الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 90، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوصي قيس بن عاصم أبناءه بتقوى الله وتسوية أكبرهم، ويبين أهمية ذلك في حياة المسلمين. الوصية تعتبر من الأمور الهامة التي يجب على المسلمين الاهتمام بها عند الموت.
يوصي الإمام بالعمل وجمع المال الحلال للاستغناء عن الناس، ويحذر من سؤالهم إلا عند الضرورة. كان السلف يعتنون بالتكسب واتخاذ الأسباب المباحة.
حديث النبي يبين تحريم سؤال الناس إلا في ثلاث حالات، ويحذر من النياحة على الميت. سؤال الناس تكثرا يعاقب عليه، والنياحة من كبائر الذنوب.
البكاء دون النطق بما لا يرضي الله مشروع، بينما النياحة محظورة شرعاً. النبي بكى على ابن إبراهيم معبراً عن حزنه دون مخالفة شرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخارية رحمه الله في كتاب الأدب المفرد، باب تسويد الأكابر، قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت مطرفا، عن حكيم بن قيس بن عاصم، أن أباه أوصى عند موته بنيه، فقال: اتقوا الله، وسودوا أكبركم، فإن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سودوا أصغرهم أزرى بهم ذلك في أكفائهم، وعليكم بالمال واصطناعه، فإنه منهبة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس، فإنها من آخر كسب الرجل، وإذا مت فلا تنوحوا، فإنه لم ينح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا مت فادفنوني بأرض لا أشعر بدفني بكر بن وائل، فإني كنت وغافلهم في الجاهلية. والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله، وسيأتي مطولا في الأبواب القادمة. وفي هذا الحديث أن قيس بن عاصم رضي الله تعالى عنه أوصى بنيه عند موته بهذه الوصية، وهذا فيه أنه ينبغي على المسلم أن يعتني بالوصية، فإذا كان عنده حقوق لا تعلم ولا تعرف أو لا يعلمها أحد، فيجب عليه أن يوصي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يمر عليه ليلة أو ليلتان إلا وصيته مكتوبة عنده»، متفق عليه من حديث ابن عمر. فهذه الوصية الواجبة، وإن لم تكن في ذمته حقوق للآخرين أو كانت عنده حقوق لكنها تعلم من غير الوصية، فيستحب أن يوصي، ومن ذلك أن يوصي مثلا أولاده بما يكون عونا لهم في الاستقامة على الخير، وما يعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى بعد موته. فقال: اتقوا الله، وسودوا أكبركم، فإن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سودوا أصغرهم أزرى بهم ذلك في أكفائهم، فأوصاهم رضي الله تعالى عنه بتقوى الله، وهي وصية الله جل وعلا للأولين والآخرين، ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾، ثم أوصاهم بأن يسودوا أكبرهم، قال: وسودوا أكبركم، يعني اجعلوا الأمر للكبير، وارجعوا في أموركم إلى من كان أكبركم، فشاوروه وخذوا برأيه، وهكذا استفيدوا من خبرته، فيجعل الأمر إلى من كان أكبرهم. قال: فإن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم، يعني إذا فعلوا ذلك فإن الكبير يقوم بمنزلة الأب في حسن التصرف وحسن المعاملة ووضع الأمور في مواضعها، وهكذا كذلك ما يكون عند الكبير من الخبرة في التعامل مع الآخرين، وهكذا كذلك الخبرة في معالجة الأمور إلى آخر ذلك، فإن عند الكبير معرفة لا تكون عند الصغير، وهكذا أيضا مع ما يكون للكبير من رجحان العقل، وكذلك أيضا من التأني وعدم العجلة ما لا يكون عند الصغير. فلذلك أوصاهم أن يسودوا أكبرهم، وأنهم إذا فعلوا ذلك فإنهم قد خلفوا أباهم بخير، وهكذا كذلك يقال في مسائل الدين، ولهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بالرجوع إلى الأكابر، وأخبر أن البركة مع أكابر أهل العلم، «البركة مع أكابركم»، وذلك كما سمعنا أن الكبير عنده من الخبرة ما ليس عند الصغير، وعنده كذلك من رجحان العقل ما ليس عند الصغير، وعنده من الخبرة وحسن التصرف والمعرفة ما ليس عند الصغير. وهكذا أيضا عندهم