التعليقات على كتاب الأدب المفرد 154

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 154، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفات أصحاب النبي وتواضعهم

كان أصحاب النبي يتصفون بالتواضع والانبساط في مجالسهم، وكانوا يتناشدون الشعر ويتحدثون عن جاهليتهم مع شدتهم في أمور الدين. كما لم يكونوا يتظاهرون بالضعف والتعب من العبادة.

تحذير النبي من الكبر ومعناه

الكبر ليس في لبس الثياب الحسنة أو التجمل، بل هو بطر الحق وغمط الناس. المتكبرون سيحشرون يوم القيامة أمثال الذر ويتعرضون للذل والعذاب.

عاقبة المتكبرين يوم القيامة

المتكبرون يحشرون يوم القيامة أمثال الذر، يطأهم الناس بأقدامهم، ويعذبون في نار جهنم، ويسقون من عصارة أهل النار نتيجة لتكبرهم في الدنيا.

سبب تحري نساء النبي هداياهن في يوم عائشة

الصحابة كانوا يهدون للنبي في يوم عائشة لمحبته لها، فغرت بقية نسائه من ذلك. سيتم التطرق لهذا الموضوع في درس قادم بإذن الله.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا الوليد بن جميع عن أبي سلامة بن عبد الرحمن، قال: لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متحزقين -قال: أي متقبضين ومجتمعين- ولا متماوتين. قال: يقال تماوة الرجل إذا أظهر من نفسه التخافت والتضاعف من العبادة والزهد والصوم، يعني ما يظهرون الضعف والتعب من العبادة. وكانوا يتناشدون الشعراء في مجالسهم ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر الله دارت حماليق عينيه -قال: جمع حملاق، وهو ما يسوده الكحل من باطن أجفانها، وهو كناية عن فتح العينين والنظر بنظر شديد- قال: دارت حماليق عينيه كأنه مجنون. وهذا الأثر الصحيح أو حسن، حسن الشيخ الألباني رحمه الله. وفي هذا الأثر بيان ما كان عليه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من تواضعهم وانبساط بعضهم لبعض، فما كانوا رضي الله تعالى عنهم متكبرين ولا يترفع بعضهم على بعض، بل بينهم التواضع وخفض الجناح وحسن التعامل. وهكذا أيضا حسن الأخلاق، كما وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾، كانوا رحماء فيما بينهم. فما كانوا يتظاهرون بالسكينة والتماوت -يعني التعب من شدة العبادة والصيام والصلاة- مع أنهم كانوا رضي الله تعالى عنهم أهل المسارعة والمسابقة في فعل الخيرات من الصيام والصلاة والجهاد. ومع ذلك ما كانوا يتماوتون وتظاهرون بالضعف والتعب كما يفعل بعض المتزهدة، يتظاهر بالتماوت والضعف والعجز كأنه يقول: انظروا قد أهلكني أو أهلكتني العبادة. أبدا ما كان هذا خلقهم رضي الله تعالى عنهم. بل كانوا مع فعلهم للعبادة والطاعة كان ينبسط بعضهم إلى بعض، ومن ذلك أنهم يتناشدون الشعر في مجالسهم -يعني يتنادون بالأشعار التي فيها شيء مما يحمسهم في الجهاد أو من ذكر محاسن الإسلام أو ذلك من المعاني الحسنة- فالشعر حسنه حسن وقبيحه قبيح. وسيأتي باب خاص في الكلام على الشعر، لكن المراد هنا بيان أنهم كانوا يتناشدون الشعر ويجلس بعضهم إلى بعض. وهذا لا تجده عند أهل الكبر، تجد المتكبر المترفع ما يحب أن يفعل مثل ذلك، ولا ينبسط إلى أحد ولا أحد ينبسط إليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف أمثال هؤلاء: «شركم الذي لا يألف ولا يؤلف، لا يألف الناس فيعاشرهم ويتعامل معهم، ولا يؤلف الناس لكبره وغروره وعجبه بنفسه». قال: ويذكرون أمر جاهليتهم -يعني يذكرون ما كانوا عليه في الجاهلية ويحمدون الله سبحانه وتعالى على ما أنعم به عليهم بنعمة الإسلام- قال: فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر الله دارت حماليق عينيه كأنه مجنون -يعني مع ما هم فيه من انبساط بعضهم لبعض والأخذ في الأشعار وما كانوا عليه من أمر الجاهلية إذا جاء الأمر الذي يحتاج فيه إلى الشدة وإلى العزم وجدتهم الرجال الذين يقومون بهذا الأمر-. كأن مثلا يحين وقت الجهاد فتجدهم