. وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة. قال: حدثنا معتمر وأبو سليمان التيمي، أبو محمد البصري، وهو ثقة، كما قال الحافظ رحمه الله. قال: عن ليث، وهو ابن أبي سليم، وهو صدوق اختلط جدًا، ولم يتميز حديثه، فترك بسبب الاختلاط. وهناك فرق بين الاختلاط والتغير. بعض الرواة يقال فيه: تغير، وبعضهم يقال: اختلط. فهل هناك فرق؟ ما هو الاختلاط؟ بداية التغير تأكد، أو العكس؟ التغير بداية الاختلاط. فإذا زاد هذا التغير حتى صار يخلط، قيل فيه: مختلط. وهل يقبل حديث المختلط أو لا يقبل؟ ما يقبل مطلقًا. ما يقبل مطلقًا قبل الاختلاط، يعني إذا تميز حديثه، إذا تميز، فعرف وتميز ما حدث به قبل الاختلاط، قبل ما كان قبل الاختلاط، وما بعد الاختلاط ترك. وأما إذا لم يتميز، كحال ليث، فيترك حديثه. قال: عن ثابت بن عجلان، وهو الأنصاري، أبو عبد الله الحمصي، صدوق، عن أبي عبد الرحمن. ولم يذكر في ترجمة ثابت بن عجلان أنه روى عن أبي عبد الرحمن، ولا كذلك أيضًا فيمن روى عن أبي أمامة. والظاهر - الله أعلم - أن فيه تصحيف. والظاهر أن الصواب هو: عبد الرحمن بن سابط، وعبد الرحمن بن سابط روى عنه ثابت بن عجلان. وروى هو كذلك عن أبي أمامة. وعبد الرحمن بن سابط كثير الإرسال، كما قال الحافظ. قال: عن أبي أمامة، وهو صدي بن عجلان الباهلي، وهو صحابي جليل. قال ابن عيينة: هو آخر من مات من الصحابة في الشام. قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فدعى بدعاء كثير لا نحفظه». أي: النبي عليه الصلاة والسلام دعا بدعاء كثير. وكان النبي عليه الصلاة والسلام كثير الدعاء، ولهذا جمعه من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام الشيء الكثير. قال: «فقلنا: دعوت بدعاء لا نحفظه. فقال: سأنبئكم بشيء يجمع ذلك كله لكم». يعني: دعاء جامعًا. «اللهم إنا نسألك مما سألك نبيك محمد، ونستعيذك مما استعاذك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم أنت المستعان، وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله». أو كما قال. والحديث - كما مر معنا - السند أنه لا يصح بهذا السند، لضعف ليث بن أبي سليم. وأما معناه، فالحديث صحيح. وقد مر معنا ما يغني عنه مما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وسنذكره إن شاء الله. وقوله: «اللهم أنت المستعان»، أي: أنت الذي يستعان بك في قضاء الحوائج، وكذلك أيضًا فيما أردنا فعله أو قوله، فإننا نستعين بالله سبحانه وتعالى. «إياك نعبد وإياك نستعين». «وعليك البلاغ»، ومعنى البلاغ - كما قال ابن الأثير في النهاية - هو ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب. يعني: أنت الذي تعيننا وتوصلنا إلى ما نطلب ونرغب من النجاة من المرهوب والفوز بالمطلوب. «ولا حول ولا قوة إلا بالله»، أي: لا تحول من حال إلى حال، لا تحول من حال إلى حال من فقر إلى غنى، ولا مرض إلى صحة، ولا جهل إلى علم، إلى آخر ذلك من الأحوال، ولا قوة أي في هذا التحول إلا بالله، إلا بالله سبحانه وتعالى. فهو الذي يملك ذلك عز وجل. وهذا الدعاء دعاء جامع لنيل كل خير، وهكذا أيضًا في النجاة من كل شر. «اللهم إنا نسألك مما سألك نبيك محمد صلى الله عليه وسلم». والنبي عليه الصلاة والسلام سأل أشياء كثيرة من الخير كله. سأل عليه الصلاة والسلام من الخير كله، خير الدنيا والآخرة. وهكذا «نستعيذك مما استعاذك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم». والنبي عليه الصلاة والسلام قد استعاذ من الشر كله مما يكون في الدنيا ومما يكون في الآخرة. فهذا الدعاء يشمل سؤال كل خير، وهكذا الاستعاذة من كل شر. فلذلك كان من الأدعية الجامعة، لكنه - كما علمنا - بهذا السند الضعيف. ويغني عنه ما مر معنا في حديث عائشة حين أتاه النبي عليه الصلاة والسلام وهي تصلي، فلما فرغت، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «عليك بجوامع الدعاء». قالت: «وما هي يا رسول الله؟» فقالها عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. أسألك اللهم الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم أسألك مما سألك منه محمد صلى الله عليه وسلم، وأعوذ بك مما استعاذ منه محمد صلى الله عليه وسلم. وما قضيت لي من قضاء فاجعل عاقبته رشدًا». فهذا الحديث صحيح، وقد مر معنا قبل، وهو يغني عن هذا الحديث. وفيه كذلك هذا الدعاء الجامع لخير الدنيا والآخرة: «اللهم إني أسألك من الخير كله، من كل الخير، خير الدنيا والآخرة، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم». فأنت تسأل الله عز وجل من كل الخير ما علمته وما لم تعلمه. فإن هناك من الخير ما لم تطلع عليه وما لم تعلمه، فأنت تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يسأل لك هذا الخير. وهكذا تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم تعلم. ثم تسأل من الله جل وعلا الجنة: «اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل». تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يدخلك الجنة، وأن يسر لك طرق الجنة، وما قرب إليها، أي: ما قرب إلى الجنة من قول أو عمل. وتستعيذ بالله جل وعلا من النار، وهكذا أيضًا ما قرب إليها من قول أو عمل، يعني: ما يكون سببًا في دخول النار من الأقوال والأعمال، وتستعيذ بالله سبحانه وتعالى منها. ثم تسأل من الله عز وجل من خير أو كل خير سأله النبي عليه الصلاة والسلام: «أسألك مما سألك محمد صلى الله عليه وسلم». تسأل من الله عز وجل كل خير سأله النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يشمل - كما قلنا - خير الدنيا والآخرة، مما في الدنيا من الصحة والأمن والعافية والعلم والغنى إلى آخر ذلك. وهكذا تستعيذ بالله مما استعاذ منه محمد صلى الله عليه وسلم. والنبي عليه الصلاة والسلام قد استعاذ من الشر كله مما في الدنيا، وهكذا أيضًا مما في الآخرة. فكان هذا الدعاء دعاء جامعًا لخير الدنيا والآخرة، فينبغي أن يحرص عليه المسلم، وأن يحفظ مثل هذا الدعاء الذي يجمع له الخير كله. وكذلك أيضًا يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من الشر كله، فتأتي بمثل هذه الكلمات القليلة، وهي تحمل هذه المعاني الكثيرة والعظيمة.