من الرزانة والتأني وعدم العجلة ما ليس عند الصغير، فإن الصغير قد يتعجل ويكون عنده شيء من الطيش، ولو كان عنده علم، لكن لصغر سنه ربما يغلبه هذا الطيش وتغلبه العجلة فيقع في الخطأ والزلل، بخلاف كبير السن. قال: وعليكم بالمال واصطناعه، فإنه منهبة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم، أوصاهم رضي الله تعالى عنه بالعمل والتكسب، قال: عليكم بالمال واصطناعه، يعني اتخاذ الأسباب التي بها تتحصلون على المال، وأخبرهم رضي الله تعالى عنه أن ذلك منهبة للكريم، شرف ورفعة للكريم أن يكون عنده عمل يستغني به عن الناس ويكف به وجهه، قال: ويستغنى به عن اللئيم، أن يستغني بهذا المال أن يمد يده للناس، وكذلك أيضا أن يذل نفسه. فلذلك أوصاهم بهذه الوصية: عليكم بالمال واصطناعه، وهكذا كان السلف رحمهم الله، كانوا يعتنون بهذا الأمر، أي الأمر بالتكسب واتخاذ الأسباب المباحة التي بها يستعين المرء في سد حاجته. ونحن نعلم ودائما يتكرر في أسماعنا ما كان عليه أنبياء الله سبحانه وتعالى، فإنهم كانوا يعملون، منهم من كان نجارا، ومنهم من كان حدادا، وهكذا أيضا قد رعى جميع الأنبياء الغنم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم»، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط أهل مكة». وهكذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كانت لهم أعمال، فالأنصار كانوا يعملون في الزراعة، والمهاجرون كانوا يعملون بالتجارة، كما في الصحيحين، لما قال أبو هريرة: «لقد كان المهاجرون يشغلهم الصفق في الأسواق، والأنصار يشغلهم عمل أيديهم -يعني الزراعة-»، قال: «وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم». فكانوا يعملون، وهكذا كذلك منهم من كان يعمل في التجارة، ومن السلف والمحدثين كثير منهم كانت لهم أعمال، وكان كثير منهم ينسب إلى حرفته، فيقال لأحدهم: الحذاء، ويقال للآخر: البزاز، ويقال للآخر: الزيات، وهكذا تجد كثيرا منهم يلقب بحرفته التي يعمل بها، وما عيب عليهم ذلك أبدا، ولا كذلك اتهموا بأنهم أصحاب دنيا أو أنهم مميعون أو أنهم ضائعون أبدا، بل كان ذلك رفعا لهم. وهذا سفيان الثوري رحمه الله كان يقول: «عليك بعمل الأبطال: الكسب من الحلال والإنفاق على العيال»، انظروا كيف يحث على العمل، «عليك بعمل الأبطال: الكسب من الحلال والإنفاق على العيال»، وكان إذا أتاه طالب علم سأله: هل له ما يكفيه ويسد حاجته من معيشته؟ فإن أخبره بأن له ما يكفيه أمره بطلب العلم، وإن أخبره أنه ليس له ما يكفيه ويسد حاجته أمره بالكسب والعمل. وقال أبو قلابة: «كان أيوب يقول لي: لا تدع السوق، فإن الغنى من العافية»، انظروا يوصي أيوب السختياني رحمه الله أبا قلابة بأنه لا يدع السوق، أي لا يدع العمل والتجارة، يقول له: لا تدع السوق، فإن الغنى من العافية. وهكذا أيضا قال ابن المسيب رحمه الله: «لا خير فيمن لم يجمع المال يكف به وجهه ويؤدي أمانته»، وهكذا آثار كثيرة عن السلف فيها الحث على الاكتساب والعمل والاستغناء عما في أيدي الناس، وأن ذلك شرف لصاحبه. والمراد من ذلك كما سمعنا: الكسب الحلال، اتخاذ الأسباب المباحة، وأما الكسب المذموم هو ما كان من حرام أو من أمور مشبوهة، التعامل بالمحرمات أو التعامل مع بعض المشبوهين، كتزوير ونحو ذلك، هذا الذي يذم، وهذا من الدنيا المذمومة الذي يذم عليها صاحبها، أو بغش وخداع وكذب، تلبيس وتدليس، فهذا الذي يدخل في الأحاديث الذامة للإقبال على الدنيا. قال: وإياكم ومسألة الناس، فإنها من آخر كسب الرجل، فحذرهم رضي الله تعالى عنه من المسألة، وهي سؤال الناس، وأن هذه المسألة من آخر كسب الرجل، يعني من آخر ما يلجأ إليه الإنسان إذا اضطر إليه، فإن المسألة لا تحل إلا لضرورة، وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث قبيصة بن المخارق في مسلم، حين تحمل حمالة، فجاء يسأل النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجلس حتى تأتي الصدقات