رضي الله تعالى عنهم في المقدمة، وهم ماذا من يقوم بهذا الأمر العظيم. ففي هذا الأثر -كما سمعنا- ما كان عليه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من حسن أخلاقهم وتواضعهم وانبساط بعضهم لبعض. وفيه كذلك أنه ليس من الزهد أن يظهر الإنسان التماوت والتعب والضعف بسبب كثرة الصيام أو الصلاة أو غيرهما من العبادة، ليس هذا من الزهد، بل هذا قد يوقعه في الرياء، قد يوقع صاحبه في الرياء أو في العجب، يتظاهر بذلك حتى يتكلم الناس في عبادته أو في زهده. وما كان هذا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهكذا أيضا فيه جواز إنشاد الشعر الذي ليس فيه ما يخالف الشرع من وصف محاسن النساء أو ذكر محاسن شيء من المحرمات، أو كذلك لا يتخلله شيء من المحرمات من آلات اللهو والطرب، أو كذلك أيضا التغني به على وجه الحان الأغاني، أو كذلك التوسع فيه حتى يشغل المرء عما هو أوجب. فإذا كان كذلك فلا بأس، وهكذا أيضا فيه جواز أن يذكر الإنسان ما كان قد حصل منه في سابق أمره قبل استقامته -مثلا- أو قبل إسلامه من باب العظة والتذكر، وكذلك أيضا في بيان نعمة الله سبحانه وتعالى عليه التي أنعم الله بها عليه بعد هدايته واستقامته، فهذا لا بأس به. لا يذكر ذلك من باب التفاخر والمجاهرة بفعل المعاصي والذنوب، فهذا لا يجوز. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين» -يعني الذي يجاهر بفعل المعصية أو بذكرها- لكن كانوا رضي الله تعالى عنهم يفعلون ذلك من باب أن يذكروا نعمة الله سبحانه وتعالى التي أنعم بها عليهم. والشاهد من هذا الأثر -كما سمعنا- هو ذكر ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من تواضعهم وعدم تكبرهم. قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وكان جميلا، فقال: حبب إلي الجمال وأعطيت ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد -إما قال: بشراك نعل، وإما قال: بشسع أحمر- الكبر ذاك -يعني هذا من الكبر- قال: لا، ولكن الكبر من بطر الحق وغمط الناس. والحديث صحيح، صحيح شيخ الألباني رحمه الله. وهذا الحديث فيه بيان معنى الكبر كما مر معنا في الحديث السابق، وأنه ليس من الكبر أن يلبس الإنسان الثياب الحسنة أو يلبس النعال الحسن أو أن يتجمل، فليس هذا من الكبر، بل إن الله جميل يحب الجمال، كما في المسند وفي الصحيح بمعنى هذا الحديث، قال رجل: يا رسول الله، إن أحدنا يحب أن يكون نعله حسنا وثوبه حسنا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس». فالله عز وجل جميل يحب الجمال، فالله جميل في أفعاله وفي صفاته وفي سائر خلقه، وكذلك أيضا في سائر شأنه عز وجل، وهو يحب الجمال، يحب من العبد أن يتجمل في ثيابه وفي نعله وفي نفسه وبدنه. والله جميل يحب الجمال، هذا لا ينافي الكبر أبدا، لكن الكبر هو بطر الحق وغمط الناس، الكبر بطر الحق وغمط الناس، رد الحق واستحقار الناس هذا هو الكبر. قال: وحدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن من جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال». وهذا الحديث حسن، حسن الشيخ الألباني رحمه الله. وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال -يعني في أمثال الذر، والذر كما قال أهل اللغة هو النمل الأحمر الصغير، واحده ذرة- في صورة الرجال -يعني هيئتهم هيئة الرجال، لكنه يحشر في أمثال الذر أو على أمثال الذر- يغشاهم الذل من كل مكان. قال بعض العلماء: ليس المراد بهذا الحديث حقيقة ظاهره أنهم يحشرون أمثال الذر، وإنما المراد ما يكون حالهم من الذل، ما يكون عليه حالهم من الذل، وكذلك حصول الهوان عليهم بسبب تكبرهم. وهذا ليس بصحيح، بل الحديث على ظاهره، الحديث على ظاهره، ولا مانع من حمل الحديث على ظاهره أنهم يحشرون أمثال الذر في صورة الرجال. والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، فبسبب تكبرهم وترفعهم على الخلق في الدنيا