الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 250، ألقاها
يروي الحديث عن غزوة تبوك وخطأ أحد الصحابة في حق النبي صلى الله عليه وسلم، كما يبرز حرص الصحابة على سلامة النبي وتفديته بأنفسهم.
الحديث يبين حكم وصف الشخص بما يعرف به، مشيراً إلى الفرق بين الوصف الجائز والغيبة المحرمة.
النبي صلى الله عليه وسلم حث على الإيثار وأثنى على المهاجرين والأنصار لما قدموه من تضحيات، مشيراً إلى أهمية التعاون على البر والتقوى.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، باب قول الرجل: فلان جعد أسود أو طويل قصير، يريد الصفة ولا يريد الغيبة. قال: حدثنا عبد العزيز عن عبد الله، قال: حدثنا إبراهيم النسائي عن صالح عن كيسان عن ابن شهاب، وهو الزهري، قال: أخبرني ابن أخي أبي رهم، كلثوم بن الحسين الغفاري، أنه سمع أبا رهم - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بايعوا تحت الشجرة، أي بيعة الرضوان - قال: يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فنمت ليلة بالأخضر - وقوله بالأخضر هو منزل قرب تبوك - قال: فصرت قريبا منه، فألقي علينا النعاس، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلته خشية أن تصيب رجله في الغرز، فطفقت أخر راحلتي حتى غلبتني عيني بعض الليل، فزاحمت راحلتي راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجله في الغرز - والغرز هو الموضع الذي يوضع فيه الرجل إذا أراد أن يصعد على الراحلة، يضع رجله عليه ثم يصعد - قال: فأصبت رجله، فلم أستيقظ إلا بقوله: "حس"، قال: وهي كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما عظمه أو أحرقه، فيقول: "حس". فقلت: يا رسول الله، استغفر لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سر". فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني عن من تخلف من بني غفار، فأخبره، فقال - وهو يسألني -: "ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط؟" - والثطاط الذي ليس في وجهه شيء من الشعر إلا شعرات يسيرة تحت الحنك، هذا الحنك يكون فيه شعر يسير - قال: فحدثته بتخلفهم، قال: فما فعل السود الجعاد القصار الذي لهم نعم بشبكة شرخ؟ - والجعاد يعني جعاد الشعر، الذي ليس بسبط، أي ليس بنعم الذي يكون شعرهم فيه جعودة وخشونة - قال: لذين لهم نعم بشبكة شرخ، وهو اسم ما لأسلم من بني غفار. قال: فتذكرتهم في بني غفار، فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم، فقلت: يا رسول الله، أولئك من أسلم. قال: فما يمنع أحد أولئك حين يتخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأة نشيطا في سبيل الله؟ فإن أعز أهلي علي أن يتخلف عني المهاجرون من قريش والأنصار وغفار وأسلم. وهذا الحديث ضعيف، ضعف الشيخ الألباني رحمه الله بسبب ابن أخي أبي رهم، فهو مجهول. والشاهد من هذا الحديث هو أن قول الرجل يصف إنسانا بشيء من صفاته بقوله: طويل أو قصير أو أسود أو جعد أو غير ذلك، أو أكسح مثلا أو أعرج أو أعمى، يريد بذلك الصفة - يعني يصفه بما يعرف به - فإن هذا جائز وليس من الغيبة المحرمة. فإذا كان ذكره لمثل هذه الأوصاف على وجه الغيبة، فإن هذا محرم كما مر معنا في الأبواب السابقة في تحريم الغيبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذكرك أخاك بما يكره»، فإن كان فيه ما أقول، قال: فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما أقول، قال: فقد بهته. فإذا كان على وجه الصفة، فهذا جائز إذا كان لا يعرف إلا بهذا الوصف، فهنا يجوز أن تصفه بما يعرف به. أما إذا كان يعرف بغير هذا الوصف، فلا ينبغي أن تصفه بهذا الوصف، تذكره باسمه أو كنيته، فلا يعرف. تقول: ذاك الذي يعرج، أو ذاك الأعور، وهكذا تأتي له بالصفة تريد منها التعريف، فهذا ليس من الغيبة. وهذا هو وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب الذي بوابه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: "باب قول الرجل: فلان جعد أسود، طويل قصير، يريد الصفة ولا يريد الغيبة"، يعني أن هذا ليس من الغيبة التي تكون محرمة. والحديث كما علمنا أنه ضعيف، لكن بعض ما في هذا الحديث يدل على صحة معناه. حديث آخر منها حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على عدم إيذاء النبي عليه الصلاة والسلام. قد كان الصحابة رضي الله تعالى عليهم حريصين على سلامة النبي صلى الله عليه وسلم وإبعاد كل ما يؤذيه، حتى أفدوه رضي الله تعالى عنهم بأنفسهم وأموالهم، ويتمنى الواحد منهم أن يؤذى وأن يصاب ولا يصاب النبي عليه الصلاة والسلام، من شدة محبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام. وهذا مثل عبيد الله بن طلحة في غزوة أحد، حين أصيب النبي صلى الله عليه وسلم وتفرق الصحابة حين أصابهم ما أصابهم، فكان رضي الله تعالى عنه يأمر النبي صلى الله عليه وسلم - أو يقول له -: "لا ترفع رأسك أن يصيبك القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله". فكان الواحد منهم يفدي نفسه ويقدم نفسه على أن لا يصاب النبي صلى الله عليه وسلم بشيء. وكذلك أيضا قوله في هذا الحديث: "ما يمنع أحدهم أن يحمل على بعير من إبله امرأة نشيطة في سبيل الله"، يعني حث على أن يحمل الإنسان غيره وأن يعين غيره بما يستطيع، فهذا قد دلت عليه الأدلة الكثيرة، كعمومات الأدلة في التعاون على البر والتقوى، وتعاون على البر والتقوى. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». وقوله عليه الصلاة والسلام: «من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له». فحث النبي صلى الله عليه وسلم على الإيثار في الأموال وفيما فضل في يد الإنسان أن يعطيه غيره حتى ينتفع به، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وكذلك أيضا قوله: «فإن أعز أهلي علي أن يتخلف عني المهاجرون من قريش والأنصار»، فقد دلت على ذلك أدلة كثيرة في فضل المهاجرين والأنصار، وثناء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم في أحاديث كثيرة في السنة. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.