فنأمر لك منها»، ثم قال: «يا قبيصة، اعلم أن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابت أمواله جائحة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: إن فلانا أصابته فاقة، وما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكله صاحبه سحتا». هكذا أخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، أي تحمل أموالا، كان يكون مثلا بين طائفتين شقاق وبينهم فتنة بسبب قتل أو نحو ذلك، فيتحمل دية حتى يكف الشر، فله أن يسأل بسبب تحمله لهذه الحمالة حتى يصيبها ثم يمسك. ورجل أصابت أمواله جائحة، عنده أموال فأصابتها سيول أو أمطار أو احترقت أو نحو ذلك، فصار صفر اليدين، حلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش، يعني ما يسد حاجته. والرجل الثالث هو الذي أصابته فاقة، كان غنيا ثم افتقر، حلت له المسألة إذا شهد له ثلاثة من ذوي العقول من قومه، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش. وهكذا أيضا جاء في حديث سمرة ذكر سؤال السلطان، إلا أن يسأل رجل السلطان أو في أمر لا بد منه، فهذا أيضا مما يجوز، وما سوى ذلك فهو حرام. وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام وأخبر بعقاب من سأل الناس تكثرا، كما جاء في مسلم، «من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر»، تسأل الناس تكثرا، يعني سؤالا لا لحاجة ولا ضرورة، وإنما تريد أن تجمع المال عن طريق المسألة، كما يفعل كثير من السائلين يتخذون المسألة مهنة، يتخذون المسألة عملا، فيقومون من مسجد إلى مسجد يسألون الناس تكثرا لأموالهم، فهذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإنما يسأل جمرا»، يسألهم نارا تحرقه يوم القيامة. وجاء فيه عن ثوبان قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم»، حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم، ينزع اللحم من وجهه ويكون على هذه الصورة المشوهة. ثم قال: وإذا متم فلا تنوحوا، فإنه لم ينح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوصاهم بأن لا ينوح عليه، والنياحة هو رفع الصوت بالبكاء أو الصياح، وما يتبع ذلك من ضرب الخدود وشق الجيوب، هو الدعاء بدعوة الجاهلية، فإن هذا من كبائر الذنوب، وقد برئ النبي عليه الصلاة والسلام من الصالقة والحالقة والشاقة، كما في حديث أبي موسى في الصحيحين: الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة التي تحلق رأسها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثوبها. وقال عليه الصلاة والسلام في ذلك: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية»، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن النائحة إذا لم تتب أقيمت يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب، عقابا لها على نوحها. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الميت يعذب في قبره بما نيح عليه، كما جاء في الصحيحين حديث ابن عمر والمغيرة وغيرهما من الصحابة: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه، أي بما يبكى عليه ويرفع بذلك الأصوات أو ما يحصل من نياحة. قال بعض العلماء: ذلك إذا علم أنهم سيفعلون ذلك ولم ينكر عليهم ولم يحذرهم من ذلك، فإنه يعذب في قبره، فالنياحة محرمة لا تجوز، أما البكاء حزنا على فراق الميت فهذا مشروع، وهو من الرحمة، قد بكى النبي عليه الصلاة والسلام على ابن إبراهيم حين مات، وبكى حين زار سعد بن عبادة، حتى قال له عبد الرحمن بن عوف: «ما هذا يا رسول الله؟» قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». وهكذا أيضا لما بكى على ابن إبراهيم قال: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون»، في رواية قال: «لا نقول إلا ما يرضي ربنا»، فالبكاء مشروع، مجرد البكاء حزنا هذا من الرحمة، وأما ما زاد على ذلك فهو من النياحة، ما زاد على ذلك فهو من النياحة التي حذر منها الشارع.