يحشرهم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة أمثال الذر، يطأهم الناس بأقدامهم، يطأهم الناس بأقدامهم، ويعلوهم الذل من كل مكان بسبب تكبرهم، يساقون إلى سجن من جهنم يسمى بولس -يعني يسحبون إلى سجن من جهنم يسمى بولس-. قال: تعلوهم نار الأنيار -يعني يوضعون في وسط النار، وسميت نار الأنيار لعظم هذه النار، بل لأنها أصل النار، أصل النار هي نار جهنم كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يصلى نارا حامية يصلى النار الكبرى﴾، فالنار الكبرى هي نار جهنم، وهي كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: «ناركم هذه جزء من ستين أو من سبعين جزءا من نار جهنم»، ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. نار الدنيا التي تحرق الأجساد وتحرق المنيان هي جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنم، فكيف بنار جهنم إذا كانت هذه النار وحدها كافية في الإحراق، فكيف بأضعافها سبعين ضعفا؟ فدل ذلك على أن هذه النار عظيمة. قال: ويسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال، يسقون من عصارة أهل النار -يعني ما يخرج منهم من صديد وقيح ودم- ودم، طينة الخبال -أي يحصل لهم الفساد العظيم في أبدانهم وعقولهم- وهذا من عقاب المتكبرين، وهذا يدل كذلك على أن الكبر ذنب عظيم وكبير من كبائر الذنوب التي يعاقب عليها العبد بهذا العقاب بأن يحشر يوم القيامة مثل الذر، يغشاه الذل من كل مكان. وهذا مقابل لفعله الذي يفعله في الدنيا، فهو كان يتكبر على الناس ويترفع على الناس، ويزري أن الناس لا شيء ولا يساوون شيئا، فكان عقابه أن يحصل العكس، أن يعلوهم الذل، ويحشر ذليلا حقيرا صغيرا، وفوق ذلك يسحب إلى نار جهنم ويعذب في نار جهنم، عياذا بالله. قال: باب من انتصر من ظلمه، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «دونك فانتصري» -يعني قال لعائشة-. والحديث صحيح، والرواية التي بعدها تبين معنى الحديث. قال: حدثنا الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عائشة قالت: أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنت، والنبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة رضي الله عنها في مرطها -يعني في اللحاف والإزار- فأذن لها، فدخلت، فقالت: إن أزواجك أرسلني يسألنك العدل في بنت أبي قحافة -يعني في بنت أبي بكر عائشة، وأبو قحافة والد أبي بكر- قال: «أي بنية أتحبين ما أحب؟» قالت: بلى، قال: «فأحبي هذه». فقامت فخرجت، فحدثتهم -يعني بكلام النبي صلى الله عليه وسلم- فقلنا: ما أغنيت عنا شيئا، فارجعي إليه، قالت: والله لا أكلمه فيها أبدا. فأرسلن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنت، فأذن لها، فقالت له ذلك -يعني قالت له مثل ما قالت فاطمة، إن نساءك يسألنك العدل في بنت أبي قحافة- فوقعت في زينب تسبني، فطفقت أنظر هل يأذن لي النبي صلى الله عليه وسلم -فلم أزل حتى عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر- فوقعت بزينب -يعني ردت عليها- فلم أنشب -أي لم أمهل- أن أفخمتها -غلبتها- وقهرتها، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «أما إنها ابنة أبي بكر». والحديث صحيح، وهو في صحيح مسلم. وأيضا أخرجه البخاري في باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض. وفيه في رواية الليث، البخاري بيان السبب في ذلك، وهو أن كان من أراد أن يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم هدية أهداها له في يوم عائشة، أهداها له في يوم عائشة، فكانوا يتحرون هداياهم في يوم عائشة لعلمهم بمحبة النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة، فغرت بقية نساء النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، فحصل ما في هذا الحديث. وإن شاء الله نتكلم عليه في درس قادم، والله تعالى أعلم. نساء النبي صلى الله عليه وسلم.