التعليقات على كتاب الأدب المفرد 122

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 122، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الهدي الصالح والسمت والاقتصاد في الإسلام

يشرح الحديث النبوي حول الهدي الصالح والسمت والاقتصاد كجزء من النبوة، ويبين أهمية هذه الخصال للمسلم. الهدي الصالح يعني الطريقة الحسنة، والسمت يعني حسن الهيئة، والاقتصاد يعني سلوك الاعتدال.

التوازن بين عمل الدنيا والعبادة

يناقش أهمية التوازن بين العمل الدنيوي المباح والعبادة، حيث يجب ألا يغفل المسلم عن جانب على حساب الآخر. الأنبياء والصحابة كانوا قدوة في هذا التوازن.

تطبيقات الرفق والاقتصاد في الحياة اليومية

يبرز قيمة الرفق في التعامل مع الحيوان والاقتصاد في المعيشة من خلال أحاديث نبوية، مشيراً إلى أهمية إصلاح الأشياء بدلاً من التخلص منها لتحسين الأوضاع المعيشية.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا زهير عن قابوس، وهو ابن أبي ضبيان، وهو ضعيف، ضعف ابن معين، أبو حاتم النسائي، أن أباه حدثه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الهدي الصالح والسمت والاقتصاد جزء من سبعين جزءا من النبوة». الحديث بهذا السند ضعيف، وضعه الشيخ الألباني رحمه الله. ثم أشار أي شيخ الألباني إلى تحسين ذكر السمت برواية أخرى بلفظ: «جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة». وأشار إلى رقم الحديث الذي سيأتي في هذا الكتاب، وهو ليس فيه بهذا اللفظ أربعة وعشرين، ولكن بلفظ خمسة وعشرين، فالحديث حسن. وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن الهدي الصالح والسمت والاقتصاد جزء من سبعين جزءا من النبوة، أو على الرواية الصحيحة من خمسة وعشرين جزءا من النبوة. الموال بهدي الصالح، أي الطريقة الصالحة. والسمت يعني حسن الهيئة. والاقتصاد أي الاقتصاد في الأمور وسلوك القصد فيها. فهذه من خصال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فالأنبياء كانت طريقتهم صالحة في حياتهم وفي معاملاتهم للناس ولمعاملاتهم كذلك للمخالفين. وأكمل الأنبياء هديا النبي عليه الصلاة والسلام، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالهدي الصالح هذا من صفات الأنبياء التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، أن يكون ذا طريقة صالحة في أخلاقه وأعماله وأقواله، وفي تعامله مع الخلق وتعامله مع الناس. وهكذا أن يكون ذا سمت، أن يكون حسن الهيئة والمنظر. إن الله جميل يحب الجمال، ليس فقط الحسن بحسن الثياب وحسن الجسد والاعتناء بتنظيفه، وكذلك الاعتناء بتزينه. كما أنه ينبغي في الحقيقة الاعتناء بالقلب، الذي هو حياة هذا الجسد. والله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الأجساد والألوان، وإنما ينظر للقلوب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فالقلوب والأعمال هي محل نظر الله سبحانه وتعالى. ومع ذلك فلا يمنع ذلك أن يعتني الإنسان بهيئته ومنظره، لكن ما اعتنائه بهيئته ومنظره ينبغي أن يعتني اعتناءا كبيرا في قلبه. وكذا أيضا الاقتصاد، الاقتصاد في الأمور في العبادات أو في المعاملات، أن تكون وسطا لا إفراط فيها ولا تفريط. في التعامل مع الدنيا تكون وسطا لا إفراط ولا تفريط، تأخذ من الدنيا ما تستعين به على الآخرة. فالدنيا دار عمل تتزود منها من الطاعات والعبادات. وهكذا أيضا لك منها نصيب مما تحتاجه من سد حاجتك والقيام على أهلك وعيالك، بأن تعمل عملا من الأعمال المباحة التي تسد بها ما تحتاج من متاع الدنيا، كما كان أنبياء الله عليه الصلاة والسلام. فالبعض ربما يفرط في هذا الأمر ويجعل من اشتغل بشيء من الأعمال المباحة أنه قد ضيع نفسه وأنه صار مميعا وصار صاحب دنيا. وهذا من المفهوم السيء وعدم معربة الفهم الصحيح في التعامل مع هذه الدنيا. فأنبياء الله سبحانه وتعالى كانت لهم أعمال، ما من نبي بعثه الله إلا ورعى الغنم، حتى النبي عليه الصلاة والسلام. منهم من كان حدادا، منهم من كان نجارا. وهل ضيعوا أنفسهم وهل صاروا أصحاب دنيا؟ وهكذا من نظر في حال الصحابة والسلف، منهم من كان تاجر كأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف. وهكذا منهم من كان يعمل كعمر رضي الله تعالى عنه، وقصته مع الأنصاري مشهورة عندما كان يتناوب مع صاحبه الأنصاري. وهكذا من نظر في تراجم المحدثين، رأى أن كثيرا منهم كان ينسب إلى حرفته، الزيات نسمة إلى بيع الزيت، والحداد نسمة إلى الحدادة، والحذاء إلى بيع الأحذية، والسمان نسمة إلى بيع السمن. وهكذا كثير وهم أئمة محدثون. عبد الله المبارك هذا الإمام المشهور الذي قيل فيه: ما زاد عليه الصحابة إلا بشرف الصحبة، كان تاجر كان تاجر حتى قاله أحد تلاميذه: يا إمام إنك تأمرنا بالزهد وأنت تأتي بالبضائع من الأماكن البعيدة. فقال له: أسد حاجتي وأكف نفسي، أو كما قال رحمه الله. وكثير وكثير من السلف ما ترك الأعمال ولا جعل ذلك مضيعة أو مضلة أو كذلك ضياع أو ضلال أبدا. وما يفهم ذلك إلا من أوتي فهما سقيما. ومع ذلك لا ينبغي كذلك أن ينشغل الإنسان بالدنيا وأن يفرط أو يفرط في أمر الدنيا بأن يجعل همه وشغله الدنيا فيضيع الواجبات ويرتكب المحرمات، فهذا هو المذموم في باب الدنيا أن تشغلك الدنيا عن طاعة الله، فتترك ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليك أو ترتكب ما نهاك الله سبحانه وتعالى عنه. لكن ينبغي أن تكون فيها وسطا. وكذا أيضا في أمور العبادة والطاعة، فإن كذلك تكون فيها وسط بين الإفراط والتفريط. فالشاهد ينبغي على المسلم أن يكون مقتصدا في جميع أموره، هذا الذي كان عليه أنبياء الله عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا حفص بن عمر وابن غياث قال: حدثنا شعبة وابن الحجاج عن المقدام، وابن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت على بعير فيه صعوبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليك بالرفق، فإنه لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه». الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. ومر على الكلام على معنى هذا الحديث فيما سبق. وفيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالرفق حتى مع الحيوان. قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن أبي رافع عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم، والظلم ظلمات يوم القيامة». الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وفيه تحذير النبي عليه الصلاة والسلام من الشح. والشح كما قيل هو أشد البخل، الشح أشد البخل، وقيل هو البخل مع الحرص. قال: باب الرفق في المعيشة. قال: حدثنا حرامي بن حفص قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا سعيد بن كثير بن عبيد، وهو أبو العنبس، قال: حدثني أبي، وهو كثير بن زيد، مولى أبي بكر، وهو رضيع عائشة، قال: دخلت على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقالت: أمسك حتى أخيط نقبتي. والنقبة هي السراويل الذي لا يكون فيه موضع لشد الحبل. قالت: أمسك حتى أخيط نقبتي، فأمسكت. فقلت: يا أم المؤمنين، لو خرجت فأخبرتهم لعدوهم منك بخلا. قالت: أبصر شأنك، إنه لا جديد لمن لا يلبس الخلق. قال: الشرق الألباني رحمه الله: حسن الإسناد. فهذا الحديث فيه ما سمعنا في هذا الأثر عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أعطت لكثير بن زيد هذا سراويل، وهو النقبة، أرادت أن تخيطه وظهر أنه كان قد تمزق. فقالت: أبصر شأنك، إنه لا جديد لمن لا يلبس الخلق. يعني الذي لا يلبس القديم. وأرادت بذلك رضي الله تعالى عنها أن يكون المسلم مقتصدا في أموره، وأن ينتفع بما يمكن الانتفاع به من ثوب أو نعل أو نحو ذلك إذا انقطع أو إذا تمزق. إذا كان يمكن إصلاحه فينبغي عليه أن يصلحه وأن ينتفع به. وهذا كان حال النبي عليه الصلاة والسلام، كان عليه الصلاة والسلام يخصف نعله ويرقع ثوبه. وهذا من الاقتصاد الذي ينبغي أن ينتفع به المسلم في حياته.